في فخر اليوم العاشر من يوليه بدأت جيوش الحلفاء غزو جزيرة صقلية ، وبدأ بذلك افتتاح الجبهة الأوربية الثانية ، بعد أن طال امد ارتقابها ، وانتهت بذلك فترة من حدس وتكهنات لا حد لها . ولم يكن غزو صقلية مفاجأة تامة ، بل كان أمرا كثر التنبؤ بإحتماله ، وكانت ثمة ظروف عسكرية وجغرافية كثيرة تملي بافتراضه وترجيحه ؟ فصقلية لا تبعد كثيرا عن قواعد الخلفاء البحرية والجوبة في مالطة وبنتلاريا وراس بونه وبنزرت ولا تبعد خطوط المواصلات بين هذه القواعد وبين الحزيرة الإيطالية الكبيرة أكثر من مائة ميل ، وكان سلاح الحلفاء الجوي يمهد لهذا الغزو بغاراته العنيفة المستمرة على الجزيرة منذ بضعة أسابيع .
وجزيرة صقلية هي اعظم واغني جزر البحر الأبيض
المتوسط ، وتبلغ مساحتها ٩٩٣٥ ميلا مربعا ؛ ويبلغ طول ساحلها الشرقي ١٩٠ ميلا ، وطولها من الجنوب ١٤٥ ميلا ، ومن الشمال ٢١٥ ميلا ؛ ويبلغ سكانها زهاء اربعة ملايين ونصف مليون نسمة . وارضها من الداخل صخرية بركانية ، غنية بالثروات المعدنية ، ولكنها مما يلى الساحل خصبة جدا . وأهم ثغورها : مسيني ( مسيبنا) ، وبلرم ( بالرمو ) وهي العاصمة ، وسرقوسة ( سيرا كوزا ) ، وقطانية . وقد كانت صقلية خلال العصور مطمح الغزاة والمتغلبين . غزاها المسلمون أيام سيادتهم البحرية غير مرة ، وافتتحوها في عهد الأغالبة في أوائل القرن التاسع الميلادي ، واستقروا بها زهاء قرنين ؟ وكانت لهم بها حضارة زاهرة تركت أثرها العميق في تاريخ إيطاليا والحضارة الإيطالية
ومن الواضح أن غزو صقلية يمت بصلة وثيقة إلي الهجوم الألماني الجديد في روسيا ؛ فقد وقع هذا الهجوم في الثالث من يوليه ، وبدأ غزو صقلية بعد وقوعه بأسبوع ، والمفروض أن يقع والتحام الروس والالمان على أشده ؛ وهذا الميدان الأوربي الجديد إنما يفتتحه الحلفاء تحقيقا لرغبة روسيا ، وتخفيفا للعبء الفادح الذي يضطلع الجيش الأحمر وحده في أوربا منذ أكثر من عامين ؛ ولا شك أن غزو صقلية يلقي عبئا جديدا على الحبش الألماني - وبخاصة على سلاح الطيران الألماني - إذا صمم الألمان على المضي في معاونة الإيطاليين على مدافعة الغزاة ، ومعاونة الجبهة الفاشستية بذلك على الثبات ؟ وهذا هو بالذات ما يقصده الحلفاء بفتح الميدان الجديد .
وقد ظهرت أهمية القوي البحرية في هذه الحرب بأروع مظاهرها في حملة سفلية ، كما ظهرت من قبل في حملة إفريقية ، فإن الأساطيل والسفن الزاخرة التي قامت بحمل الجيوش الغازية ومعداتها الضخمة إلى الجزيرة الإيطالية بلغت أكثر من ألفي سفينة . وكان من الأقوال الدائمة في أوائل هذه الحرب أن الأساطيل البحرية فقدت كثيرا من أهميتها ، وأن الأساطيل الجوية أضحت أعظم وأخطر أداة في الحرب الحاضرة . والواقع الذي أثبته الحوادث أن هذا القول ينطبق على القوي البحرية التي لا تتمتع بالحماية الجوية الكافية ؛ وقد أدرك الإنجليز ذلك منذ معارك اليونان وكريت وأفادوا من تجاربهم وأخطائهم السابقة أعظم الفوائد ، فعملوا على إحراز التفوق الجوي ، وتدعيم القوي البحرية بالقوي الجوية الساحقة ، وعلى تنسيق التعاون الوثيق بين القوي البرية والبحرية والجوية ، وظهر هذا التعاون في أروع مظاهره في الزحف البريطاني الكاسح من مصر إلي تونس ، ثم في حملة صقلية حيث قامت الأسراب الجوية العظيمة بحماية أساطيل الغزو الزاخرة . وهكذا نري أن تفوق بريطانيا المأثور في البحر ما زال يلعب في تطورات الحرب الحاضرة أعظم الأدوار .
