يا دنيا الأحلام أرحمينى ، ويا أطياف الذكرى فكى قيدى وأطلقينى ، ويا أيتها الروح اعفى عنى وسامحينى ، ويا من رحل عنى أقسم لا الذكرى صفت ولا انساب عنى موج الحنين ، كل لحظة مرت منذ انتقالك زادتنى شوقا إلى من كنت أصطفيه وكان يصطفينى ، ولولا رجولة فرضت لما بخلت عليك بدمعى وأنينى ، رب مقلة جافة اهطل من دمع هنون ، وشعور مكبوت أشد فيضا من سيول الحزين ، يا روح أخى هل سمعت نجواى ام لم تسمعينى ؟
زرنى في منامى بالأمس معاتبا لا أدري لماذا.والحقيقة أنك لم تنبس ببنت شفة ، ولكنك وقفت تنظر إلي النائم في فراشه دون أن تتكلم ، و كنت مجسما فى زيك الأنيق ، وكانت تتجلي في عينيك مظاهر عتاب هادى . لم أدرك بعد الدافع إليه . والغريب أن زيارتك الليلية هذه وافقت وفاة جارتى المسكينة في الشقة الملاصقة ، والظاهر أن روحها قبضت في نفس اللحظة التى هلت على فيها طلعتك . لأنى حال استيقاظى بعد الرؤيا مباشرة سمعت بكاء خافتا يصدر من شقتها وعجبت لحدوثه ، ثم استغرقت في النوم ثانية حتى استيقظت في الصباح حين علا الصياح وبدأت الاستعدادات لما يجرى فى مثل هذه المناسبة . إنى
أحاول أن أفسر توافق زيارة ملاك الموت للشقة المجاورة وزيارتك لى فى منزلى في نفس اللحظة والدقيقة . لعلكم في عالم الأرواح تعلمون أولا فأولا عن السعداء الذين سوف يحظون بقربكم ، فلما علمت أن الملاك أو أحد أعوانه سيزور عمارة معينة في الشارع الذي أقطن فيه وجف منك القلب فاستفسرت وألحقت ، فلما علمت أن الدور على غيري تنفست الصعداء , ثم طلبت أن يكون لك حظ المرافقة لتلتقى روحك الهائمة بروح أخيك المطروحة أثناء نومه . ويظهر أنك أتيت للرؤية فقط لأنك نظرت إلى فى سكون
ولم تتكلم .فما الذى يؤلمك منى ياترى؟ أنت تعلم أننى أفرطت في الشجن بعد انتقالك ، وهانت في ناظرى كل مصائب الدنيا . ولقد قتلنى فقدك ، وياله من ثمن غال دفعته لأصبح الشخص الذى أنا عليه الآن . كنت أظن أن الإبتسامة لن تعرف تقاسيم وجهي بعد هذه الصدمة ، فإذا بفضيلة النسيان تطغى تدريجيا كعادتها ، فسرعان ما تربت البسمة الحائرة على عرش الغضون والتجاعيد ، ثم تنادر الأصدقاء من حولى ليسروا عنى فضحكت ، وبالغوا فى التنادر والقهقهة فقهقهت ، وأقسم أنها قهقهة من طرف
اللسان وثنايا الحنجرة ، أما القلب فقد جفت موارده وشحت مباهجه ، وأصبح آلة تدق لتغدق على الجسم الدفء والحياة. والواقع أن النسيان هو المصير المحتوم لعزيز الصدمات ولكن هناك شخص ينسى في يوم وآخر ينسى بعد شهور أو سنوات ، والنتيجة واحدة إذا استعرضنا سجل الحوادث بعد مضي الوقت الطويل . أم ترى يا أخى قد ساءك مني تصرفى عند ما ذهبنا إلى المقابر في الأسبوع الماضى لنستودعها ابنة عمك التى قضت في ذلك اليوم ولابد أنك علمت أنها توفيت بالأسكندرية ، وكان علينا ان ننتظر وصول جثمانها بجوار مقبرة فغرت فاها لتستقبل الضيف الجديد . وطال انتظارنا لعطل أصاب السيارة التي نقلتها من الإسكندرية عن طريق الصحراء ، ذلك الطريق الذي طالما خطرت فيه
بسيارتك الأنيقة . وأراد حفار القبور أن يرفه عن أخى الأصغر وصديق له ، فسار مهما إلى جوار القبر المفتوح وأخذ يشير بأصبع جامدة محايدة إلى الأبرار الذين سبقونا وسبقوك وبسميهم واحدا فواحدا ، وعد منهم ثمانية عرفتهم جميعا اثناء حياتهم ممتلئين صحة وقوة وشبابا ، وكدت أخشى أن يختم السلسلة باسمك لولا لطف الله ، لانك لازلت حيا فى قلبى ، وعزيز على أن أخيب ظن القلب بمواجهته بدليل قاطع دافع على زوالك من العالم المادى . أقلقنى الانتظار لا عن ملل ولكن لأن الأسى فاض بى
ولم أطق أن أتخيلك صفوا لهذه الأحجار والعظام البالية ، فقمت من كرسى وانصرفت دون استئذان إلا من روحك التي قرات لها الفاتحة فى كل خطوة خطوتها نحو سيارتى التي علاها غبار طاهر أصبح جسمك من جزيئاته .
