- ٢٠ -
كل ما استعرضته حتى الآن من خصائص غزل العقاد، جائز أن يشركه فيه سواه، فى الفكرة الخاصة أو فى الاتجاه العام؛ وهى على ندرتها فى عالم الشعراء الكبار، وتفرد العقاد بكثير منها في الشعر العربي كله كما بينت ذلك بوضوح، ليست ملكا خاصا له بمقدار اختصاصه فيما أفرد له اليوم هذا المقال من ( خصوصيات ) !
الغزل غرض مباح لجميع الشعراء، ومذاهب الحس والتعبير فيه ملك كذلك للجميع، إلا أن العقاد وحده هو الذى يقول ما سأعرضه فى هذا المقال الأخير، ولن يشركه أحد فى اتجاهه هذا، ولا فى فكراته أو تعبيره، لأنه فيه هو ( العقاد ) بشخصه ولحمه ودمه، لا سواه من الأناسى - قبل الشعراء - وهو هنا في تقاطيعه وتقاسيمه وسحنته التى يلوح فيها، ويتميز بها:
غنى عنده ما يعطيه
فى قصيدة ( تبسم ) بالجزء الثانى من الديوان صفحة ١٧٢ يقول لحبيبه
فلا تبتعد عنى فانك راجع ... متى تبتعد عنى بصفقة خاسر
ومن لك بالقلب الذى أنت مبصر ... به كل إعجاز لحسنك باهر
تراه عصيا - إن نأيت - على الرضا
ولا قلب أرضى منه إن كنت زائرى
وفى الناس مطوى الضلوع على الشجا
... ولا مثل شجوى بين باد وحاضر
إذا شاركوني في هواك فما لهم ... سرورى بما أصفيتهم وتباشرى
وفى هذه الأبيات يشخص العقاد الشاعر بأن عنده ما يعطيه وأن حبيبه سيخسر حين يفقده؛ الشاعر بتفرده في سروره وشجوه على السواء، وكأنما هو من عنصر غير عنصر البشر الذين يعج بهم الكون، وتهفو قلوبهم إلى هذا الحبيب، ولو شاركوه فى هواه، فمن لهم بقلبه فى شجوه ورضاه؟
وغير العقاد يقولون لأحبائهم: إنكم لن تجدوا إخلاصاً كاخلاصنا، ولا تضحية في سبيلكم كتضحيتنا. . . الخ مذاهب القول فى هذا الباب، ولكن العقاد لا يعنى شيئاً من هذا، إنما يعني أن قلبه فريد فى نوعه لا فى مظاهر إحساسه كالحب والاخلاص والتضحية وما إليها، وأنه ممتاز حتى فى ( شجوه ) وأن شجوه الممتاز هذا يُغلبه ويرتفع به، كالسرور الممتاز على السواء!
رجولة صارمة
يرضى المحبون ويغضبون، ويقولون في الرضا والغضب ما يقولون، ويبقى للعقاد غضبه ورضاه، متميزاً بطابعه الذي لا ينساه. وفيما مضى رأى القارئ كيف يرضى العقاد فى كثير من الأمثلة مثل (سنة جديدة) و (عامنا) و (قبلة بغير تقبيل) وسواها. فمن أراد أن يعرف كيف يغضب العقاد وكيف يكون صارماً باتا فى هذا الغضب، فليقرأ: (الهجر الصادق) :
تجشم فيك القلب ما ليس بعذب ... أما آن لى منك النجاء المحبب؟
فهجرا فهذا القيد قد طال عهده ... أليس لقلبي غير حبك مذهب؟
هجرتك هجر المرء أسود سالخا ... يمج حماما كيفما يتقلب
هوى الموت أحلى من هواك لأنه ... هوى صادق الميعاد لا يتذبذب
وما كنت فتانا ولكن فتنتنى ... بما صنعت عينى من الحسن أعجب
فلا تغترر منى بما قد عهدته ... لدن كنت أعفو إذ تسيء وتذنب
فما كل حين يغلب الحبُّ ربَّه ... ولا الصبر في كل المواطن يغلب
لتظمأ ليال كان دمعى شرابَها ... فحسب الليالي دمع من لم يجربوا
أنا اليوم ىي هجرى على الكره صادق
وقد كنت فى هجرى على الكره أكذب
هكذا فى نفس واحد، وفى نفثة واحدة، صرامة قاسية، هى طابع العقاد حين يكره، وحين تسأم نفسه طول الاساءة، وجفاف الصلات، وحين يجنح إلى اختيار الهجر بعد اليقين والاعتزام
وليس هو هكذا فى الغزل وحده، فهو بعينه فى الصداقة وفى السياسة وفى الآراء والمعتقدات في شتى مناحى الحياة: ضربة قاصمة، لا رجعة بعدها ولا اتصال
