الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 589 الرجوع إلى "الرسالة"

عودة دجال (البديع) (١)

Share

وقفت برهة أصغى إلى متطبب دجال يروج على الناس  عقاقيره الزائفة من سفوف وسعوط ولعوق وسنون وبرود  ولدود ووجور وذرور. . . وهم يصيخون إلى أكاذيبه مصدقين وكنت أعجب لغفلة القوم عن تزييف دجله، كما أعجب بلباقته  وحسن تأتيه فى التلبيس عليهم. وقد جعل من أول همه أن  يكثر عددهم من حوله: فأقبل يثنى على من يتلبث أمامه يسيراً،

ويقذع فى سب من تحدثه نفسه بالريال عن موضعه قبل  أن يعى بقية مقاله

وتدفقت على خاطرى وأنا أسمع كلمته هذه، صرخة   (دجال)  بديع الزمان فى إحدى مقاماته حيث يقول: من كان  منكم يحب الصحابة والجماعة، فليعرنى سمعه ساعة! ورأيتنى كروايته عيسى بن هشام  (قد لزمت أرضي، صيانة لعرضى)

ثم راح دجالنا العصرى يتحدث بكلام مؤثر بليغ، لا يعيبه  إلا قلة حظه من فصاحة العربية. كلام لم أجد له ترجمة موجزة  فصيحة احسن من قول   (دجال)  البديع: حقيق على  إلا أقول غير الحق، ولا أشهد إلا بالصدق

قد جئتكم ببشارة من نبيكم، لكنى لا أؤديها حتى يطهر الله  هذا المسجد من كل نذل يجحد نبوته! وثبت القوم فى أماكنهم  وثبت معهم وأنا أغالب ابتسامة التعجب، مردداً قول ابن هشام  فى مثل هذا المقام: لقد ربطنى بالقيود، وشدنى بالحبال السود!

ووصف دجالنا ما كان من جهاده فى عالم الطب؛ وكيف فتح  بأبحاثه موصد أبوابه، ووقع على اثمن كنوزه وانفس أعلاقه،  حتى لأرهفت أذني، لأن اسمعه يواصل حديثه فيقول ما قال  سلفه: ولا من عليكم فما أعددتها إلا لضرسي، ولا حصلتها  إلا لنفسى - والحق أنه عبر عن هذا المعنى بأفصح لهجة عامية  أن صح أن توصف عامية بالفصاحة

وبعد أن أوضح خصائص دوائه - ورقم تسجيله بوازرة  الصحة! - عرضه على الحاضرين وهو يقول ما ترجمته: فمن  استوهبه منى وهبته، ومن رد على ثمن القرطاس أخذته. ثم قال  ما هو أقرب شئ إلى قول الأول: ليشتر منى من لا يتقزز  موقف العبيد، ولا يأنف من كلمة التوحيد وأشهد لقد رأيت القوم يجهرون بكلمة التوحيد - غير  أنفين - ثم تتبسط أيديهم نحوه بالدراهم الكثر، ثمناً للدواء  الذى لا يشفى، وقد يسقم

شهدت كل ذلك ثم انطلقت وحدى فى زحمة هذه السوق  الناشطة، وأنا أتعجب للنفس الإنسانية كيف تتواتر صورها  على مرآة الزمان متشابهة فى مكرها وغفلتها، واحتيالها وبلاهتها.  وما زلت إلى اليوم أعجب لهذا الدجال - وأمثاله كثيرون - من

(فصاحته فى وقاحته، وملاحته فى استماحته. وربطه الناس  بحيلته، وأخذه المال بوسيلته)

ولو أن القارئ الكريم استحضر فى ذهنه بعد مطالعة  هذه الكلمة، صورة أحد أولئك الدجالين، أو سعى إلى  مشاهدته حيث يقوم على رأس شارع أو فى صدر سوق - ثم  أقبل يراجع مقامتى بديع الزمان: الرابعة السجستانية والعاشرة  الأصفهانية. إذن لرأى فى وقائعهما التى تخيلها البديع على  أساس من الحقيقة، أعظم الشبه بوقائع دجاجلتنا ومُكْدينا اليوم

فما أشبه الليلة بالبارحة حقا. لولا هذه الزيادات المتلاحقة  من المآثم والشرور، تزيد صفحة حياتنا قتاماً وتشويهاً،  وتضاعف من عمق إحساسنا بمرارة المعنى الذى ينطوى عليه  قول أبى الطيب: أتى الزمانَ بنُوه فى شبيبته ... فسرَّهم، وأتيناه على الهرم

(جرجا)

اشترك في نشرتنا البريدية