استعرضت هذه الخواطر وأنا أستعد لتصفح كتاب ( الطرح الروحي ) تأليف مولدن وكاريجتون . ولم يكن يبنى وبين هذا الكتاب استلطاف في مبدأ الأمر ، فتركته على مكتبى حوالى شهرين دون أن أمسه حتى جاشت في نفسى هذه الذكريات ، فأمسكت به في تثافل وحملته حملا إلى السيارة لأحاول تصفحه وأنا جالس في مقعدى لا رقيب على سوى السائق وعابرى السبيل . أردت أن أجد فيه ما يفسر اتفاق حدوث زيارة أخى الروحية فى الحلم مع
قبض جارني المتوفاة ، فراجعت فهرس الكتاب بسرعة آلية حتى وقفت عند كلمة ( النوم ) فقلت لنفسى : ترى ماذا يقول هؤلاء الروحيون عن هذه الطاهرة الطبيعية من
حياتنا اليومية . فوجدت اعتقادا راسخا بأن الروح تغادر الجسم أثناء النوم وتبقى متصلة به بحبل أثيرى يستطيل وينكمش حسب مقتضيات الرحلة التى تسبح الروح فيها في عالم المادة والروح ، فتري من الأحداث ما نسميه بالاحلام ، ويحدث هذا الطرح الروحي أيضا خلال الغيبوبة الوساطية أو السبات العميق الذي ينتج عن مخدر كالكاوروفورم مثلا ، أو خلال ما يسعي " تعليق الحيوية " عند ما يدفن فقراء الهنود أنفسهم أياما أو أسابيع . ويصف المؤلفان بعض عجائب الظاهرة الأخيرة فيقولان إن أحد الفقراء
المصريين وهو ( حامد بك ) أبدى في هذا الميدان مهارة عجيبة ، فبقى مدفونا مدة ساعة في أتلانتا ، وثلاث ساعات فى نيوجرسى ، وسبع ساعات فى سان دييجو ؛ والغريب في حالته أن التراب أهيل على جسده فى حفرة عميقة دون أن يوضع في تابوت مغلق كعادة فقراء الهنود وغيرهم . وذكرا مثلا آخر لفقير هندى ظل مدفونا فى قبر محكم الإغلاق مدة ثلاثين يوما بالتمام بعد وضعه في صندوق أحكم إقفاله تحت رقابة لجنة محايدة من كبار موظفى المنطقة منهم الأمير
رائجيت سنج والسير كلود ويد . والفرق بين كل هذه الحالات والموت الحقيقى هو بقاء الحبل الاثيرى سليما يصل الروح المطروحة بالجسد المادى . فإذا أفلت هذا الحبل من الجسد حدث الطرح الروحى الدائم أى الموت ، أما النوم فهو طرح مؤقت للروح ، وما الاحلام إلا سياحاتها في عالم
المادة والروح ، فترى المنظور وغير المنظور ، وتقابل الأحياء والأموات على حد سواء . وهذا الاستيطان المؤقت فى عالم الروح يهئ لأرواحنا فرصة الحصول على تغذية
وتقوية روحيتين لا تلبثان أن تنعكسا على الجسم عامة فيصحو الإنسان من نومه منتعشا متجدد النشاط .
