لما أدرك غاندي - بحكم عجزه من المقاومة العنيفة - أن المقاومة السلبية هي سلاحه الوحيد الذي يستطيع به أن يحارب في سبيل تحقيق أماني قومه ، انشأ في جنوب إفريقيا مؤسستين لتربية أتباعه وانصاره ، وإعدادهم ليكونوا جنودا عاملين في جيش هذه المقاومة السلبية وكانت وسيلته في تربية جنوده هي تقوية نفوسهم وتعويدهم على الصبر والحرمان واحتمال الألم ، لأن كل مهمتهم فيما بعد ستنحصر في تحمل العذاب الذي قد تنزله بهم القوة الغاشمة في سبيل إخضاعهم ، وحملهم على ما تريد . ومن أجل ذلك بدأ غاندي بنفسه ، فأعتزل المحاماة - مهنته التي كان منها يرتزق - ونذر نفسه للفقر والعري والعذاب واتخذ من الصيام عدة له ومنهاجا ؛ فجعل يصوم كلما شعر بأنه أخطأ في حق نفسه ، أو في حق غيره ، ليكفر عن خطيئته ؛ ثم جعل يصوم كلما أخطأ غيره من أنصاره وأعوانه ليكفر عن خطيئتهم بصيامه ؛ ثم جعل يصوم أخيرا ليحتج على ما تفعله به و برجاله قوى الشر وهو يقول في خطاب منه إلي نائب الملك في الهند :
" في رأيي المتواضع أن طريقة الاحتجاج العادية - طريقة العرائض والوفود وما شابهما - ليست علاجا لتحريك ضمير حكومة مستهترة بواجبها إلي أبعد حد ، كحكومة الهند ولو أن مجموعة من الأخطاء كأخطائكم في حركة الخلافة والبنجاب قد حدثت في أوربا لأنتجت ثورة شعبية دامية ، حيث يقاوم الناس بأي ثمن اعتداء كاعتدائكم على رجولة الأمة ولكن نصف الهند أضعف من أن يقاومكم بالعنف ، ونصفها الثاني لا يريد أن يقاومكم به . ولذلك اقترحت علاج " عدم التعاون " لنحمل هذه الحكومة على أن تراجع خطواتها وتصلح أخطاءها " ( ١ )
ولسنا نريد الآن أن نتوسع في شرح حركة " عدم التعاون" ، وبيان برنامجها الذي تقوم عليه ، فإن في ذلك استباقا للحوادث . ولنجعل كلامنا أولا عن المؤسستين اللتين أنشأهما غاندي في جنوب إفريقيا . فقد كانت إحداهما علي مقربة من مدينة فونيكس ، ولذلك سميت " مزرعة فونيكس " أو " صومعة فونيكس " وقد أنشأ فيها غاندي مدرسة وداراً للعلاج والاستشفاء . والآخرى كانت على مقربة من جوهانسبرج ، وقد سماها غاندي " مزرعة تولستوي " اعترافا منه بفضل هذا الفيلسوف عليه وعلى تكوين عقليته . وكانت فيها هي الأخرى مدرسة كان يقوم غاندي نفسه بتعليم تلاميذها بالاشتراك مع صديقه الألماني " كالنباخ " . وكان يسير غاندي في تربية تلاميذه على طريقة هي نسيج وحدها بين مدارس العالم ؛ فإنه لم يكن يعنى بالعلوم وتلقيتها ، وإنما كانت عنايته بالروح وطريقة تهذيبها والسمو بها ؛ وفي هذا يقول غاندي : " كلما ازددت اقترابا من التلاميذ عرفت أن الكتب ليست السبيل لتقديم التربية الروحية . فكما أن التربية البدنية تعلم بالتمرين البدني ، والتربية العقلية بالتمرين العقلي ، كذلك التربية الروحية ، ليست ممكنة إلا عن طريق التدريب الروحي ، وهو يتوقف على حياة المدرس وأخلاقه الشخصية . وإنه لإضاعه للوقت أن يحاول المعلم تعليم الأولاد قول الصدق حين لا يكون الصدق من شيمته ؛ والمدرس الجبان لا يمكنه أن يخرج التلاميذ الشجعان ؛ والمدرس الذي لا يعرف ضبط النفس لا يستطيع أن ينجح في تعليم تلاميذه قيمة ضبط النفس ، لذلك رأيت أن أكون للصبية المقيمين معي موضوعا دائما للدرس ،
فأصبحوا هم أساتذتي ، وتعلمت منهم كيف أكون صالحا ، وكيف أعيش مستقيما على الأقل من أجلهم " .
