الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 235 الرجوع إلى "الثقافة"

غسل الكتابة

Share

كانت الحاجة إلي الورق وندرته في العصور الخالية تلجئان النساخ الأقدمين إلي أن يكشطوا كتابة بعض الرقوق ، ليستعرضوا عنها بغيرها . وفي بعض خزائن الكتب نماذج من هذا القبيل . ففي خزانة المتحف البريطاني مثلا مخطوطة قديمة العهد على الرق ، كتبت أولا باللغة اليونانية ، ثم عمد أحد الفساخ الشرقيين إلي نحو تلك الكتابة وإحلال كتابة إلزامية محلها ؛ ولكن آثار الكتابة الأولى مازالت واضحة بينه في بعض المواطن كانها تريد أن تعلن عن أصلها الغابر . وفي بعض الخزائن الكبرى ايضا ، رقوق فيها خطوط قديمة ، كتب فوقها خطوط جديدة ، وهذا ما يعتبر عنه الفرنج بلفظة painmpseste

الأسلوب والغرض ، وذلك فيها صنعه بعض الناس بكتاباتهم أو بكتابات غيرهم ؛ فقد كانوا يعمدون إلي نقل الكتابة ، بأن يضموا الكتب أو الأوراق المخطوطة في الماء مدة من الزمن ، فينحل حبرها وتطمس كتابتها وتشوش معالمها . وذلك للتخلص مما فيها من أقوال أو آراء لا يرغب في الإبقاء عليها ولا في الاحتفاظ بها . فكان من يتقدم على إتلاف تلك الكتابات إنما غرضه التبرؤ مما كتب او التوبة إلي الله عما صنع ، أو تلاقي ما فرط منه . من ذلك ما حكاه ابن حجر المسقلاني أن صدر الدين ابن الوكيل ، المتوفي سنة ٧١٦ للهجرة ( ١٣١٦ )  كان " إذا مرض غسل ما نظمه من الشعر " ( ١ ) ، فكأن منظوماته أشعرته بأنها تنافي المطالب الدينية ، وتحول بينه وبين رضا الله عنه .

ونظير ذلك ما قاله ابن حجر العسقلاني أيضا عن علي ابن الحسن بن عبد الله بن الحابي ، المتوفي سنة ٧٠١ ه

وقد وقفنا على ما يشبه هذا العمل ، مع الاختلاف في

( ١٣٠١ م ) : من أنه " كان قد أغري بالكيمياء ، وحصل فيها كتبا كثيرة جدا ؟ وكان يزعم أنها صحنت معه . قال ابن الجزرى : كان صاحبي ، وكان يعرف الكيمياء معرفة تامة . ولما مات توجه الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاشتري منها جملة وغسلها في الحال ، وقال : هذه الكتب كان الناس يضلون بها وتضيع أموالهم ، فافتديتهم بما بذلته في ثمنها " (1)

ولا يخفي أن ما كان يصبو إليه الكيماويون في الأزمنة القديمة ، وهو البحث عن الإكسير للتوصل به إلي استخراج الذهب من المعادن الحسيسة ، وهو أمل براق لم تحققه الأيام !

ومما قرأناه من الأخبار في هذا الباب ، ما كتبه كمال الدين الأدفوي في ترجمة محمد بن معتوق الشيباني النصبي الشاعر ، المتوفي سنه ٧٠٧ ه )( ١٣٠٧ م ) قال : وحضر مرة الشيخ بهاء الدين القفطي من إسنا ، فتوجه النصبي إليه ، وعرفوا الشيخ عنه انه فاضل ، فصار يساله عن لغة ، فيذكر شيئا من عنده ويستشهد عليه بشعره ، فيكتب الشيخ ما يقوله ، إلى ان اجتمعت عنده كراريس . فلما قصد التوجه جاء إليه وقال : يا سيدنا ، لا تعتمد على هذه الكراريس فإني أرتجلتها . فشق على الشيخ وغسلها " ( ٢ )

ومن أقدم الأخبار الواردة في غسل الكتابة ، ما رواه القاضي أبو علي المحسن التنوخي ، المتوفي سنة ( ٣٨٤ ه ( ٩٩٤ م ) عن أبيه ، وذلك في معرض كلامه على المنجمين وما قد يتأتي لهم من توفيقات و كشوف ، قال : " هذا أبي ، حول مولد نفسه السنة التي مات فيها ، فقال لنا : هي سنة قطع على مذهب المنجمين ، وكتب بذلك إلي بغداد إلي أبي الحسن بن البهلول القاضي صهره ، ينمي نفسه إليه ويوصيه ،

فلما اعتل أدنى علة وقبل أن تتحكم علته ، أخرج التحويل ونظر فيه طويلا وأنا حاضر ، فبكى وأطبقه واستدعي كاتبه واملي عليه وصيته التي مات عنها ، وأشهد فيها من يومه ؛ فجاءه أبو القاسم غلام رحل المنجم ، فأخذ بطيب نفسه ويورد عليه شكوكا ؟ فقال : يا أبا القاسم ، لست ممن يخفى هذا عليه فأنسيك إلي غلط ، ولا أنا ممن يجوز عليه هذا فلنستفتى . وجلس فواقفه على الموضع الذي خافه ، ثم قال له أبي : دعني من هذا ، بيننا شك في أنه إذا كان يوم الثلاثاء العصر لسبع بقين من الشهر فإنه ساعة قطع عندهم . فأمسك أبو القاسم واستحبا منه أن يقول نعم ؛ فأمسك أبو القاسم غلام رحل لأنه كان خادما لأبي وبكي أبي طويلا ، ثم قال : يا غلام ! الطست ! فجاءه به ، فغسل التحويل وقطعه ، وودع أبا القاسم توديع مفارق ، فلما كان في ذلك اليوم العصر بعينه مات كما قال " ) ١ ( .

) بغداد (

اشترك في نشرتنا البريدية