الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 577الرجوع إلى "الرسالة"

عوُدٌ إلى وحدة الوجود

Share

لم يكن في نيتي أن أعود إلى (وحدة الوجود) بعد كلمتي  الأخيرة التي كنت أعتقد أن فيها دفعاً لكل شبهة؛ ولكن  يظهر أن طريقتي في الإيجاز لا تستقيم مع الأسلوب الجاري  عندنا في الجدل، فلا بد لي إذن أن أسهب وأطيل حتى يكون في  القول شفاء ومَقْنَع وما دام الأستاذ الفاضل دريني خشبة قد  دعانا إلى اتخاذ الصراحة في القول، فلا بأس من أن نأخذ  بنصيحته، داعين الله أن يقينا شر العواقب!

ولسنا نريد أن نمضي في دفاعنا عن وحدة الوجود، دون  أن نبين الفرق بين هذه النظرية وغيرها، فإن هذه التفرقة

من شأنها أن تجلي لنا جانباً كبيراً من المشكلة التي نحن  بصددها. ولعل أهم فرق بين مذهب وحدة الوجود  pantheisme ومذهب المؤلهة Theisme أن الثاني ينظر  إلى الله باعتباره طرفاً مقابلاً للطبيعة، أي باعتباره موجوداً خارجاً  عن الكون:extramundane يخلقه ويحفظه ويتصرف فيه  من الخارج بينما ينظر الأول إلى الله على أنه يكون مع الطبيعة  شيئاً واحداً ويعمل في الكون من الداخل باعتباره (قوة) أو    (طاقة) . فالفرق الجوهري بين مذهب وحدة الوجود ومذهب  المؤلهة، ينحصر في مسألة علو الله على الكون ومباينته له. أو  بطونه فيه ومحايئته له

وإذا نظرنا الآن إلى هذه المسألة نظرة عقلية خالصة، فإننا  نجد أن الأدنى إلى الصواب أن يكون الله باطناً في الكون،  لا عالياً عليه: ذلك أن الذات الإلهية لا يمكن أن تكون ذاتاً  مشخصة، وإلا كانت محدودة معينة، فلا بد لنا إذا أردنا أن  ننزه الله التنزيه الواجب، أن نتجنب كل ضرب من ضروب  التشبيه أو التجسيم أو التشخيص، فنقول إن الله ليس كمثله  شئ، أي أنه ليس لذاته حد ولا وصف. ولما كانت الصفة  الوحيدة التي نستطيع أن ننسبها إلى الله (وهي في الحقيقة صفة  سلبية خالصة) ، هي أنه غير متناه، فلا يمكن أن يكون هناك  شيء غير الله، ولا بد إذن بالتالي أن يكون العالم جزءاً منه. وعلى ذلك فإن الكون مظهر الله، أو مجلي من مجاليه، إذ لو كان  ثمة شيء غير الله، لكان الله محدوداً، ولما وجد في كل مكان

هذه هي الحقيقة الجوهرية التي يقوم عليها مذهب وحدة  الوجود، وهي عندي حقيقة ثابتة تتأيد بكل وجه من الوجوه،  وقد انبرى جيته للدفاع عنها، فقال عنها:   (إن من خطل الرأي أن  نتحدث عن الله باعتباره منفصلاً أو مستقلاً عن الطبيعة، فإن  الفصل بين الله والطبيعة هو بمثابة الفصل بين النفس والبدن.  وإذا كنا لا نعرف النفس إلا عن طريق البدن، فكذلك  نحن لا نعرف الله إلا عن طريق الطبيعة. فمن التعسف إذن أن  نكيل التهم لأولئك الفلاسفة الذين يوحدون بين الله والطبيعة،  وليس من شك في أن كل ما هو موجود لا بد أن يكون متعلقاً  بالجوهر الإلهي، لأن الله هو الموجود الوحيد الذي يشمل وجوده

سائر الموجودات ويستوعبها جميعاً. . . وإن الكتاب المقدس  نفسه لهو بعيد عن معارضة هذه الحقيقة، على الرغم من أننا  نختلف في تفسير عقائده حسب ما يتراءى لكل واحد منا)

وفي استطاعتنا أن نضيف إلى عبارة جيته، أن الكتاب  المقدس ينطوي على أقوال تؤيد وحدة الوجود بصراحة، فإننا  نجد عبارة للقديس بولس يقول فيها: (إننا في الله نحيا ونتحرك  ونوجد) ، وعبارة أخرى يقول فيها: (إن منه (أي من الله)   وبه، وله كل الأشياء)، فليس مذهب وحدة الوجود إذن  وقفاً على الفلاسفة والمفكرين، بل إن هذا المذهب شائع في كثير  من الديانات كما يظهر بالنسبة إلى المسيحية التي تقول إن الله حي  في كل شيء، وكل شيء في الله

بقي لنا بعد هذا أن نتعقب الاعتراضات التي وجهت إلى هذا  المذهب، فنرد على كل اعتراض منها على حدة. وقد سبق لي أن  كتبت بحثاً عن (الاتحاد والحلول ووحدة الوجود) عرضت  فيه لنقد ابن تيمية الذي هاجم فيه هذا المذهب، فلعلي أستطيع  أن ألخص طرفاً منه في كلمة أخرى إن شاء الله.

اشترك في نشرتنا البريدية