نقف اليوم عند آخر الأعوام الخمسين التي تفصل بيننا وبين يوم وفاة اسماعيل الكبير . فاليوم نستطيع ان ننظر إلي الوراء ونتأمل . نستطيع اليوم أن نجمع في نظرة واحدة صور الماضي القريب والبعيد ، ونقرن بين بعضها وبعض ، ونتبين مواضعها ونسبها وملامحها واضحة كما ينظر الطير من أعلى الجو إلى سطح الأرض ، فالأفق يلوح لنا عند ذلك أوسع وأشمل ، على حين تكون ضجة الارض أبعد وأهدأ .
ولعل إسماعيل كان من بين ملوك مصر أكثرهم ضربا في زحمة الحياة . ولعل عصره كان من بين عصور تاريخنا أكثرها ضجة وحركة . وقد يمر العصر على سلامة وهدوء ، فلا يكاد الناظر إليه من بعيد يجد فيه متسعا للتأمل ، وقد يمر على حركة شاملة فيكون مثارا للاراء ومعرضا لوجهاتها المختلفة . ولكن التاريخ المنصف لا يملك إلا أن يؤدي واجب الحق إذا تحدث عن الذين ينوء وكانت لهم اليد الكبرى في توجيه حوادثه .
فتاريخ مصر في القرن التاسع عشر يكاد يخلو إلا من أشخاص ثلاثة يتناولون أطرافه : محمد على الكبير وابنه ابرهيم يقبضان على ناصيته من مطلعه ، وإسماعيل يملك زمامه من أواخره . وما عدا ذلك يملؤه أحيانا الفراغ والركود ، وأحيانا العنف والتدمير ؛ فاسماعيل ثالث ثلاثة خلقوا مصر الحديثة بغير نزاع ، ولكنه في نظر التاريخ صاحب الفضل في إقامة اساس البناء الذي تقوم عليه نهضة مصر الكبرى في الوقت الحاضر.
مضي محمد على الكبير إلي جوار ربه بعد أن سبقه ابنه العظيم إبرهيم الفاتح ، ولكن الحوادث التي تألبت على مصر
منذ عام ١٨٤٠ كادت تهدم كل ما بناه ملكاها العظيمان في مدى نصف قرن من الزمان . كان جهد الإصلاح والتقدم في عصر محمد على بغير شك جهدا جبارا لم يتأت مثله لكثير من البلاد ، فقد نهضت مصر بفضله إلى مصاف الدول الكبرى أو كادت ، ووضعت أقدامها عند أول درجات التقدم المادي والفكري قبل ان تظهر في الوجود امم كثيرة من الأمم الكبرى ، ولكن الحوادث الجليلة التى نزلت بمصر في أواخر حكم منشئ مصر الحديثة كانت بمثابة ضربة ثقيلة هدمت كثيرا من دعائم البناء حتى كادت تأنى عليه ، وزلزلت الأرض تحت اقدام مصر فلم تستطع مضيا في سبيلها على درج التقدم . وهكذا حتم عليها أن تبقى مزعزعة مترنحة من أثر الضربة الكبرى نحو ثلاثين عاما حتى ارتقي عرش مصر الخديو إسماعيل الكبير.
وسنة الحياة لا تعرف الوقوف ، والحركة من أول قوانين التاريخ . على ان الحركة إذا لم تكن نحو الامام كانت نحو الوراء ، أو كانت حركة تحلل وفناء في أيام الركود ؛ ولهذا لم يبدأ عهد اسماعيل من النقطة التي انتهي إليها عهد جده العظيم ، بل بدا من حيث انتهى عهد السنوات الثلاثين الراكدة التي تفصل بين حكميهما . فلما بدأ اسماعيل عمله كان عليه أن يزيل الركام ثم يبدأ بعد ذلك في البناء الجديد.
ولسنا نطمع في مثل هذه الكلمة أن نحيط بأعمال اسماعيل ، فإنها تفيض ، وتضيق عن حديثها موسوعات الكتب .
وقد تخلف لنا فيها من الأحاديث المختلفة صنوف متباينة ، فيها من كل وجهة نظر ومن كل تفصيل ، لا يحتاج أحد معها إلي الحديث المعاد ، ولكن شيئا واحدا لا نملك إلا أن نذكره ونحن نقف في يوم ذكراه على بعد خمسين عاما منذ يوم لحق بربه في أوائل مارس من عام ١٨٩٥ ؛ وذلك هو ان عهده كان عهد حركة شاملة وحياة قوية
انبعثت إلي كل أطراف مصر
كان عهد حركة في الحياة الفكرية وفي الحياة الاقتصادية وفي الحياة الاجتماعية والسياسية ، فأني اتجهنا بنظرنا اليوم إلى أمر من أمور الحياة القائمة وجدنا تحته الأساس الذي وضعه اسماعيل . ولا يستطيع هذا الجيل الذي يعيش في أواسط القرن العشرين ان يعرف مقدار عظمة اسماعيل إلا إذا تصور مصر التى وجدها عند أول اعتلائه العرش ، ومصر التى تركها عند ما غادر البلاد على اثر الحوادث النكراء التي أدت إلى جحود فضله حينا من الزمان.
