الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 335 الرجوع إلى "الثقافة"

غيوم، مشكلة سوريا ولبنان - ضرورة اتحاد كلمة الدول الكبرى

Share

كان الأمل أن يخرج الناس من هذه الحرب بنفوس أصفي وأطهر ، ويستقبلوا العهد الجديد بروح إنسانية سامية تؤمن بحق الجميع في الحرية والعدالة ، ولهذا رحبوا بانهاء الحرب في أوربا ، وزوال حكم الطغيان في إيطاليا وألمانيا . ولهذا تصبو نفوسهم لأن تكلل بالنجاح جهود الأمم المتحالفة في التغلب على المعقل الباقي من معاقل الطغيان في اليابان ، فيخلو وجه الأرض من كل مظهر من مظاهر حكم البغي والعدوان ، وينعم الناس بالامن والسلام ، ويسود العلاقات بين الامم روح الإنصاف والتعاون والإخاء ولكن في الأفق غيوما تتجمع هنا وهناك ، وكلها لا تبعث على الطمأنينة ، ويخشى الناس أن تكون نذيرا

بتعكر صفو العلاقات بين الأمم . ويرى البعض فيما تقوم به بعض الدول من حركات خفية وظاهرة دليلا على أن الحرب ومصائبها وويلاتها لم تغير كثيرا من اساليب السياسة العتيقة ولم تبدل من عقلية الدول الكبيرة التي لا تزال تصدر في تصرفاتها عن نزعة التملك وحب السيطرة التي كانت تغلب عليها قبل الحرب ، وكأنما ذهبت مع الريح تلك الصيحات الإنسانية الكريمة التي كانت تبشر الأمم الصغيرة بالخلاص والحرية ؛ وكأنما كانت المحن التي قاستها أمم الأرض جميعا ، والأخطار التي استهدفت لها والدماء المشتركة التي بذلتها عن رضي والتضحيات التي احتملتها صابرة وسيلة لتمكين الدول  الكبيرة من بسط سلطانها

على الأرض والتحكم في مصاير الأمم الصغيرة . وكأنما كانت المطامع كامنة متحفزة تترقب فرصة الخلاص من الدول المعادية القوية للفتك بالفريسة السهلة من الأمم الضعيفة الصديقة ! فالناس هم الناس ، لم تفدهم العظات ، ولم تنفعهم العبر ، يصطنعون الرقة والرحمة إذا عجزوا ، وتغلب عليهم شهوة البغي والقسوة إذا قدروا ، ويدعون دعوة الخير في ساعة الشدة ، ويتملكهم الغرور والكبر حين الخلاص والفرج : ويجتذبون الأعوان والأنصار بالوعود الطيبة في وقت المحنة . ثم يتنكرون لهم وينسون وعودهم إذا ذهبت عنهم الغمة . فهل كتب على الإنسانية أن تظل مقيدة بأغلال الطبيعة البشرية الخبيثة ، ولا تخطو خطوة حقيقية للتقدم وتحقيق تعاون كريم وحرية شاملة وأمن سابغ بين كل من يعيشون على ظهرها ؟

خذ مثلا ما تناقلته الأنباء من الحدث الأخير الذي قام بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى . لقد اعترفت الدول جميعا ومن بينها فرنسا باستقلال هاتين الدولتين ، وقد يكون لفرنسا من الصلات الخاصة بهاتين الدولتين ما يدعو لأن تباحثهما في تنظيم تلك الصلات ، والسبيل الطبيعي لذلك التفاهم الهاديء بالأساليب السياسية الحكيمة على أساس الثقة وتبادل الاحترام ، ومفاوضة الند للند والصديق الكريم للصديق الكريم . ولكن هذا الأسلوب الحكيم لا يتفق مع العقلية السياسية البالية ولا رضي كبرياء الروح العسكري الذي لا تزال آثاره عالقة ببعض أذهان رجال الحكم في فرنسا فكيف تتنزل فرنسا لمفاوضة أمتين كانتا إلى ما قبل الحرب خاضعتين لنفوذها ؟ وكيف تكون مطالبها محل أخذ ورد ، وهي تملك من القوة مالا تملكه الدولتان ؟ إذا لابد من أن تعزز المطالب بغير حجح الإقناع والبرهان ، وتسند بقوة حربية تنذر بما لا يقوله اللسان . لهذا عمدت إلى إرسال إحدي سفنها الحربية بعدد من جنود مستعمراتها ، دون أن

تستأذن الدولتين في انزالهما وخطت هذه الخطوة ومندوبوها في سان فرنسيسكو يتباحثون في كيفية إقرار السلام علي الأرض ، ومنع أمة من العدوان على أخرى ، وإقامة العلاقات السياسية بين الأمم على التفاهم والمحبة !

