الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 242الرجوع إلى "الرسالة"

غريب الهوى، فى عيد القمر

Share

أتذكر يا قلبى؟                                                                                                                                                                                              أتذكر أن من الناس  من يقول:   (عيد الأضحى) ، وأن منهم  من يقول:   (العيد الكبير) ، وأن أهل سنتريس يقولون:   (عيد  القمر)  كأنما عزّ عليهم أن يبقى القمر بلا عيد؟ ليت شعرى أظلّ أهلى وأهلك يسمونه عيد القمر، أم تغيرت  من بعدنا الأسماء؟ كان لى أهل، وكان لك أهل، يا قلبى أما أهلى فبخير، وإن كانت أتوجع كلما ذكرت أن أولئك  الأهل خلا ناديهم من وجه أبى؛ وكان لك أهل يا قلبى، ولكن  أخبارهم غابت عنى منذ أزمان. فإن كانت عندك أخبار فحدثنى  عنهم، فما أحب لك أن تعيش فى دنياك عيش الغريب! لا تكتم عني شيئاً يا قلبي، فم لك في الدنيا آسٍ سواي.  أما رأيت كيف كانت أحاديث الناس فى هذا المساء؟ فما لقينى  أحد من أعضاء المؤتمر الطبى إلا سألنى عن صحة ليلى. وما أذكر  أبداً أن أحداً سألنى عنك! وكذلك جاز أن يسأل الناس عن  صحة القاتل ويسكتوا عن فجيعة المقتول! والويل كل الويل للمغلوب

إن ليالى الأعياد ترجعنى إليك يا قلبى فهل تذكر يوم كنا طفلين، حين كان من المألوف أن يزور  الناس المقابر وفى أيديهم المصابيح؟ وهل تذكر أننا سألنا مرة  عن الحكمة فى حمل المصابيح فى الليلة المقمرة، ليلة عيد القمر،  فكان الجواب أن الأموات يأنسون بالأضواء؟ فهل تسمح بأن أحمل مصباحاً فى هذه الليلة، وأخرج معك  لزيارة المدفون من أوطارك وأحلامك؟ ولكن أين المقابر التى  دفنت أوطارك وأحلامك حتى أونسها بضوء المصباح؟ أين؟  لا أين، فإنى أخشى أن تكون المقادير صنعت بأحلامك ما يصنع  البحر بما يُدفن فيه من سرائر القلوب!

حدثنى أين دفنت أحلامك، فإنى أعرف أنك قليل البخت  فى دنياك. ولو كان لك بخت لما جاز أن تبيت مشرد الأمانى  فى ليلة عيد قلبي، قلبي! يرحم الله غربتك بين القلوب! قلبى! أتذكر ما صنعت فى سبيلك؟ لقد فررت بك من سعير الحب فى القاهرة، ونقلتك إلى  بغداد: دار السلام، فهل كانت بغداد يا قلبى دار سلام؟ أم كان  أسمها من أسماء الأضداد؟

لقد تجهمت أبشع التجهم حين وقع البصر عليها أول مرة،  واستقبلتني بوجه يتطاير منه شرر القسوة والوعورة، فقلت:  لا بأس، فهى هدنة يستجم فيها قلبى، ليقوى على مناضلة العيون  حين يرجع إلى القاهرة. ولكنك استوحشت وأخذت تفتش  عن   (عيون المها بين الرصافة والجسر)  وقد انخدعت لك فتركتك  ترود مراتع الغزلان وأنا آمن، فقد كنت سمعت أن بغداد  لم يبق فيها للحب سامر ولا أنيس، ثم وقعت الواقعة وأسرتك  عيون المها بعد أسبوعين أثنين من قدومنا بغداد قلبي!

لقد كان يعز علي أن تخرج من بغداد بلا هوى، فمن  الفضيحة لبغداد أن لا تكون فيها عيون ترمي فتصيب، ولكنى  ما كنت أحب أن أحملك جريحاً محطماً إلى الأنامل الرقاق التى تعبت في تضميد جروحك بين مصر الجديدة والزمالك. وما كان  يخطر بالبال أن تكون دار السلام دار حرب، وأن تتألب ظباؤها  على قلب أعزل كان يرجو أن لا يعرف البلاء وهو ضيف العراق

من كان يظن أن هذه المدينة الجافية التى لا تعرف غير وصل  النهار بالليل فى سبيل الرزق أو المجد، من كان يظن أن مثل هذه  المدينة تعيش فيها مباسم وعيون لا تتقى الله فى الناس؟ من كان  يظن أن ينعدم كرم الضيافة فى بغداد حتى يستبيح ظباؤها  انتياش قلبٍ غريبٍ لا يملك من وسائل الدفاع غير الأنين؟ أهذا جزاء الصنع الجميل فى بغداد؟ أهذا جزاء من يملأ الصحف العربية بالثناء على العراق؟

سيعود ناس إلى أوطانهم صحاح القلوب، وأعود إلى وطنى  بقلب ممزق لم تبق منه غير أطياف من الأشلاء

بغداد! لقد كاد يسفر الصبح ولم تغف عيناى. أكذلك تكون  ليالى الأعياد، يا بغداد؟ ليتنى أعرف أين يقيم اللصوص الذين  سرقوا النوم من جفونى! ليتنى أعرف أين يقيم أولئك اللصوص  فأنتقم منهم أشنع انتقام بتقبيل جفونهم فى غفوات الليل! بغداد!

خذى من نومى ما تشائين، بل خذى من دمي ما تشائين،  فلن أنسى ما حييت تلك المؤامرة الوجدانية: مؤامرة العيون:  عيون المها، على قتلي؛ فإن من الشرف أن يكون المرء قتيل  المها فى بغداد إى والله! هذا الصبح يتنفس وما غفت عيناى. فهل تعرف  الظباء التى كانت تعترض طريقى لتصرعنى أننى لا أزال بين الأحياء؟ أنا أدعوها إلى مناضلتى مرة ثانية، وموعدنا بهو أمانة  العاصمة يوم الأربعاء

أحبابى فى مصر الجديدة والزمالك! ناموا هانئين وادعين، وانهبوا ما شئتم من أحلام الأمانى،  فسأغفر لكم جريمة النسيان والعقوق أحبابي في بغداد! تذكروا أن الشاعر لم يعن أحداً غيري حين قال: وكل محبٍّ قد سلا، غير أننى ... غريبُ الهوى، يا ويح كل غريب!

اشترك في نشرتنا البريدية