الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 459 الرجوع إلى "الثقافة"

عودة الفيلسوف

Share

(نتدبر  هذا المقال لما فيه من متعة أدبية على هامش التنسيق ، وإن كانت المجلة لا تتحمل أية مسئولية عما فيه ، فإن تفرط التنسيق في وزارة المعارف كان كما يبدو من اكمل ما يستطيعه الإنسان الضعيف  ).

قرأت فيما قرأت مقالا للأستاذ توفيق الحكيم نشرته جريدة اخبار اليوم الغراء ، اتصل فيه أستاذنا الفاضل بعالم الأرواح ، وتحدث إلي نابليون " وغيره ، وما إن انتهيت من قراءة المقال حتى غلبني النوم ، فاستسلمت لسبات عميق ، لست أرجعه إلي ملل من قراءة المقال - حاش لله - ولكن أرده إلي شعور بلذة عقلية ، ومتعة فكرية ، وراحة نفسية ، أعقبت القراءة .

رأيت فيما يري النائم أن سقراط الفيلسوف حي يرزق ، ورأيته يسعي إلى رزقه في ساحة " لاظ او غلى " بعيدا عن الاكروبول ، شأنه في ذلك شأننا ، ورأيته وقد جرفه تيار جرف المعلمين والموظفين جميعا - وسقراط أبدا معلم وفي المهنة - أقول جرفه تيار التنسيق ، فاتخذ مكانه بين الجموع الحاشدة التي تملا ردهات الوزارات في هذه الأيام ، يحاول كما يحاول الغير ان يتنسم خبرا عن درجة أو علاوة أو تعديل في أقدمية .

وفي ساعة لم تباركها يد الخالق أعلنت أسماء الرابحين ولم يكن اسم سقراط من بينها ، وحار عقل سقراط على رجاحته في أن يجد لذلك علة ، أو يعرف له سببا .

اليس هو المعلم المجد المجتهد ؟ ألم يقض في الخدمة عددا من السنين يزيد على ما تتضى به قواعد التنسيق ؟ ألم يفن نفسه والشطر الأكبر من عمره في أداء ما وكل إليه من عمل ؟ . إذا فلا بد هناك من سبب ! .

وأخذ المسكين يقدح زناد فكره ، ويجهد قريحته محل الوحي ينزل عليه بتعليل أو تفسير ، ولكن عجز الرجل على سمة تفكيره عن أن يهتدى إلي حل معقول مقبول ؛ فلم

يجد بدا من أن يسأل أهل الذكر ، أمل عندهم نبأ ما خفي عليه وتفسير ما تعسر فهمه وتعقد تعليله .

واتخذ سقراط مكانا في طابور طويل من امثاله المحرومين وقفوا على باب كبير ، قيل إن عنده الخير اليقين ، ومضت ساعات النهار ، ولم يوفق هو ولا غيره إلى مقابلة سعادة جهينة ، فانصرفوا على أن يعتقدوا اجتماعا عند كشك معروف في حديقة الازبيكية واجتمعوا هناك في أصيل يوم لافح حره ، وقرر المجتمعون بعد نقاش طويل ان يعيدوا الكرة مرة تلو مرة ، وأن يلزموا باب الكبير حتى يسمح لهم بالدخول .

وجاء الفرج في اليوم الثالث من أيام سود قضاها سقراط بباب جهينة ، وسمح له باللقاء ، فدخل وحيدا ، وسلم متأدبا ، وسأل عن علة ما اصابه من حرمان ، وكان جهينة هذا طويل البال هادئ التفكير ، يعرف الاساليب الحكومية خيرا مما يعرفها سقراط ، فقد قضى في خدمة " الميري " طويلا . وكان يجلس مع جهينة هذا - وهو صاحب سعادة يحكم أقدميته ووظيفته . كان يجلس معه رجل لا تخلو من أمثاله مجالس أصحاب السعادة ، كل همه ان يقول امين ، وأن يحوقل ويسعل لكل ما يقولون ودار بين هؤلاء وبين سقراط حديث طويل . نلخصه فيما بلى : - ما هي شكايتك يا سقراط ؟ أفصح عنها فان نجد منا إلا أذنا صاغية ، نحن هنا لنسمع لشكايات المعلمين ، ونعمل على إنصافهم أسوة بوزرائنا

لم لم أعط درجة كما أعطي من هم دوني علما وخبرة وكفاءة ؟

- لابد رأسهم قدامى !!  أين تلقيت علمك باسقراط ؟ - في أثينا يا سيدي . - إذا فأنت لم تخرج إلي عالم النور ، وأنت إذا لا تحمل من المؤهلات ما يحمل غيرك من النابهين ، أعني الموظفين  - لقد زرت " يوتوديا " و" ديليوم " و " أمفيوليس " يا سيدي ، فهل يشفع لي ذلك ؟

- عجبا يا صاحب السعادة لهذا الرجل ! لا يسافر إلا فراسخ معدودات ، ويطلب المساواة !

- لا تحاورني يا سقراط حوار السفسطائيين ، فأنت كما نعلم واحد منهم ، أو هكذا يقال عنك .

- لست منهم سيدي ، فأي دليل تقيم على ما تقول ؟ - ألم تقرأ ما كتبه عنك " أرستوفانيس " ألست الذي يسمم عقول الشباب بتعالمه الخرقاء ، ويشككهم فيما نعتقد ؟ الست الذي يحاول أن يضع لنا قوانين جديدة للأخلاق ، وأسسا جديدة للحكم ؟ ألست الذي يعارض نظام الانتخاب وينادي بأن يتولى الاذكياء وحدهم مقاليد الحكم ؟ يا سقراط انت تفكر ، أنت تفكر ، أنت تفكر كثيرا .

