الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1020الرجوع إلى "الرسالة"

غروب الأندلس

Share

تأليف : الأستاذ عزيز أباظة إخراج : الأستاذ فتوح نشاطى تمثيل : الفرقة المصرية

كان خيرا كبيرا لو عرضت هذه المسرحية على الناس قبل حركة الانقلاب لا بعدها ، إنها كانت تكون عندئذ " سابقة " لأوانها وليست " بعد " أوانها كما هى اليوم ، فهي تصور الفساد الذى استشرى فى دولة العرب بالأندلس والانحلال الذى دب فى أوصالها مما يشير إلى حد كبير الحال التي كانت بمصر قبل الانقلاب . ولو انها عرضت قبل هذا الانقلاب لكانت إرهاصا له أو عاملا من عوامله ، ولكان لعرضها شأن غير الذى لها اليوم , ولكن القطار فاتها !

كنا نود جاهدين أن نسمع - والملك فى أوج طغيانه وجبروته - من يقول : -

الملك يلهو والحوادث حوله      متظاهرات والخطوب سراع

والقصر تفهق بالخنا قاعاته      ويبيت يروى إثمها ويذاع

والحكم فوضى ...لبه وقوامه    ذمم تسلم - رخيصة - فتباع

وكنا نود جاهدين أن نسمع أن الملك المطلق العنان يقول لأمير الجيش عن الجيش :-

هو جيشى ألست مولاه ؟؟ فيجيه أمير الجيش فى كبرياء بقوله : -

كلا ... ليس مولاه من  سقاه السماما وأجتبى الناشقين منه الأذلين ونحى أبطاله الأعلاما

وكأنما الشاعر كان يطل على نافذة الغيب فيعلم ما قيل  تماماً بعد أيام معدودات!. . ولا أدري سبب ذلك الإهمال  والشاعر يؤكد أن الرواية كلها كتبت قبل يوم 23  يوليو الماضي!.

أما أن تعرض هذه المسرحية التي تصور " الغروب " بعد أن يبدأ عندنا " الشروق "-  واعنى به طبعاً حركة الانقلاب ... فقد جعل المسرحية ظلا للحركة الكبرى التى يعيش الناس فيها , أو صدى للصوت القوى الذى يملأ أسماعهم , ومن وجد البحر استقل السواقيا !

على أن المسرحية لم تخل - على الأقل - من تعديل كبير اصابها بعد حركة الانقلاب أريد به " تمصير" بعض الحوادث , والإشارة إلى مايزحم قلوب الناس من عواطف ؛ فالأستاذ المؤلف مثلا كان قد ألف مسرحيته " شجرة الدر " عام ١٩٥١ م وقال فيها موجهاً الكلام إلى " أقطاى " أمير الجيش بصريح العبارة :

...ولكن السياسة مهنة                   إزراتها جيش هوىء تحطما

" أقطاى " دع مالست تحسنه لمن       عرك الأمور وساسها فتعلما

فإذا به اليوم فى مسرحية " غروب الأندلس " يجعل " أزبك " أمير جيش مصر يقول عنها - فيما سمعناه من الممثلين - بصريح العبارة :

إذا أهل السياسة ضللوها       فإن الجيش يهديها السبيلا!!

وليته لم يفعل فإن الفن يجب أن يحتضن الحقيقة المبذولة بين أيدي الناس ويمر بها ويكون أبعد منها شاواً . لا أن تحتضنه الحقيقة بين جناحيها وتجعل منه - كما قلت - ظلا أو صدى لهما

وأنا أقرر - قبل أن يتشقق الحديث - أن الأستاذ عزيز أباظة شاعر من أكبر شعرائنا , وأن الأمل المرجو منه كبير , ولكنني لا أتحدث عنه شاعراً وإنما أتحدث عنه مؤلفاً مسرحياً , وليس الشعر - كما يعلم القراء - غاية فى المسرح وإنما هو وسيلة , والوسيلة التي

لا تصل بصاحبها إلى الغاية , أو التي تكون حائلا بينه وبين الوصول إلى هذه الغاية , أو التي تستنفد كل جهده فينبت من الوصول إلى الغاية , وسيلة يجب تحطيمها . والمسرح اليوم يقوم - فى العالم كله - على نظرية " الحائط الرابع " فما هذه النظرية وما أصلها ؟ أصل هذه النظرية افتراض أن المشاهد عندما ابتاع تذكرة الدخول إلى المسرح أخذ على مؤلف المسرحية عهداً بأن يعرض عليه جوانب من الحياة كما هى لا كما يتخيلها الفنانون !... إن المشاهدالحديث رجل فيه فضول كثير , إنه يريد أن يستطلع أحوال الناس وأخبارهم , فهو ينظر إلى خشبة المسرح نظره إلى غرفة حقيقية فى منزل حقيقى بها ناس حقيقيون يناقشون مسائلهم الحقيقية , وليسوا ممثلين مهرة يزيفون له الحياة ويجعلون الخيال حقيقة , فيجب إذن أن يزول مابينه وبينهم من حائط يحجبهم عنه , ذلك الحائط الذي يحول دون رؤية ما يقع فى بيوت الناس , والذى نسميه نحن الستار ! فإذا ارتفع فقد ظهرت الحياة حقاً وصدقاً ! ظهرت مناظر حقيقية و إضاءة حقيقية وموضوع حقيقى أو فى حكم الحقيقى , ولغة حقيقية مما تجرى بين الناس فعلا فى حياتهم العادية المألوفة

