لخص الأستاذ الكبير ا. ع في كلمته المنشورة بالعدد ٤٣٨ من الرسالة القضية التي بيننا حول كلمة (عبر) واحتجاجي لها واحتجاجه عليها.
وكنت قد أزمعت أن أفصل بالشواهد رأي. حتى نشرت الرسالة بالعدد ٤٣٩ كلمة للأديب محي الدين صابر بدار العلوم يدلنا على رواية أخرى لهذه الكلمة في بيت سوار بن قارب وجدها في تفسير ابن كثير وهي:
فشمرت عن ساقي الإزار ووسَّطَتْ ...
بي الدعلب الوجناء غبر السباسب
ثم قال إنه لا يستبعد أن تكون رواية عبر مصحفة عن غبر، ثم نقل عن اللسان أن الغبراء هي الأرض التي لا يهتدي إلى الخروج منها.
وأقول: إنها رواية سديدة جيدة، ويؤيدها كثرة ورود هذه المادة (اغبر - غبراء. . .) في وصف السفر وقطع السباسب والفلوات، ومن ذلك قول ذي الرمة:
وغبراء يقتات الأحاديث ركبها ...
وتشفى ذوات الضغن من طائف الجهل (1)
وقول القُلاخ:
وبلدٍ أغبر مخشيَّ العطب ...
يضحي به موج السراب يضطرب(2)
وقول ذي الرمة أيضاً:
وغبراء يحمي دونها ما وراءها ... ولا يختطيها الدهر إلا المخاطر(3)
ومع هذا أقول: إن لهذه الرواية وجهاً من الضعف لا يخفي على اللبيب. . .
ذلك أن العامل في كلمة غُبر في رواية ابن كثير هو الفعل (وسطت) . . . والكلام بهما مستقيم لا غبار عليه.
ولكننا نعلم أن الرواية في بعض المصادر (أرقلت) وهذه لا تتفق مع كلمة غبر جمع غبراء ولا يستقيم الكلام بهما لأن الأرقال هو الإسراع وفعله لازم. فما معنى (وأسرعت بنا الناقة غبر السباسب) ؟
زد على ذلك أن الروايات مختلفة في هذه الكلمة فهي (عبر) في جمهرة شعر العرب ص ٢٦، وهي (بين) في سفينة الراغب ص ٦٣٨، والسيرة الحلبية ج١ ص ٢٦٧، وشرح لامية العجم للصفدي ج١ ص ١٨، وهي غبر في ابن كثير.
واختلاف الروايات على هذا النمط - مضافاً إليه وجه الضعف الذي ذكرت يعوز رواية ابن كثير إلى مرجح. فلسنا نستطيع إذن أن نقطع بها إلا بهذا المرجح المنشور
وبعد. . . فقد رجا الأديب محي الدين أن تكون هذه الرواية قد حلت ما بيننا من ألغاز النحو وأحاجيه، وأقول أن القضية قد خرجت من كلمة (عبر) صحيحة كانت أو فاسدة، إلى قضية نحوية أخرى جديرة بالبحث والتمحيص، قلت وقال فيها الأستاذ أ. ع وليس من مصلحة اللغة أن يبتر الكلام فيها. . . هي قضية المصدر الذي يقع حالاً. وإن لي في هذا الموضوع بحثاً للاجتهاد فيه نصيب كبير أرجو أن أوفق إلى عرضه إن اتسع صدر الرسالة لمثل هذه البحوث وإنه لكذلك إن شاء الله