ولم يكن طريق غاندي مع تلاميذه طريقا معبدا ، ولا كانت حياته معهم حياة هادئة موفقة هانئة ، ولكنه صادف فيها من الصعاب كل ما يصادف غيره ممن يتصدى لتربية النشء والعمل على تهذيبه .
حدث يوماً أن قام صبي من صبيان هذه المدرسة بإحداث شغب عظيم ، واعتدى على زميل من زملائه ، وتسبب بمسلكه في إزعاج خواطر المحيطين به . ولم تكن هذه أولى حوادثه ، ولكنه كان دائم الصخب ، كثير الاحتكاك بإخوانه ، كذوبا ، همازا ، مشاء بنميم ، وقد ضاقت معه حيلة كل من معه ، وعجز غاندي نفسه بكل ما يملك من ذخائر الصبر والمحبة والتسامح أن يؤثر في خلق هذا المشاكس الصغير . ولكنه كان عقب كل حادث يمني نفسه بأنه سوف يكون الأخير في بابه ، فيؤثر الملاينة ، ويعتصم بالصبر ويدعو الله له بالهداية . غير أن الفتى أغراه هذا السلوك بالتمادي في فيه ، فتكررت حوادثه ، وتفاقم خطره ، وتهلهل معه صبر غاندي رويدا رويدا حتي تهتك . وكانت تلك الحادثة التي أشرنا إليها بمثابة الضقت الأخير الذي يكسر ظهر الجمل - كما يقول الإنجليز - وأحس غاندي كأنه يختنق من الغيظ المكظوم ؛ ومع ذلك فإنه بدأ كعادته بالعتاب ، ومخاطبة الصبي بالحسنى ، فجمح الغلام بين يديه ، وأصر على خطئه واستكبر استكبارا . فتزعزعت لجموحة نفس غاندي ، وأفلت زمام هدوئها من يده ، ورأى على مقربة منه ( مسطرة ) فتناولها وأهوى بها على ذراع الفتى وهو يرتعد من الحنق والانفعال الشديد . ولم يكن غاندي يعرف الضرب قبل هذا الحادث ، ولم يكن يؤمن بالعنف في معاملة الناس بل العقاب والانتقام ، فكان ضربه لهذا الفتى صدمة قوية صدمت عقول الجميع .
= المقدسة في ساحة فسيحه من ساحات مدينة أمرتسار ، فما كادت تلتم هناك جموعهم و تحتشد في ذلك الميدان نساؤهم وأطفالهم وشيوخهم حتى انفتحت عليهم نيران المدافع فحصدتهم حصدا ، وقد ترك هذان الحادثان أثرا مرا في نفس غاندي يحس القارئ طعمه في تلك الكلمات القاسية التي خاطب بها نائب الملك .
ولم يفت الصبي نفسه ما كان عليه غاندي من التأثر والانفعال وهو يضربه ، لأنه كان يعلم مبلغ كراهية استاذه للضرب ونفوره منه ، وأدرك أن مسلكه هو الذي خرج بغاندي عن وقاره وعن طبيعته ، فتخاذلت نفسه ، وتملكة الندم ، ولم يلبث أن أجهش بالبكاء ، وتوسل إلي غاندي أن يسامحه على ما كان منه . وكانت هذه نقطة انقلاب حاسمة في خلق الفتى ، إذ لم يعد بعدها قط إلي ارتكاب شئ مما اعتاد ان يعكر به صفو المدرسة ، ويثير به حنق الأساتذة .