هذا هو المسرح منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم , منذ ( هنريك أبسن )،( برناردشو ) ومن جاء بعدهما .فأين " غروب الأندلس " من هذا ؟

لقد صاغها الشاعر عزيز أباظة الشعر الجزل الرصين ولم يكن يستطيع إلا أن يصوغها بالشعر ؛ فالشعر فيه أصل وطبيعة غلابة ولكن لمن صاغها بهذا الشعر الجزل الرصين ؟ من من المشاهدين يقدر على فهم مثل قول الشاعر عن الإسلام مثلا :-

تكاد عراه فى الجزيرة تنضوى       وتنقد أشطان له وطنوب !

ومن من المشاهدين يقدر على فهم قول الشاعر فى خطاب موسى إلى الملك مثلا :

إذا ندعنك اليوم بارح كيدهم     فإنك مغروس غدا فمنير

وإن مطاياهم لتكرم وسقا            فإن ابلغتهم جدلوها وعقرو

او مثل أقواله ( ولأنت من قوم إذا انأطر القنا ) أو ( هل كان إلا صدى ضعف خذئت له ) او ( لآثروا الموت قمعاً ) أو سوى ذلك وهو كثير وكثير

ولأول مرة نرى مسرحية تذيل صفحاتها بشرح لمعانى الكلمات الصعبة مما برئت منه حتى مسرحيات شوقى ! وإذا كان القراء وهم يقرءون فى مهل وأناة ، وهم إلى ذلك الصفوة المختارة من المشاهدين , فكيف بالمشاهدين الذين يستمعون الأقوال وهى تمر بهم سريعة خاطفة , ثم هم أخلاط من الناس لا يشترط فيهم إلا أن يدفعوا ثمن تذكرة الدخول ؟ ..إن للشعر مكانه العالى فى الغنائيات والملاحم وما إليها؛ أما المسرح الذي يراد به تصوير الحياة والأحياء ، والذى هو مدرسة للناس جميعاً ، فليس لمثل هذا الشعر العالى فيه مكان . وإن كان لابد من الشعر فى المسرح - وهو مالا أراه - فليكن شعراً مخففاً ممزوجاً بالماء , شعراً سهلا ميسوراً يفهمه الناس جميعاً ؛ لأن الناس جميعا يشاهدون المسرح أو يجب أن يشاهدوه، ليكن من بحر " الرجز" دون سواه وهو البحر الذى يقابل تفعيلات " الأياعب " عند الأوروبيين يوم كان لا يزال مسرحهم يقول شعراً ! أما اليوم فقد خفت صوت الشعر فى مسرحهم خفوتأ كبيراً ولم يبق فيهم إلا مثل ( ت .س. إليوت ) وهو رجل متشائم حزين ضيق بالحياة يحن إلى يوم الخلاص منها يقول فيما يقول ( نحن أشكال بلا قوالب , نحن ظلال بلا ألوان ؛ نحن قوى مشلولة , نحن إشارات بلا حركة .)

وأريد أن أدفع وهما قد يتبادر إلى بعض الناس من أن شهود جمهور الناس لمثل هذه المسرحية دليل على وعيهم وارتفاع مستواهم , فهذا قول مردود ؛ لأن مثل هذه المسرحية - بما احتشدت به من السلطات والحطب والحكم الغوالى - إنما تخاطب فى الناس غرائزهم الأولى وعواطفهم المجردة , عواطفهم الدينية والوطنية والخلقية

وما إلى ذلك , إنهم لا يتعمقون فهمها واستكناه بواطنها ولكنهم يفهمونها فهما عاما كله ضباب و ظلام ، إنهم يرقعون من جرس ألفاظها كما يرقص الوزنوج تماما على دقات الطبول , وليس هذا من وظيفة المسرح فى شى !