اليقظة والوعى الفنى والتأمل الفلسفى
ولقد كنت أفردت مقالا للحديث عن هذا العنوان، وضربت من الأمثلة ما فيه الكفاية. ولكننى هنا ماض على نهجى للغرض الذي صدرت به هذه المقالة من استعراض (الخصوصية) المعبرة عن شخص العقاد، لا عن مناحى تفكيره واتجاهاته
فمن اليقضة التى هى جزء من شخصه قوله تحت عنوان (الهزيمة المرغوبة)
أريد التى ألقى سلاحى وجنتى ... إليها وألقاها من البأس أعزلا
وأطرح أعباء الجهاد وهمه ... لدى قدميها مغمض العين مرسلا
وأنت إذا أقبلت جحفلا ... وجردت أسيافا وشيدت معقلا
فان تهزميني فاهزمى عن بصيرة ... مريداً لأسباب الهزيمة مقبلا
فها هنا رجل يعرف إحساسه، ويدرك قواه وقوى حبيبته، ولكنه يجنح إلى الفطرة، ويريد المرأة ليلقى إليها سلاحه وجنته ويلقاها أعزل من كل قوة، لتحضنه كالأم الرءوم، بعد ما ضاق ذرعاً بالجلاد والكفاح، فآوى إلى الهزيمة المرغوبة وهو قوى عالم بقواه!
ومن التأمل الفلسفي أن ينظر إلى حبيبه الغرير، الذي لا يدرك فتنة سحره فكأنما هو منها محروم، بينما العقاد قد فطن إلى هذه الفتنة وقطف من ثمارها وعرف الدنيا على ضوئها، وتملى الحياة على نورها، فعاد مالكا لها، وصاحبها محروم منها! يا ساحراً فاتته فتنة سحره ... وتنقبت عن لحظه العسّاف نجنى الثمار من القفار بفنه ... ونَصيبُه منها التراب السافى نرثى لسحرك أم نجل فعاله؟ ... ما أجدر المحروم بالتعاطف! سحر خصصت به وأنت حُرمته ... حرمان لا حرج ولا متلاف
لا يقول هذا إلا العقاد، المتأمل في كل لفته ولمحة، الواعى للظواهر والبواطن، المعنيّ بالموافقات والمفارقات فى عالم المعانى والاحساس
صوت الفطرة
وصوت الفطرة السليمة مسموع فى كل ما يكتب العقاد، ولكنه فى الأبيات التي نعنيها هنا مكشوف ناصع، لا يحتاج إلى
الكشف والبيان، ولا ينسرب فى الرموز والألوان، وهو -مع هذا - صوت فطرة العقاد الخاصة به، وإن كانت قبساً من الفطرة الخالدة
يقول بعنوان (عيوب المحب) :
لا تعدّى على عيباً فانى ... لك كلى محاسنى وعيوبى
وعيوب المحب أولى بعطف ... من كمال فيه وحسن وطيب
هى كالطفلة الشقية تلقى ... من حنان الآباء أوفى نصيب
فليس التأمل وليست الدراسة النفسية وحدهما يوحيان بهذا المقال، إنما هو الشعور الفطرى الصادق قبلهما يوجه النفس هذا التوجيه. يعرف ذلك الآباء المشغوفون من لدن الحياة بالأبناء، والبنات الأشقياء والشواذ، لأن هؤلاء أحوج للرعاية في منطق الحياة! ويعرفه كذلك المحبون الذين يزيد شغفهم بحبيباتهم ما ينفر سواهم الخليين من أقوال وتصرفات. ويعرف العقاد هذا فيطل بوجهه من خلاله وكأنه وشاحه الخاص، الذى لم يفطن إليه سواء
الملك بالمعرفة
وبعد فهذا فن وحده، واتجاه فى الاحساس غريب: محب ينقضى ما بينه وبين حبيبته من حب ومن لقاء واتصال وأخذ وعطاء، ويفصل بينهما فاصل من هجر مرير بعد شك دامٍ ويقين أليم حدثناك عنهما في كلمة سابقة، ثم يحس فى خلال هذا كله أنه ما يزال مالكا لهذه الفتاة، مالكا لها إلى الأبد، لا يملكها سواه أبداً، ولا تفلت من بيده أبداً. . . لماذا؟ لأنه يعرفها بكل ما فيها، ولأن غيره لن يعرفها مثله، ولن يطلع منها على مااطلع هو، وهي له وحده، لأن صفحتها مفتوحة أمامه يقرؤها بلا مفسر وبلا منظار، ولأن أحداً لن يحبها حبه أو يكرهها كرهه، بل لأن أحداً لا يزدريها ازدراءه!