وبدأ الحلفاء غزو أصقلية من طرفها الجنوبي الشرقي ، أي من ناحية رأس باسيرو ، وهو أقرب نقطة فيها من مالطة ، وتولت القوات البريطانية الزحف شمالا من هذه الناحية ؛ ونزلت القوات الأمريكية في الشاطئ الجنوبي في شقة تمتد إلي الغرب نحو مائة ميل . ومما يذكر بهذه المناسبة أن المسلمين حينما غزوا الجزيرة في سنة ٨٢٧ م ، نزلوا أيضا في طرفها الجنوبي الشرقي ، كما نزلوا في طرفها الجنوبي الغربي . والظاهر أن طبيعة الجزيرة الصخرية تملي على الغزاة دائما نفس الخطة ، فإن السهل لا يوجد بها إلا في شقة ضيقة مما يلي شواطئها الشرقية والجنوبية . وقد استطاعت الجيوش المتحالفة حتى كتابة هذه السطور أن تتوغل في الجزيرة مسافات لا بأس بها ، وأن تستولي علي عدة من المدن والقواعد والمطارات الهامة ؛ ففي الجهة الشرقية استولت القوات البريطانية علي باكينو وسرقوسة وفلوريدا وراجوزا وأغوستا ، وأضحت على مسافة قصيرة من قطانية ؛ واستولت القوات الأمريكية علي جيلا وليكانا في الجنوب ، وأخذت تقترب من جرجنت ( جرجنتو ) . وهكذا بتقدم الغزاة على طول الشاطئين الشرقي والجنوبي بسرعة . ولكن المعارك المحلية الصغيرة التي حدثت حتى الآن بين الغزاة والمدافعين ، لا تكفي للحكم على مستقبل الحوادث القريب فما زال على الغزاة أن يخوضوا معركة أو معارك شديدة مع الإيطاليين وحلفائهم الألمان ويستجمع الآن كل من الفريقين قواه وموارده لهذه المعركة أو المعارك الحاسمة .
ويبدو من اتجاه الزحف البريطاني على طول الشاطئ الشرقي أن خطة الخلفاء ترمي إلي بلوغ مضيق مسيني ( مسينا ) في أقرب وقت ، وقطع مواصلات صقلية مع شبه الجزيرة الإيطالية . وتتصل صقلية بإيطاليا ، فضلا عن الخطوط البحرية العديدة عبر مضيق مسيني ، بخط حديدي يقوم على سفن متحركة ، ويربط بينها وبين شبه جزيرة كلايريا ( فلورية ) وعن طريقه تتدفق إليها الأمداد والمؤن .
فإذا استطاعت القوات البريطانية أن تبلغ هدفها بقطع هذا الطريق ، وتطويق الجزيرة من الناحية الشمالية الشرقية ، فإن قوات المحور تصبح في موقف حرج ، وتزداد مهمتها في الدفاع عن الجزيرة صعوبة . هذا بين تتمتع القوات الغازية بخطوط تموين وإمداد قريبة متعددة تسهل مهمتها .
ومن الصعب ان نتكهن من الآن بالنتائج السياسية أو العسكرية التي يمكن أن نترتب على فتح هذه الجبهة الأوربية الجديدة . ولكن لا ريب أن الحلفاء يرمون باقتناصها ، فضلا عن محاولة التخفيف عن كاهل الجيش الروسي ، إلي غاية أبعد مدى . فقد يؤدي نجاح الحلفاء في غزو صقلية إلي انهيار الجبهة الداخلية في إيطاليا وانهيار النظام الفاشستي ، وخروج إيطاليا من الحرب ؛ وهذه هي الغاية التي يتطلع الحلفاء إليها منذ القضاء على قوات المحور في إفريقية . وقد انذر مستر تشرشل الشعب الإيطالي في ذلك الوقت ، وحذره من الغزو المنتظر ، ومن الغارات الجوية المدمرة . ولكن الظاهر أن زعماء الفاشستية ومن ورائهم حلفاؤهم الآلمان ، يؤثرون المقاومة إلى النهاية . ومن المحقق أنه يجب علي الحلفاء خوض معارك طاحنة أخري ، وإحراز انتصارات جديدة حاسمة في إيطاليا ذاتها ، قبل ان يتحقق أملهم في انهيار الفاشستية وانهيار إيطاليا