والمسرحية تدور حول الايام الاخيرة لدولة العرب فى الأندلس , وليس فيها موضوع متصل يسرى فيها وينفخ الحياة فى جوانبها , ولكنها صور متلاحقة متتابعة - وإن كانت قليلة إلى جانب ما يكتنفها من كلام كثير - تتعاقب وتترى كما نقلب تماما صفحات من كتاب فى التاريخ .. الأميرة " بثينة " تعرى الأمير " يحيى " بإطلاق السجناء من ذويها , فيطلق الأمير هؤلاء السجناء , ثم يجتمع هؤلاء الطلقاء ويجنحون إلى " بني سراج " فينضمون إليهم , ويتكاتفون على الملك , تم يعتزل الملك ملكه ؛ ثم يتولى ابنه ؛ ثم ثم ثم الخ ؛ وتنسدل الستارة فى نهاية كل فصل ببيت من طراز الخطب المنبرية التي تصفق لها الجماهير طويلا ، فينتهى الفصل الأول - مثلا - بقول الشاعر :

من لم يدعم بالأسنة ملكه           والحزم ... بات مفزعا لم يسلم !

وينتهى الثانى بقوله :

فإن تدبر الأقدار فالصبر جنة         وإن تكبر الأحدات فالله أكبر !

وينتهى الثالث بقوله :

واضيعة الإسلام إن لم تقهروا    أهواءكم... واضيعة الإسلام

وهكذا تمضى المسرحية وكأنها ديوان شعر, فلا نرى موضوعاً ينبض بالحياة , ولا نرى شخصيات قد رسمها لنا المؤلف رسما تبدو ملامحه وقسماته فى وضوح وامتياز ... لقد عالج شكسبير المسرحية التاريخية ولكنه استطاع فى مسرحية "هنرى الرابع " مثلا إلى جانب الموضوع القوى أن يخلق لنا شخصية " فولستاف " الحية الممتازة التي تجمع بين الجد والفكاهة جمعا بلغ الذروة فى كل منهما ، واستطاع فى مسرحية " يوليوس قيصر " ان يخلق لنا شخصية " بروتس " الخالدة التي ماتفتأ تثير فى النفوس عاطفة الانتقام ..ولكن شخصيات عزيز أباظة شخصيات

باهتة لا تعرف لها ملامح ولا قسمات ولم يلق الأستاذ عليها من الأضواء مايجلوها للناس , بل لم يلق باله إليها إطلاقاً وإنما كان كل باله إلى الشعر دون سواه , على أن شاعرنا الكبير يقع فى أمور كنت أود ألا يقع فيها , فهو يقول " أخ الملك الغوى " والصواب أن يقول " أخو الملك الغوى " ويقول " ركبنا الهوى والأثام الشنيعا " يريد الإثم ، وليس الاثام هو الإثم و إنما جزاء ذلك الإثم والله يقول " ومن يفعل ذلك يلق أثامأ " وغير ذلك مما لا يجوز من شاعر كبير كالأستاذ عزيز أباظة .. ولو أن الأستاذ عني محادثة الغرام الحقيقي بين بثينة ومحمد بن سراج والغرام الوهمي بينها وبين الأمير " يحيى " لجعل منه مسرحية , ولو اختزل شيئاً من حوادث التاريخ واستبدل به صورة حية أو صورتين تنبضان بالحياة لخلق لنا مسرحية , ولكنه لم يفعل ! وأشهد لقد أنفق الممثلون مجهوداً جباراً شديداً . ولقد كنت أشفق على " أمينة رزق " وهى تبذل من ذات قلبها ومن ذات نفسها لتنفخ الحياة فى دورها واستطاعت ذلك إلى حد كبير ورغم العقبات اللفظية التي كانت تنوء بحملها , وأشهد لقد استطاع " فؤاد شفيق " واستطاع " حسين رياض " أن يلونا كلامهما ويملآه بالحياة والمعانى , وقد كان دور ثانيهما مما لاينبض به إلا أولو العزم . أما " فردوس حسن " فقد كانت جامدة كالتمثال وتأبي إلا أن تكون أميرة فى كل الأوقات ! ونسيت أنها كانت تقوم بدور العاشقة المخادعة المخاتلة !

وبعد : فهذه كلمة عابرة فى مسرحية " غريب الاندلس " وليس الذى سقنا فيها بمانع أن نشوه بما ينفق الأستاذ عزيز اباظة من جهد حميد للشعر والأدب , ولكننا نريده المسرح أيضاً . إن الشعر أفضل ما فيه , فهل يجمع إليه الفن المسرحى الذى هو اليوم جماع الفنون جميعاً ؟ وعند ذلك تسقط حجتنا ولا نستطيع أن نقول له يومئذ ما نستطيع ان نقوله له اليوم من أن إلهة الشعر قامت عن ميامنه ولكن ربة المسرح لم تقم عن مياسره ؟

اشترك في نشرتنا البريدية