كان يموت ببطء ، كما يموت المسلول المدلف ، فلقد كنت أشاهده حوالي الساعة الثانية من كل يوم جالسا قرب شرفات الفندق على مصطبة وضعت له فى الرحية المطلة على صفحة البحر الهادىء. هكذا كان يجلس مدة - دون أن يتحرك - وهو مستلذ بدفء الشمس ، ينظر إلى البحر الوسيع نظرة أليمة نادية . وكان بين آن وآخر يرفع بصره فيلمح الجبال الشاهقة وقد تمتمت ذراها الرفيعة بالغيوم .. ثم يحرك ببطء ساقيه وكأنهما عظمان أجردان ، لولا ما نفى عنهما ذلك قماش السراويل . وكان يفتح كلما التقى به بصري كتابا هو نفس الكتاب الذى أشاهده بقرأ فيه كل يوم . يفتح الكتاب فيقرأ بعينيه وعقله، ويشاركه فى القراءة حتى جسمه الضنى ، كأن روحه قد غطست في لجة الكتاب فطفق يفتش عنها في الأعماق، ويستمر كل يوم في مثل هذه الحال حتى يفاجئه الهواء البارد الندى فيشتد عليه السمال ، ويضطره إلى ترك مكانه والعودة إلى مخبئه في الفندق .
كان هذا الرجل ألمانيا طويلا بلحية حفيفة، وكان معروفا بين النازلين في الفتدق بأنه هو الذى يتناول فطوره وغداءه في غرفته الخاصة، وأنه هو الذي نذر لربه صوما فلا يكلم أحدا .
جذبنى إليه شئ مبهم غريب ، فلقد جلست يوما بجنبه أمثل دوره الذي يمثله كل يوم ، وأخذت كتابا أيضا لأخفي بالنظر فيه ما قد يظهر على وجهي من ملامح التدقيق وكان السفر ديوانا للشاعر ( منبت) ففتحته وشرعت أقرأ قصيدة بعنوان "رولا" . وبينما كنت غارقا فى صفحات كتابى فأجأنى وهو يحدثنى بلغة فرنسية سليمة ويقول :
- أتعرف الألمانية ياسيدى؟ . كلا ، لا أعرفها . - أنا آسف لذلك ، فهذه مصادقة سعيدة رمت أحدنا بقرب الآخر ، وإننى لمشقوف أن أبحث معك عن هذا الشئ الذي لا يقدر ؛ هذا الكتاب الذي تحمله يدي ، كما يحمله عقلي . فقلت له :
- ما هذا الكتاب؟ أهو كتاب صلوات؟ - إنه نسخة أستاذى شوبنهور، وعليه شروحه الخاصة وتعليقاته التي كتبها بخطه . انظر إلى الهوامش الكثيرة التي كتبها بيده في هذا الكتاب .
وهكذا أخذت الكتاب من يده باحترام وتبجيل ، وطققت أنظر الأشكال المشوشة التي خطها شوبنهور ، فأظهرت أمام عينى تلك الأفكار الخالدة التي أذاعها أعظم فيلسوف هشم الآمال والأحلام وجد على هذه الكرة العظيمة ، عند ذلك تذكرت أبيات ماست التى تخاطب قولتير وتقول :
"هل وجدت يا فولتير أن الموت سعادة وهناء وهل لا تزال ابتسامتك الساخرة منبسطة على أسارير وجهك البالي !؟؟ " .
وفي الحقيقة فقد كنت مجبرا أن أقارن سخرية قولتير بتهكم الفيلسوف الألماني ، ذلك التهمكم الذي لا يقاوم ، والذي ما يزال تأثيره غير متدثر ولم ينطمس مفعوله وإنه مهما أكثر من الاحتجاج والغضب، وألححنا في سخطنا وتمصبنا ، مهما كنا غيورين ، فإن شوبنهور قد وسم الإنسانية بطابع بصيرته وازدرائه . لقد كان محررا ، وطالبا للسرور، وقد نبذ العقائد، والمثل الشعرية والأوهام، لقد هدم الطموح ومات فى ثقة النفوس وأمات الحب والهوى، وثل عبادة الفروسية والفساء ، وسحق غرور القلوب ، وأكمل أعظم عمل جبار كان قد حاوله الشاكون والملحدون .