وأية دولة تقوم بهذه الخطوة ؟ هي فرنسا ، مهد الحرية والعدالة والمساواة ، وهي فرنسا الجريحة التى عرفت معنى الألم من الاعتداء ، وادركت مبلغ اثر إذلال النفوس الكريمة بالقوة الغاشمة . وقاست من ألوان البلاء في جهادها ما كان حقيقا ان تحمل معه لواء الدفاع عن الامم الضعيفة التي يعتدي عليها ، لا أن تكون هي الباغية المعتدية

ولو أن هناك مبررا لهذه الخطوة من الناحية العملية لاغضينا عن شذوذها من الناحية الشكلية ، ولكن المبررات التى ذكرتها بيانات فرنسا والمدافعين عنها مبررات واهية ، لا تستند إلى أسس قوية .

قيل إن فرنسا تزمع إرسال قوات للشرق الأقصى ، وهي تتخذ هذه البلاد مركز اتصال بينها وبين الميدان ، وإن صح هذا فماذا كان يمنعها ان تبلغه للحكومتين من قبل ، وهما مشتركتان مع الحلفاء في الحرب ، وما كانتا لتأبيا عليها ذلك إذا اقتنعتا بضرورته لتحقيق الغاية الحربية المشتركة .

وقيل إن فرنسا تخشى إذا لم تكن لها هناك قوات كافية أن تتجه للدولتين مطامع دول كبرى أخرى . ولهذه الدعوى دلالة ، فهي تبين أن ثقة فرنسا بنيات حلفائها ضعيفة . وإن صح أن لدي بعض الدول الكبرى تلك النية فهل تظن فرنسا انها قادرة على مقاومتها ممن ارسلتهم من الجنود السنغاليين القلائل ؟ وهل نظن انها قادرة على مقاومة تلك المطامع المزعومة بكل قواتها وهي تعلم أنها في ظرفها الحاضر لم تستكمل من الاستعداد ما يجعلها قوة يحسب حسابها ويخشى بأسها ؟ وإذا كانت جادة في درء .

أخطار الدول الأجنبية عن سوريا ولبنان فلماذا لم تصارحهما بذلك وهما اشد غيرة على استقلالهما و كرامتهما من أن ترضيا سيدا بدلا من سيد ، فتتجه جهودهما مع جهودها في مفاوضة تلك الدول في سحب مالها من قوات بدلا من إضافة قوات جديدة إليها ؟

وما قول فرنسا الآن وقد أعلنت انجلترا نياتها واستعدادها لسحب كل قواتها إذا سحبت فرنسا جنودها ؟

بقيت حجة أخيرة ، وهي دعوي فرنسا انها منوطة بحماية المصالح في هاتين الدولتين وإقرار الأمن والنظام فيهما ، وهو تبرع لم يطلب اليها تقديمه ولم تقم ضرورة تدعو اليه ، فالدولتان بحمد الله في أمن واستقرار ، ولا يعكر صفوهما إلا هذا التدخل الأجنبي البغيض

الحق أنا لا نجد لفرنسا عذرا في استفراز الشعور القومي لدى السوريين واللبنانيين والعرب كافة بهذا التصرف من غير اقتضاء . والحق أن قيام فرنسا بهذا التصرف الشاذ من غير رجوع إلى اصحاب الشأن ومن غير تفاهم مع الدول جميعا يعتبر انكارا للوضع الجديد وتجاهلا للروح العامة الجديدة ورجوعا إلى السياسات الفردية التي لاتبالي الاعتبارات الدولية

وإننا لنصارح فرنسا أن منزلتها في الشرق لا تقوم على القوة ولا على النفوذ السياسي ، وإنما تقوم على صلات ثقافية تقربها إلي نفوس الشرقيين وأنما تفقد كثيرا إذا انساقت وراء نزعات السيطرة والتحكم واعتاضت بها عن الصلات الأدبية والروحية

ونصارحها أن العرب جميعا قد اجتمعت كلمتهم على مقاومة كل من يمس استقلالهم من الامم ، وانهم يترقبون خطوات جديدة لاستكمال استقلالهم لا رجوعا للوراء .

علم أن مثل هذه التصرفات الفردية التي تقوم بها فرنسا وتقوم بمثلها يوغسلافيا ، وقد تقوم بها بعض امم الأرض الآخرى ، إن دلت على شيء فإنما تدل على ان تلك

الدول الثلاث الكبرى غير متفاهمة التفاهم التام على المبادئ التي تسير بها العالم والأسس التي تضع بها قواعد النظام الجديد . وإلى أن يتم اتفاق هذه الدول واتحاد كلمتها سيظل العالم عرضة لمثل هذه التصرفات الفردية الشاذة التي تستغل قيام الخلاف بين الدول الكبرى واشتغالها بالمسائل المعلقة بينها لتقدم على خطوات جريئة تضعها أمام الأمر الواقع . فالحل الصحيح لانقطاع كل أسباب الشكوى واطمئنان النفوس هو أن يسود التفاهم التام بين روسيا وأمريكا وبريطانيا . ولن يتحقق التفاهم إلا إذا تجردت ثلاثتها من المطامع الخاصة ، واتفقت كلمتها على أن تعمل متحدة على تحقيق الحرية والعدالة للناس جميعا ، وإلزام كل دولة حدها ، وإشعار كل من تحدثه نفسه بالاعتداء على غيره أن قوي العدالة الدولية واقفة له بالمرصاد .

اشترك في نشرتنا البريدية