ألقاءٌ أم لات حين لقاء ... وسلام أم تلك حرب عداءِ!
وفراق تُجدد العتبَ فيه ... يوم تخلو على مهاد الصفاء!
أم فراق على الحياة طويل ... كفراق الردى بغير انتهاء!
أنا ما بين هاتف ونذير ... ذاهب السمع إثر كل دعاء
هاتف فى الضمير أن ليس هذا ... آخر العهد فاعتصم بالرجاء
ونذير بأنها غضبة العمر ... وعقبى مودة الأصفياء
ليت عاماً من الحياة تَقضّى ... لأرى فى غد بعيد القضاء
وأرى الخير لا يطول انتظارى ... وأرى الشر لا يطول عنائى
لالعمري بل يكذب الخير وال ... شر وتعفو معالم الأنبياء
ويقول الزمان قولا فإني ... مرسل قوله مع الأصداء:
أنت لى أنذر الزمان بِشرِّ ... أم مضى هاتفاً مع البشراء!
أنت لى أضمرت نَياتُك حباً ... أم طوت سرها على البغضاء!
إن لى فيك يا بنية حقاً ... فوق حق الهوى وحق الدماء
مزجت فى قرارة الحب نف ... ساناً وسيطت أيامنا فى وعاء
وترايئت لى بقلب ولب ... من وراء الحياء والكبرياء
من مِن الناس قد تذوق منك الع
... يش صفواً والعيش جم الشقاء؟
من من الناس قد توسم فيك ال .
.. حسن نوراً والحسن من ظلماء؟
من من الناس قد أحبك حبيبك ومن منهم ازدراك ازدرائي
من من الناس قد رأى خير ما فيك وأخفى ما فيك من أدواء؟
من جمال ومن ذكاء ومن غد ... رٍ ومن صدق شيمة ورياء؟
هذه أنت لا تزالين لى وحد ... ى - جميعاً - لا تظهرين لراء
يعرف العارفون منك لماماً ... بعض ما قد عرفت من سيماء
فلهم منك صورة وأحا ... ديث ولي منك لب ذاك الطلاء
هذه أنت لا فؤادك خاف ... عن عيانى ولا ودادك ناء
إن يطل بيننا النوى فالتلاقى ... من ندائى بموقع الاصغاء
ولنا فى صحيفة الدهر غيب ... سيعيد انتهاءنا لابتداء
وكنت أود أن أعقب بشىء على هذه القطعة، ولكنها ليست بحاجة إلى الشرح، وإن كانت بحاجة إلى حس غنى مرهف يتلهمها بمجرد قراءتها. فمن كان له هذا الحس فما هو بحاجة إلى بيان، ومن لم يكن له، فما أنا ببالغ شيئاً فى إفهامه وإنني لمفتون بهذه القصيدة، أكاد لفتنتي بها، ولمسي لقلب الشاعر فيها، أفضلها على كل غزل العقاد!
والآن أختم حديثى عن (غزل العقاد) وقد طالت عنايتى بهذا الضرب من شعره لأسباب سأشرحها فى الكلمة الختامية بعد الحديث عن (أسلوب العقاد) في مقال تال (حلوان)