إنه لم يدخر شيئا مع روحه الساخرة ، لأنه قد أفنى كل شيء.
وحتى هذا اليوم فإن أولئك الذين يدعون عليه ويلعنونه يظهر أنهم يحملون فى خفايا نفوسهم ذرات من آرائه ودقائق من أفكاره .
وبعد فقد التفت إلى الألماني وقلت له : - يظهر أنك كنت صديقا حميما لشوبنهور؟ فابتسم جاري ابتسامة حزينة وقال :
- نعم حتى حانت وفاته ياسيدى . ثم أخذ يحدثنى عن الفيلسوف، وأخبرنى عن الانطباع الخارق الذى يحدثه هذا المخلوق الغريب فى كل من يكون قريبا منه . لقد سرد لي أخبارا عن شوبنهور هدام الصور الدينية واجتماعه بسياسي فرنسي جمهوري . وذكر لي أن الفرنسي أراد أن يشاهد الفيلسوف وكيف أنه وجده فى حانة صاخبة وهو جالس بين حوارييه ومريديه ، وقد ظهرت كرشه وسمعت قهقهته التي لا تنسى . وكان يتحدث مهاجما الأفكار وممزقا المعتقدات بكلمة تسرى بين رفاقه . لقد كان فى حديثه كالكلب الشجاع يمزق فى عضة واحدة من أسنانه نسيج اللحم الذي يداعيه !!.
ولقد أعاد على سمعي حديث ذلك الفرنسي وهو يفارق شوبنهور متعجبا ومذعورا ، فكان قد قال : "لقد فكرت وأنا بالقرب منه أنى قد قضيت ساعة مع الشيطان".
ثم أضاف محدثى فقال : - وفي الواقع لقد كانت ابتسامته مخيفة ياسيدى ، كانت تخيف حتى بعد مماته . وإنه ليمكنني أن أخبرك بنادرة عنها لا يعرفها أحد .
وبدأ حديثه بصوت واهن كان يقاطعه السعال فقال : - الآن وقد مات شوبنهور وقد رتبنا نحن تلاميذه أن ننتظر جثته بالتناوب اثنين اثنين حتى الصباح . ولقد كان راقدا فى شقة واسمة بسيطة جدا ، قد خيم عليها ظلام كثيب . وكان فيها شمعتان في كل زاوية شمعة .
وكان الوقت منتصف الليل عند ما جاء دوري للانتظار بصحبة رفيق من التلاميذ بدلا عن الرفيقين اللذين انتهت مهمتهما ، فأفسحا لنا مجالا لأن تكون عند موضع القدمين من الفراش .
وأضاف محدثى مستمرا فقال : - لم يتبدل الوجه وقد كان بسام السحنة، وإن تلك التنية التى عرفناها جيدا قد بقيت فى موضعها حول شفتيه، وخيل لنا أنه على وشك أن يفتح عينيه، وأن يتحرك ويتكلم
وأحسسنا بأفكاره تلقنا لقا . لقد شعرنا أكثر من أي وقت آخر أننا فى جو عبقريته ، وكأنه قد تشربنا واحتوانا من جديد ، وقد ظهر لنا أن سلطانه قد أصبح عند موته وهو أنقذ من ذي قبل ، فخيم علينا إحساس خفي ليس لقوته الروحية من شبيه .
إن أجسام هؤلاء العباقرة تختفي ولكن نفوسهم تبقى . وفى الليلة التي تلي توقف التدفق فى قلوبهم يكونون أؤكد لك ياسيدى مخيفين . وفى نغمة خافتة كنا نتحدث عنه معيدين إلى الذاكرة بعض أقواله ، وبعض حكمه واصطلاحاته ، وعباراته التي رأيناها تشع في ظلام الحياة المجهول لقد بدا لي أنه سيتكلم ، ذلك ما قاله صديقى ، وأخذنا معا ننزعج خائفين عند النظر إلى الوجه الراكد بابتسامته الخالدة . وأخذنا بالتدريج نشعر بالألم والضجر، حتى خيل إلي أني سأقضى ساعة إنهماء ، ثم قلت لصديقى : لا أدري ما الذي يعتريني ، لكني أوكد لك بأني لست مرتاحا . وفى تلك الدقيقة لاحظنا أن رائحة مؤذية قد انبعثت من الجثة . فاقترح صديقي أن تذهب إلى الغرفة المجاورة ، وأن نترك الباب مفتوحا .
