بهذة القصة النفيسة التالية وأمثالها، أفتتح خواطره (أبو الغصن جحا) ، وقد أهداها إلى ولديه (جحوان) و (جحية) ، وما أجدرها أن تهدى إلى ساسة العالم وقادة الشعوب، في كل مصر وعصر. لما فيها من تذكرة وعبرة، نقلا عن المخطوط الجحوي النفيس الذي عثرت عليه. ولعله مكتوب بخط صاحبه أو أحد معاصريه. قال (أبو الغصن عبد الله الدجين بن ثابت) الملقب بجحا:
(من الحقائق الثابتة عندي أن أكثر الناس قلما يعنيهم من الأخبار والأحاديث إلا ما يوافق أهواءهم ويلائم مصالحهم. وقد جروا على ذلك منذ بدأ الخليقة، وجارتهم فى ذلك منذ بدء حياتى إلى اليوم فعاملهم بمثل حجتهم ، واختهم بمثل منطقهم ، هربا من الاشتباك وإياهم فى اخذ ورد وتفاديا من التمادى معهم فى جدال عقم.
فتم لى ما أديت ، وابتسمت لى الحياة فلم أدع للحزن سبيلا إلى نفسى: واليكما - يا ولدى العزيزين - بعض ما حدث لى فى هذا الباب: زارنى جماعة من اصحابى - ذات يوم - قبل أن تولدا بزمن طويل، قرأوا فى دارى حروفا سمينا رائع النظر . فتحلب ريقهم شوقا إليه ، وائتمروا بى ليأكلوه. وما لبثوا أن اجمتع رأيهم على أن يوهمونى بأنهم قد علموا من أوثق المصادر التى لا يتسرب إليها الخطأ ولا يتطرق إليها الشك أن يوم القيامة غدا . وما داموا واثقين من ذلك فما معنى الإبقاء على الخروف السمين ، ولماذا لا تسرع بذبحه وأكله قبل أن نفنى ويفنى العالم كله معنا.
فتظاهرت بتصديقهم وأعلنت الموافقة على اقتراحهم ، وقمت إلى الخروف السمين فذبحته ، وسلخت جلده ، بعد أن خرجنا معا إلى الهواء الطلق حيث أوقدت نارا عظيمة ، ثم ألقيته فيهت حتى يتم شيه ونضجه.
وتحققت من ثيابى الخارجية واقتدوا بى فى ذلك . حتى لا تعوقنا الثياب عن الانطلاق والمرح والتمتع بالحياة قبل انهاء الأجل . وتحينت فرصة انشغالهم باللهو واللعب فأتيت بثيابهم فى النار ، وما كادوا يفطنون إلى فعلى حتى انقلب فرحهم غما ، واستولى عليهم الغضب ، فصرخوا مغتاظين : (( كيف تجرؤ على إحراق ثيابنا ، ما نحسبك إلا قد جننت ؟ )). فقلت لهم مناحكا: (( ما دمنا واثقين من أن آخرة العالم غدا ، فما حاجتنا إلى هذه الثياب !؟))