وفي مرة اخرى حدث أن نشأت بين إحدي تلميذات المدرسة و أحد تلاميذها علاقه محرمة ؛ ووصل ذلك إلى علم غاندي ، فانتابته نوبة فزع قاسية ، وأدرك مبلغ مسئوليته عن هذا الحادث ، لأن زوجته كانت قد حذرته قبل وقوعه أنها توجس شرا من علاقة هذين الشابين ، وطلبت إليه أن يتدخل للحيلولة بينهما قبل أن تتطور علاقاتهما إلى مثل ما انتهت إليه . ولكن سذاجة نفسه وحسن ظنه بالناس لم يساعداه على تصديق مخاوف زوجته وترك الأمور تجري في أعنتها ، حتى بلغت هذه الغاية المستنكرة ؛ ولم يجد عقوبة تكون أبلغ وقعا في نفس هذين الخاطئين من أن يقوم بعاقبة نفسه على ما فرط في أمرهما . ولكي يحملهما على إدراك مبلغ ألمه وشدة تأثره لما اقترفا من إثم ، قرر أن يصوم صياماً كاملا لمدة سبعة أيام ، ثم يصوم أربعة أشهر لا يتناول في كل يوم منها إلا وجبة واحدة . وقد حاول كل من حوله أن يثنيه عن عزمه . ولكن الأمر انتهى بأن يزامله في صيامه فريق منهم ، فضاعف ذلك من أثر العقوبة في نفس المزرعة كلها وبخاصة في نفس الشابين الخاطئين . ويقول غاندي في ذلك :
" لقد رفع قراري هذا عن نفسي عبئا ثقيلا ، واحسست بعده أني استرحت وتنفست به الصعداء . لقد آلم صيامي كل إنسان ولكنه رد الجو صافياً من كل كدر ألم به ، وأدرك كل فرد مبلغ حرمة العمل الذي أوجب
هذا القصاص ، وأصبحت علاقتي بالمذنبين بعد هذا الصيام أشد قوة " .
وعلى هذه الوتيرة سار غاندي في سياسته ، فقد جعل شعارة في جهاده حمل آلام وطنه ، والتكفير عن أخطاء مواطنيه ، وكانت التضحية دستوره في جميع وجوه نشاطه .
ومن المعروف عن صيام غاندي ، انه ظاهرة من ظواهر سياسته السلمية التى كان اختطها لنفسه ليجري عليها في سبيل تحقيق غاياته ، وأنه حينما أدرك أن السلاح الذي في يد خصومه هو العنف والقوة والبطش والعذاب والسجون في حين أنه هو لايملك أن يقاوم هذا السلاح بمثله ، عول على أن يشل نشاط خصمه بتجريده من قوة سلاحه .
وما دام السيف في يد الخصم يقابله في يد خصمه الدرع والترس ، فليجعل هو درعه في حربه التي اعتزمها أن يصبر على مكاره خصمه ، وأن يقابل كيده بالاحتيال ، وأن يدخل في سجونه بالرضا ، كل ذلك مع الحب والحلم ومقابلة العنف بالعفو ، ومواجهة التعصب بالتسامح .
ونحن نريد هنا أن نؤكد هذا المعنى بأمثلة جديدة تعيننا على فهمه أحسن الفهم عسى أن يكون منا من يؤمن بنجاح هذا الأسلوب في حياته الخاصة والعامة ، فيبلغ من خصمه ما يريد دون أن يصطدم به ، أو يدخل معه في عراك .
حدث حينما كان غاندي في جنوب إفريقيا يعاني هو ومواطنوه من اضطهاد حكومتها فنوناً والوانا أن انتشر طاعون مخيف ؛ فجمع غاندي تلاميذه وأتباعه وأنصاره ، وجعلوا من أنفسهم فرقا لحصر المرضى ، والعمل على إسعافهم ، ومعاونة الحكومة في الخلاص من ورطتها إزاء هذا الخطر الماحق الذي كان يهدد الدولة بأن تسودها الفوضى ويعمها الخراب . وثارت بعد ذلك قبائل الزولو ، وتحرج أمام ثورتهم موقف الحكومة ، فتقدم غاندي وجماعته مرة أخرى ، ونظموا فرقا للإسعاف كانت لها اليد
الطولي في تلطيف وبلات القتال ، وتخفيف آلام المقاتلين ولقد كانت مواقف غاندي في هذه الشدائد من النبل والترفع بحيث لم يستطع فهمها جمهرة الهنود ، بل لقد عجز عن إدراك كنهها بعض المقربين منه ، والمنتمين إليه ، وتألفت بين الهنود جماعات صارت ترميه بالرياء الاجتماعي . وتواجهه بأنه ليس إلا صنيعة من صنائع خصومهم ، اتخذ فيهم هذه السياسة ليلقي في روعهم أنه ضحية وشهيد ، وما هو في الحقيقة إلا قائد خائن يريد أن يقود صفوفهم إلى الهزيمة والاستسلام والخنوع .