أعجبتنى فكرة صديقى فانصت إلى آرائه طائما ، وأخذت إحدى الشمعتين لتضيء المكان الآخر، ثم ذهبنا فجلسنا في الشقة المجاورة بحيث يمكننا رؤية الجثة وسائر الفراش . ومع ذلك فكنا نرى أنه ما يزال يحدق فينا يبصره
وكان ما يزال مسئوليا علينا ، يحيطنا بروحه الحرة ويقيدنا بسلطانه النافذ ومع هذا فكانت ترهقنا كذلك رائحة الجثة الخانقة والمنبعثة من الجسد المتفسخ ، حتى كأننا نغطس فى ألم عظيم لا حيلة لنا على تفسيره وفجأة مرت رعشة باردة في عظامنا ذلك أن صوتا ، صوتا ضعيفا قد انبعث من غرفة الموت فحدقنا الجثة بنظراتنا مباشرة ورأينا ، نعم يا سيدى ، رأينا بوضوح شيئا أبيض يمر على الفراش ويسقط على البساط ويختفى ويزول تحت الكرسى . لقد نهضنا على أقدامنا قبل أن يكون لنا من الوقت ما نفكر فيه بشيء آخر ، لقد حطمنا الخوف واستولى علينا الفزع، وهيأنا أنفسنا للهرب وأخذ كل منا ينظر إلى صاحبه نظرة التحير الخائف ، وكان أحدنا أصفر من شدة الخوف ، وكان وجيب قلبينا يسمع وحركات أفئدتنا ترتفع حتى كانت ملابسنا ترتفع مع صدورنا . لقد كنت الباديء في الحديث فقلت :
- ألم تر ؟ - نعم لقد رأيت . - أمن الممكن أن لا يكون قد مات ؟ - ولماذا وحتى عند ما يكون الجسد قد تعفن ؟ - وماذا نفعل ؟ فقال رفيقى بنغمة سريعة : - يجب أن نذهب ونرى.
فأخفت الشمعة ودخلت أنا أولا ، ناظرا في جميع زوايا المكان المظلم ؛ لم أجد شيئا يتحرك الآن ، واقتربت من الفراش، ولكنى وقفت مربوطا بالدهشة والخوف لقد كان شوبنهور وما يزال ضاحكا ؛ لقد كان عابسا بشكل مخيف ، فقد تضاغطت شفتاه وظهرت في خديه حفرتان عميقتان ... فصرخت : إنه لم يمت .
ولكن الرائحة الكريهة صمدت إلى أنفى فأبيسته
ثم لم ألبث أن تحركت ولكنى بقيت محدقا فيه ، وقد تملكني الخوف كما لو كنت في حضرة شبح مخيف من الأشباح ! !
أما رفيقى فانه قد أمسك بالشمعة الأخرى وانحنى إلى الأمام ثم أمسك بذراعى دون أن ينبس بكلمة ، فعقبت نظراته فرأيت على الأرض وتحت الكرسى وبين الفراش والبساط القائم شيئا أبيض وقد فقر فاء كأنه بريد أن يهيش ، كان ذلك طقم أسنانه الصناعية فإن تغضن اللحم والفكين قد أخرجه من داخل الفم إلى الخارج .
- لقد كنت مذعورا في ذلك اليوم يا سيدى ؟! لقد كان وقتا مشؤوما .
*** وفي الوقت الذي كانت الشمس فيه تغوص في لجة البحر الفسيح تحرك الألمانى الهالك قائما من مجلسه وانحنى فى أدب لتحيتى ، ليأوى إلى الفندق .