( هنا توقف جهينة . وعندي انه لم يستطع قراءة كلمة أو كلمات في المذكرة التي أعدت له عن سقراط ) .

قد تتشابه ارائي واراء السفسطائيين يا سيدي ، ولكن عليك بالجوهر ودع المظهر ، هل قرأت ما قال على " زينوفون " ؟ أو هل قرات عني في خير محاورات أفلاطون : حوار " المائدة " .

- وهل يتسع وقتي لقراءة كل ذلك ، وامامي أكداس من الجرائد اليومية لم تفض ؟ أتعلم أنني لم اقرأ بعد اخر عددين من أعداد روايات الجيب ؟

- ما لآداب اللياقة قد تخلت عنك باسقراط ؟ ألا تري ان سيدنا لم يشرب قهوة الصباح إلى هذه الساعة ؟ كان الله في عونه ، ومد في أجله .

( هنا لابد وأنني تقلبت في سريري ، ولا بد أن المنظر كان قد تغير . سمعت جرس التليفون يدق على مكتب صاحب السعادة ، وجمعت حديثا طويلا ، بين صاحبنا وبين غيره من أمثاله ، لا أذكر منه إلا أنهما اتفقا على أكلة من نوع معين في مكان معروف ، وظننت ، وبعض الظن إثم ، ان خياشيم صاحبنا اخذت تتسع ، ولابد وان صور له خياله رائحة شواء ينتظره ، وخيل إلي أيضا أنه بدأ

يتعامل في جلسته ، ثم قال في ضيق : - ولكن  بنوفون وأفلاطون من قضائك ميلوثوس وانيتوس وليسون ؟ اتريدني ان أغفل آراء هؤلاء السادة من رجال الحكم ، وأخذ بكلام العامة ممن تذكر . - هلا عن لك سيدي أن هؤلاء القضاة - حفظهم الله - بشر مثلى ومثلك يجوز عليهم ما يجوز عليكم وعلي ؟ هلا دار بخلدك أنهم يخطئون حينا ويكذبون أحيانا ؟

- حاش لله أن يخطئ أمثال هؤلاء السادة ، أو أن يتخذوا من الكذب مطية ! حياك الله ياصاحب السعادة فما أطول بالك وأرحب صدرك ! والله لوكان سقراط في حضرة كبير الكتاب لا في حضرتكم وفاء بما فاء ، لصفع وجهه ، وطرده شر طردة .

ما علينا من كل هذا ، العفو عند المقدرة هو ديني وديدني ، حدثني يا سقراط على أي اساس تريد رفعة ورقيا . - على أساس هو مزيج من الأقدمية غير المطلقة ، ورجاحة تفكيري ، وسمة عقلي ، ونفاذ شخصيني وكفاءتي وامتيازي في أداء عملي .

- معايير هذه كلها ذاتية ، لا يستقيم الحكم إذا اتخذناها أساسا .

- الم تتخذ اساسا من قبل ؟ الم تكن أساسا في عدد كبير من الحالات هذه المرة .

سبحان الله ياسقراط ! مالك تنحرف عن المنطق السليم في حوارك ؟ ! حقا لقد خلقت سفسطائيا بفطرتك ؟ أنسيت انك تكلم صاحب سعادة ! عد إلي رشدك وحدثني : هل قرأت ما كتب فيلسوف غر مثلك في مجلة الثقافة عن سوق مزعوم للبغال ؟

- لم اقرا سيدي ما كتب ، فهل لك أن توافيني بجملة ما قال ؟ !

- لست هنا معلما ولا قصصيا ، عليك بدار النشر والتأليف والترجمة ، أطرق بابها واسأل اصحابها عن مقال كتبه رجل أفني عمره هباء ، يقرأ ويفكر كما تفعل ، ثم رد

الله إليه عقله على كبر فسافر إلي بلاد النزد وشرب ماء نهر مبارك طوله شبر وعرضه نصف شبر ، وسوف يفتح الله عليه . فإذا أنت وعيت ما كتب ، ولا إخالك فاعلا ، فعد إلي ومعك " الراكب " .

- ولكني سيدي رجل فقير نزيه شريف ، لا اقيم الولائم ولا استطيع حضور الحفلات ، ولم أوت من سماكة الجلد وصفافة الوجه " وطول البال ما يقربني إلى قلب راكب ، أنا سيدي " راجل " لا أعرف الا " الراحلين " . - إذا فليطل الله من عمرك ، حتى يسعفك قانون يعرفه المنسيون .

وما إن هم سفراط بالخروج حتى دخل معلم اخر يطلب ترقية علي اساس اقدمية مطلقة ، فنهره جهينة ، وقال :

تريد أكفاء ممتازين ! فعجب سقراط لحرباء في ثوب إنسان ، ولطم وجهه كمدا ، وخرج كما يخرج غيره من امثاله حاسر الرأس ، كسير النفس ، ولكن لم يدم ذلك أكثر من لحظات معدودات ذكر بعدها من هو ومن محدثه ، فعاد إلي رأسه رفعته ، وعادت إلي نفسه طمأنيتها ، واستغرق في تفكيره ، وذابت همومه في بحر فلسفته ، وفجأة اشرق وجهه إشراقا ملحوظا . لقد وصل سقراط إلي نتيجة لم يكن قد وصل إليها في حياته الاولى . وعاد سقراط إلى العالم الآخر أنضج تفكيرا ، عاد إلى اين ! لا أدري ، إلي الجنة أم إلى النار ، ولكني أذكر أنه تمتم قبل أن أفتح عيني المرة الأخيرة وقال : " نار الآخرة خير من جنة الوظيفة "

اشترك في نشرتنا البريدية