ذكرت مسز بولاك في كتابها " غاندي الرجل " أنها حضرت ذات ليلة حفلا هنديا عظيما كان غاندي خطيبه الأول ، فلما انتهي الحفل ، وهم غاندي بالإنصراف خرجت معه مسز بولاك . وبينما هما يجتازان باب القاعة التي كان فيها الاجتماع لمحت شبحاً مختفياً في ظل الباب . وتقول مسز بولاك ، وهي تسرد هذه القصة في كتابها : " ويبدو لي أن مستر غاندي لمحه أيضاً ، فإني رأيته ينطلق نحوه بسرعة ، ويضع يده في ذراعه ، ثم يسير الرجلان قليلا جنباً إلي جنب ، وهما يتحادثان بصوت منخفض لم أتبين منه ما يقولان ، ولكني ما لبثت أن رأيت الرجل الآخر يسلم غاندي شيئا في يده ثم ينصرف . وما كاد غاندي يعود إلي حتى ابتدرته بالسؤال عما كان يريد منه ذلك السيد ، فراعني أن أسمع جوابه ، وهو يفضي به إلي في هدوء وثبات عجيبين ، إذ يقول :
- إنه كان يريد أن يقتلني ! فصحت فيه : يقتلك ؟ ! أهو مجنون ؟ قال : كلا ! ولكنه يحسب أني أخون وطني ، وأتآمر مع الحكومة ضد بلادي ، ثم أتظاهر بأني أعمل لخدمتها . قلت : ولكن مثل هذا الشخص لا يصح أن يؤتمن ، ويجب تبليغ البوليس ليلقى عليه القبض فوراً ! فهو مجنون ولا شك .
قال : لا . إنه ليس بمجنون ، ولكنه مخطئ فقط ،
وقد أقتنعته بخطئه فما لبث أن سلمني بيده المدية التي كان يريد أن يتمدها في صدري . ولو اني القيت القبض عليه دون أن أتفاهم معه لجعلت منه عدوا لي في حين انه الآن صديقي .
ولم تطل إقامة غاندي في جنوب إفريقيا ، فإنه عاد إلي وطنه ، ووضع برنامجاً شاملا للإصلاح الاجتماعي الذي أخذ على نفسه قيادة حركته . وكانت أهم الأدواء الاجتماعية التي تكريه انتشار الخمر بين الهنود ، وتفشى الزنا ، وزواج الأطفال ، والفقر ، والشقاق الديني ، ونظام المنبوذين .
ولم يكن يكتفي غاندي في محاربة هذه الرذائل بالمقالات والخطب والأحاديث ، لأنه كان لا يؤمن في التعليم إلا بالقدوة وبالمران . ففي معالجة الفقر مثلا دعا إلى المغزل ، وطالب أتباعه بأن يحعلوا شعارهم في الحياة : " الغزل ! الغزل! " واتخذ هو لنفسه مغزلا لم يكن يفارق يده وفي محاربة الخمر كان من وسائله أن يدعو أنصاره إلي الحانات فيملأون أرجاءها ويستقرون في مقاعدها لا يريمون ، حتى إذا أقبل الشاربون لا يجدون مكانا يجلسون فيه فينصرفون .
أما تفشي الزنا فكان من أهم أسبابه نظام زواج الأطفال ، إذ يزف الفتى وهو دون العاشرة إلى الصبية لم تبلغ مثل سنه ! فإذا حدث أن مات عنها بعد عام أو عامين ترملت ، وقضي عليها أن تعيش بقية حياتها وهي أرملة ؛ فإن التقاليد في الهند تقضي بأن الزوجة التي يموت عنها زوجها لا يجوز لها أن تتخذ من بعده بعلا غيره ، وهكذا يمتلئ المجتمع بالملايين من هؤلاء الآرامل اللاتي لا يعرفن الطريق إلى الرجل إلا عن طريق الزنا . ولذلك جعل غاندي دعوته إلي أنصاره من الشبان ألا يتزوجوا إلا من هؤلاء الفتيات الأرامل .
أما المنبوذون فهم سبعون مليوناً من الأنفس البشرية
تعيش في الهند على طريقة لا يرضاها أغلظ الناس أكبادا لأحط العجماوات مكانة .. فقد كان من المحرم على المنبوذ بأن يرفع بصره إلي وجه غير المنبوذ ، وكان من المحرم على الهندوكي أن يلمس المنبوذ لأنه من الإنجاس ، وكان الهندوكي لا يتطهر بعد لمس المنبوذ إلا بأن يلمس مسلماً - ولم أفهم إن كان ذلك لطهارة المسلم ، أم لأن النجاسة لا تزول في نظر الهندوكيين إلا بما هو أنجس منها !! .