ما هذا الحبل الأثيرى الذي يفرق بين الحياة والموت ؟ يجزم الروحيون أنه في حالات النوم والغيبوبة تفارق الروح الجسد ، ولكنها تظل مرتبطة به يحبل أثيرى مطاط يطول ويقصر ، ويخترق الحجب والحواجز والجدران مع الروح الهائمة . ويقولون إنه يبدأ فى مكان حيوى في المخ المادى حيث تجتمع جميع المراكز الحيوية التى تسيطر على القلب والتنفس ، وينتهى فى نفس المكان من الروح الاثيرية ،
فإذا كان الشخص مستلقيا على ظهره ( انظر شكل ١) ووجهه إلى أعلى طرحت الروح ووجهها إلى أعلى أيضا, وبرز الحبل الأثيرى من الجبهة لينتهي في مؤخرة رأس الجسم الأثيرى . وتكون الروح في مبدأ الأمر موازية في اتجاهها للجسم المادى ، ثم تتخذ بالتدريج وضعا عموديا قبل أن تبدأ سياحتها منهما في عالم الروح . وعند الاستيقاظ نتيجة ضجة او انفعال شديدين تعود ثانية إلى وضعها الأفقى ثم تقترب من الجسم ، بينها يقصر حبل الاتصال حتى تحل الروح في الجسد مرة ثانية ( انظر شكل ٢ ) .
ويقول أحد المؤلفين ( مولدن ) - وقد أوتى القدرة على النوم الاختيارى - إنه جرب هذه الظاهرة في نفسه فشعر أولا برأسه ينثنى حتى لامس ذقنه صدره ، ثم راح جسمه في استرخاء ، بينها صعدت روحه الاثيرية تدريجيا
نحو سقف الغرفة ، وكان يشعر بما يشبه نبضات القلب عند مؤخرة رأسه مما أثبت له أن الحبل الأثيرى يبدأ هناك . ثم لم يلبث جسمه الأثيرى أن تحول تدريجيا من الوضع الأفقى إلى الوضع
العمودى ، وعندما أراد إنهاء التجربة اخذت الروح تعود تدريجيا إلى الوضع الأفقى ثم تقمصت الجسم مرة ثانية . وهو يصف التفاصيل بدقة الذى يعتقد أنه رأى شيئا محسوسا ملموسا . ولا تشعر وأنت تقرأ السطور أو ما بينها بأن فى الأمر ابتداعا أو خيالا .
ويقول المؤلفان إنه متى انقطع هذا الحبل الأثيرى فلا أمل مطلقا في عودة الميت إلى الحياة . ويقولان إن معجزات يسوع عليه السلام عن إحياء الموتى لا يمكن تفسيرها إلا
إذا افترضنا أن الذين بعثوا إلي الحياة لم يكونوا موتى بل كانوا في غيبوية شديدة . وضربا لذلك مثلا : معجزة المسيح عليه السلام في إحياء صديقه لازارس . فإن يسوع بوصفه وسيطا روحيا من الدرجة الاولى - بري غير المنظور لما كان له من ميزة الجلاء البصرى - أدرك أن لازارس لم يكن ميتا ، إذ قال عليه السلام : " إن لازاس لم يمت ، إنه نائم وسأذهب إليه وأحاول إيقاظه " ثم ذهب إلى المقبرة وأمر بإزالة الحجارة ثم نادى قائلا : " قم يا لإزارس " .
فهب الأخير من نومته وتقدم إلى يسوع . أى أن المسيح عليه السلام قرر وهو يتقدم نحو القبر أن صديقه نائم فقط وليس بميت . وضرب المؤلفان مثلا آخر من معجزات المسيح وهو نفخ الحياة في ابنة الحاكم الميتة ،
فأنه دخل بيت الحاكم بين أصوات العويل والنحيب ، ولما اقترب من فراش الميتة نظر إلي من حولها وقال : " إن الفتاة ليست ميتة لماذا تبكون إذا ؟ " ثم أمر بإخراج جميع من بالغرفة إلا والدة الفتاة
ووالدها ، وأمسك بيد الفتاة وصاح فيها قائلا : " قومى يافتاتى قومى ! " فوقفت الفتاة لتوها ومشت إلي خارج الغرفة .
ويقول المؤلفان إن المسيح أقر في هذين المثلين أن بطل الحادث لم يكن ميتا بل كان نائما فقط، وإلا لتكررت المعجزة من مئات أو آلاف من الحالات الأخرى ، الشئ الذي لم يحدث إلا في حالتين او ثلاث . ويخرج المؤلفان من هذا إلى القول بأن عودة الروح إلى جسم ميت شئ مستحيل مادام الحبل الأثيرى قد انقطع ، إذ عندها ينطلق
الجسم الأثيرى - أى الروح - ويترك الجسد المادى كل دنسه وموبقاته . فالموت عبارة عن طرح روحى دائم . أما النوم فطرح روحى مؤقت تكون الروح خلاله متصلة بالجسم بالحبل الأثيرى ، فتصول وتجول وتتمتع بالاتصال بأرواح الموتى السابقين والأحياء المعاصرين ؛ وهذا منطق معقول ينطبق على قوله تعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت في منامها ، فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلي أجل مسمى " صدق الله العظيم .