ليس من طبيعة الأشياء أن يجني الزارع ثمار ما بذره إلا بعد أن تتفتح النواة وتضرب في الأرض جذورها ، وتمضى في نموها على سنن الخليقة . وليس له ان يجني الثمار إلا إذا حل اوان اقتطافها . فإذا كان اسماعيل قد خبأت له الأقدار طائفة من الحوادث نزعته من أرضه قبل ان يرمى ثمار عمله ويقطفها بيديه ، فإن هذا لا يغير من الحقيقة شيئا ، لان البذور قد تفتحت ومدت جذورها وارسلت فروعها . وهاهي ذي مصر الحاضرة نجني من ثمارها بعد ان أضاف إليها الخلف العظيم وتعهدها بعنايته وبعث إليها من روحه . وكانت الحوادث التي إنتهي إليها عهد اسماعيل بمثابة ضريبة العظمة التى طالما امتحن بها المصلحون في مختلف عصور التاريخ .
كان اسماعيل من أفذاذ المصلحين الذين لا يحصرون جهدهم في ناحية واحدة من نواحي الإصلام . كان جبار العقل واسع الذكاء مستنيرا إلى اقصي حدود الاستنارة . فأدرك ان الاصلاح الحقيقى لا يكون إلا بانشاء جيل جديد من الشعب وتمهيد السبيل المادية له للاتجاه نحو حياة مستقبلة جديدة . ادرك ان الأمل القوي مائل امامه وليس من خلفه ، فجعل لنفسه شعارا ان يجعل مصر قطعة حقيقية من العالم المتمدن ، واقبل على غرضه يحققه في حماسة وقوة ؛ فلم يغفل جانبا من جوانب الإصلاح ، ولم يغب عنه عنصر جوهري من عناصر
النهضة ، سواء أكان ماديا أو معنويا ؛ فليس في كل ما حولنا في عصرنا الحاضر من مظاهر النهضة سبب من اسباب الحياة إلا كان اسم إسماعيل متصلا به وكان هو واضع اساسه ؛ فالتعليم الشعبي كان من اثره سواء أكان ذلك في دور العلم أم في المؤسسات الثقافية كدار الكتب ومتاحف الأثار ومسارح التمثيل والصحافة والنهضة الاقتصادية كانت من أثره سواء أكانت في الزراعة أم في الصناعة والتجارة أم في المواصلات . والنهضة التنظيمية كانت من أثره ، سواء كانت في تنظيم الإدارة والوزارات ام في تنظيم الجيش ام تنظيم الحياة السياسية.
والنهضة الاجتماعية كانت من أثره ، فإنه كان على الحق عندما فاخر بأن مصر قد اصبحت بفضله قطعة من اوربا.
وكان اسماعيل فوق ذلك كله ينطوي على نفس مهذبة لا تقنع بدون الكمال . فلم تكن الحياة عنده لتقنع بما يمس المادة والعقل ، بل كان يطمح إلى أن يذيق مصر طعوم اللذات النفسية التي تغذي المشاعر بصنوف من الآحاسيس السامية. ويكفي أن تذكر فضله في مخلفات الفن والبناء ، وفي حرصه على نفائس الآثار ، بل لانستطيع ان ننسى فضله في تنسيق تلك الحدائق الغناه التي لا تزال مسارح للترفيه ، كحدائق القصر الذي أصبح اليوم مثوي غرائب الحيوان ، وحدائق الأزبكية وكوبري قصر النيل وما وراءه من بساتين ، وحدائق القناطر الخيرية ، أو ذلك الطريق الممتع الذي يؤدي إلي الإهرام ، أوحدائق الإسكندرية الغناء على ضفاف المحمودية أو طريق ضاحية الرمل . ولسنا نجد هنا مجالا لتفصيل مائدين به لذلك الملك الفتان من ألوان التجميل الذي يكاد يكون ملجأ المصريين عموما إلي اليوم ، إذا أرادوا التماس المتع النفسية . كان اسماعيل يحب مصر ويريد أن يبرز حبها في أعماله ، فكان يتخذ من رقعتها لوحة يبرز عليها بلمساته البارعة ما في نفسه من محبة لها وطموح إلي تجليتها في أبدع صورها .
وإذا كنا نجمل في الاشارة إلي كل هذا الاصلاح الشامل فلا نملك إلا ان نقف لحظة عند اثرين آخرين للخديو العظيم لا يزالان إلى اليوم من أعز الحقائق القومية عندنا : فأما الأول فهو السعي لتحقيق الاستقلال ، وقد كان له الفضل في أن يخطو بمصر خطوة جريئة نحو استعادة الاستقلال الذي انتزعه جده الكبير بسيفه
فبذل الجهد المتصل في سبيل استمالة السلطان حتي حصل منه على امتيازات كبرى جعلت مركز مصر السياسي مركز الدولة المستقلة فعلا في حدود صلة ضيقة بالدولة العثمانية لا تكاد تزيد على دفع الجزية السنوية.
والأثر الثاني ان عصره شهد أول مجلس نيابي يمكن
أن نعده الأساس للنهضة السياسية التي نهضتها مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر إلي اليوم .
وإن كانت مصر قد تعثرت في سيرها بعد عهد اسماعيل فان البذور التى بذرها قد مكثت في الأرض وكانت أصل النهضة الحديثة بلا ريب . وإنا إذ نقف اليوم نتأمل مدة الأعوام الخمسين التي تفصل بيننا وبين يوم وفاته ، نشعر بأعمق التقدير لتراثه الكبير ، ولا ننسي ان ذلك الترات كان وما يزال يزداد على الآيام نماء وبركه ؟ فقد رفع علمه في هذا القرن العشرين ابنه الخالد الذكر فؤاد الأول ، ولا يزال يمضي به قدما حفيده المأمول للأجيال المجيدة الملك " الفاروق "