ولم يلق غاندي من الصعاب في حملة الإصلاح التي قام بها مثل ما لقي من الهندوكيين عندما دعاهم إلي مؤاخاة المنبوذين - كما أنه لم يألم لشئ مثل ألمه حينما وقعت الواقعة بين المسلمين والهندووكيين ، إذ كان المسلمون يذبحون الأبقار في الأضاحي فيثور الهنود ، ويمر الهندوكيون بأنصابهم وموسيقاهم أمام المساجد فيثور المسلمون . واندس بين الفريقين ممن حلا له الصيد في الماء العكر فأشتعلت نيران الفتن في كل مكان . ووقت المصادمات الدامية التي زادت في حزازات النفوس وعز علاجها على كل مخلص . وكانت محنة غاندي في هاتين المناسبتين محنة قاسية لم يعرف كيف يواجه الموقف فيها إلا بالصيام . فصام صومته الكبرى الأولى عقب اصطدام المسلمين بالهندوكيين " كتكفير وصلاة " وقال في ذلك : " إني لم احتمل وقوع الحوادث الأخيرة ، وعجزي عن وضع حد لها غير محتمل أيضا . وقد علمني ديني أن أصوم وأصلي كلما وقعت في محنة لا أجد سبيلا إلي الخلاص من أحزانها . وقد فعلت كما أمرني ديني ! " .
أما نكبة المنبوذين في دنياهم وفي دينهم فكانت سببا في صومته الكبيرة الأخرى التي كاد يموت فيها . ولم يكن يطلب بصيامه هذا إلا أن يفتح الهندوكيون أبواب المعابد للمنبوذين وقد بلغ من حدبه على هذه الطائفة والعمل على رفع مستواها أن أتخذ لباس اهلها لجسده ، واصطنع تفشقهم لنفسه . وقال في نداء له بهذه المناسبة : " إننا نحن الهنود
إن كنا في هذه الدنيا نعامل كالمصابين بالبرص فذلك راجع إلى أننا نعامل خمس الهنود مثل هذه المعاملة . لقد لفظنا المنبوذين من بيننا ولذلك فقد أصبحنا نحن انفسنا منبوذي الإمبراطورية البريطانية . . دعوا المنبوذين يشربون الماء من آباركم ، خذوا اطفالهم في بيوتكم ، لا تلقوا لهم نفاية موائدكم ، لا تذلوهم وعاملوهم معاملة الأحرار فإنكم لن تنالوا البر حتي تبروهم .
ومما بلغت النظر في تاريخ صيام غاندي أن أزمته كانت دائما تشتد في اليوم الحادي عشر من أيام صومه - ويذكر القراء أن النشرة الطبية التي صدرت في اليوم الحادي عشر من صيامه الكبير الأخير - فبراير سنة ١٩٤٣ - كان نصها : إنه " إذا لم يوقف صيام مستر غاندي فورا فإن الفرصة في إنقاذ حياته تكون قد أفلتت" . وهذا نفس ما حدث له في مرات صومه السابقة . ففي صومته الاولى يئس منه أطباؤه في اليوم الحادي عشر ، وقرروا أن حياته مهددة بخطر قريب ، وحاولوا أن يحملوه على تناول شئ من الطعام ، وتدخل أصدقاؤه المقربون فألحقوا عليه في طلب العدول عن الصيام إبقاءً على نفسه وعلى الغايات الجسيمة التي يجب أن يعيش من أجلها ، فكان كل جوابه أن تناول رقعة وكتب لهم فيها : " كونوا مؤمنين بالله " فلما لم تكفهم هذه الكلمة وأصروا على مراجعته في مداومة صومه تناول القلم مرة أخرى وكتب تحت كلمته الأولى : " لقد نسيتم قوة الصلاة ! " . ثم لم يزد في مجادلته لهم على هاتين الكلمتين .
وكانت قوة صلاة هذا الزعيم الكبير سبباً مباشراً في تغلبه على متاعب صيامة ، واجتيازه مراحل الخطر التي كانت تعترض هذا الصيام بسلام .
فاللهم ثبت قلوبنا على الإيمان بك ؛ واجعل صلاتنا لك قوة نغالب بها محن هذه الحياة .

