الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 901الرجوع إلى "الرسالة"

غناء*، (مهداة إلى الشاعر الكبير عزيز أباظة باشا)

Share

أتطمع أن تشدو بشعرك قينة           تررده في آهة الدنف الصب

وأنت الغناء الصفو والحب والمنى       وأنت صداح الطير في الفتن الرطب

وأنت سماوي القصيد قبسته            من اللاعج المشبوب والمدمع السكب

تناجي به السمار في غسق الدجى      وغنى به المشاق في البعد والقرب

ولما يزل سؤل النفوس وقصدها         وشغل الليالي الزهر والأنجم الشهب

فيالك من شعر رقيق منغم              يرف رفيف الطل في ناضر الشعب

ترقرق بالشكوى وضمخ بالأسى       فجاد بما يغرى وجاش بما يصبى

أأنت من الوجدان والطبع صغته       وأفزعته من حرقة الوجد والحب

وأشربته نجوى تذوب رهافة             وتخضل بالتذكار والأمل النهب

يرى الواجد المكروب فيه عزاءه         ويبصر فيه الترب يحنو على الترب

عزيزا! أيا وشي القريض وسحره     ويا دمعة الذكرى ويا رثة العتب

دع الشعر للأيام تغلى فريده         وتحفظه في مهجة الفلك الرحب

وترسله لحنا جديدا على المدى      يظل غناء الروح والفكر والقلب

تخلده الأحقاب في الطير شاديا     فإما شدا بات المحب بلا لب

وفي الأمل المغضوب والحزن والجوى

                                وفي الشوق والآهات والسهد والكرب

وفي الغائب النائي الذي لفه الردى      ففاض حنانا وهو في زفرة النحب

غريب حريب لا يفر قراره                إلى أن نرى في الخلد جنبا إلى جنب

فما الشعر إلا ابن المدامع والأسى       تجود يه الأجفان غربا إلى غرب

إذا خاطب الأرواح رفت بشاشة         ولو أنها في وحشة المهمة الجدب

يظل حداء الركب ترمى به النوى        فينسيه ما يلقاه من مسلك صعب

إذا طرب الحادي وهاجت شجونه      فيا ليت شعري ما الذي حل بالركب

وهل سكر الدرب الذي ضم شملهم     فثار الهوى وانساب من شفة الدرب

فما يبصر الغادون إلا صبابة            تطوف إلى الكثبان والرمل والشعب

على القمر اللماح منها وضاءة          مسلسلة بين الغمائم والسحب

نشاوى وما ملوا غناء ولا سرى         ولا تعبوا أو قال قائلهم حسبي

دع الشعر يا ابن الشعر للدهر وحده        فدهرك ماز الصدق من وضر الكذب

وما كل من صاغ الكلام بخالد               ولا يملك الخلد الممنع بالغضب

إذا قلت هذا الشعر سؤلي فما ذنبي     ويا قلب لا تحفل إذا لامني صحبي

فإن علاج الحب أن تعلن الهوى         وتسفحه بين الرسائل والكتب

وأتعب خلق الله في الأرض عاشق        تدثر بالكتمان والحذر والرعب

وللحسن إشراق، وللشعر فتنة          وما كل شعر عزيز الهوى يسبي

هو أندى من الشعر الذي طاب نشره      خلائق أصفى من معتقة الشرب

وقلب عن الكبر الذميم منزه               تبرأ من داء المخيلة والعجب

شهدت لقد أنشدتنا الشعر خالدا     كأن به حبا تغلغل في حب

فيالك صداحا ويا لك شاعراً          تفرد بالتحنان والنغم العذب

-  أنظر إلى القصيدتين المحلقتين (كيف أدعوك) و (عتاب)  المنشورتين في عددي الرسالة (٧٩٨، ٨٩٨) اللتين أهداهما الشاعر الكبير  عزيز أباظة باشا إلى الآنسة (أم كلثوم) وسألها في تواضع العظيم أن تصنع  فيهما لحناً بكلمة الإهداء الرائعة: (لقد خلدت الخالدين فتنزلي إلى المغمورين)

(دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية