اشتهر الأمير أسامة ودوي اسمه في الشام ومصر والعراق ، عرفه أهل الحصن بالنجدة والشجاعة والكرم ، وعرفه الصليبيون فارساً نبيلا يسير على أدق تقاليد الفروسية ، وعرفه العالم الإسلامي بطلاً يدافع عن الإسلام ويفتك بالصليبين . ولكن ...
كان أمير الحصن عمه " سلطان " أيضا بطلاً فارساً ، حنا علي أسامة وعلمه البطولة والفروسية ، وكانت تعجبه تحايله ، وكلما أتى عملا جليلاً أو فعلاً نبيلاً اهتز له فرحا ، وفي نفسه أن أسامة ولي عهده ، وحامي الحصن من بعده ، وكل قومه يرشحونه لذلك - كان هذا كله يوم كان عمه عقيما لم يولد له ، فأما وقد رزق ابنه محمداً ، وشب ولقب بناصر الدين ، فقد تحول هذا الحب إلي غيرة ، وأصبح كالمرأة تغار من ضرتـها ، فأعمال أسامة النبيلة تزعجه ، وفعاله تغض مضجمه . ويأتي أسامة يوما برأس أسد قتله ، ويظن أن هذا يبهج عمه ، ويقول في سداجة : " إني أخاطر بنفسي لأتقرب إلى قلب عمى " . فتقول له جدته الخبيرة المجرية : " لا والله ، ما يقربك هذا منه ، ولكنه يزيده منك بعداً ووحشة " .
ويتقرب قرناء السوء فيعلون من شأن محمد ، ويصغرون من شأن أسامة ، ويختلقون ما لم يكن ، ويشعلون نيران العداوة ، فيوسوسون لأسامة بما يزيد غيظه ، ويوسوسون " لسلطان" بما يحرج صدره ، وتفسر الأقوال والأفعال تفسيرا مزعجاً يزيد النار اشتعالاً ، ويتحزب قوم " لسلطان " جهرا ، ويتحزب
آخرون لأسامة سراً ، وتصبح معيشة أسامة في الحصن لا تطاق ، فيفكر في الرحيل ، ويقول :
نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل
طلق وقلبى مكمد باك
وراحة القلب في الشكوي ، ولذتها
- لو أمكنت - لا تساوي ذلة الشاكي
لئن غص دهري من جماحي أو ثنى عنانى أوزلت بأخمصي النعل
تظاهر قوم بالشمات جهالة وكم إحنة في الصدر أبرزها الجهل
وهل أنا إلا السيف فلل حده
قراع الأعادي ثم أرهفه الصقل
وما أشكو تلون أهل ودي
ولو أجدت شكايتهم شكوت
مللت مقـــالهم ويئست منهم
فما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أدمت قوارضهم فؤادي
كظمت على أذاهم وانطويت
ورحت عليهم طلق المحيا كأني ما سمعت ولا رأيت تجنوا لى ذنوبا ما جنتها
يداي ولا أمرت ولا نهيت ولا والله ما اضمرت غدرا
كما قد أظهروه ولا نويت ويوم الحشر موعدنا وتبدو
صحيفة ما جنوه ، وما جنيت
إلي أين ؟ إلي دمشق ، فأميرها يطلبه ويلح عليه في المجئ .
كانت الشام والجزيرة في ذلك العهد مبعثرة ، لا تؤلف وحدة ، فكل بلد كبير عليه أمير مستقل يجي أمواله ، ويدافع عنه برجاله ؛ ففي دمشق أمير ، وفي حلب أمير ، وفي حمص وحماة أمير ، وهكذا .
وكانت العلاقة بين هؤلاء الأمراء علاقة عداء غالبا ، يتخاصمون ويتقاتلون . والصليبيون يجمعون أمرهم ، وينسون الإحن بينهم . وتقوم الكنيسة بفض النزاع وتدعو إلي الوئام ، وتطلب من أمم الغرب من فرنسيين وألمان وانجليز أن يتحدوا ويتعاونوا لإنقاذ بيت المقدس من يد المسلمين ، وتبذل الجهد للتوفيق بين روما والقسطنطينية ، على شدة ما كان بينهما من نزاع وخصام ؛ فتنجح الدعوة ويتصادق الخصمان ، وتتجمع الجموع هاجمة على الشرق تنتزع من المسلمين بلدة بعد بلدة ، والمسلمون يقاتلون بلدانا لا كتلة واحدة ، وقد يثور النزاع بين أمير مسلم وأمير مسلم ، فيستنجد هذا بالصليبين ، ويستنجد هذا بـهم أيضا ، فينصرون هذا وذاك ، لأن في إضعاف كلِ على أي حال تحقيقاً لغرضهم ونيلا لمقصدهم ؛ فكانت البلاد الاسلامية تنتظر زعيماً غيورا قوياً يضم هذه الامارات تحت سلطانه ، ويؤلف منها وحدة متماسكة ، وقد وجدته أولاً في عماد الدين زنكي ، ثم في ابنه نور الدين محمود بن زنكي ، ثم في تلميذ نور الدين صلاح الدين الأيوبي .
كان أمير دمشق وقت أن دخلها أسامة شهاب الدين محمود بن بوري بن طغدكين ووزيره معين الدين أنر ، وكلاهما يحب أسامة - وخاصة الوزير - ويفرح باقامته بينهم لفروسيته ونجدته وغنائه في الحروب ؛ فكان بطل دمشق كما كان بطل شيزر ، يخرج للصيد مع الأمير ، ويقاتل اعداءه ؟ وبري الناس فيه انه خير محارب في جند دمشق ، والمع درة في تاج الأمير ، وتتوثق الصلة بينه وبين الوزير معين الدين ، ويعيش على هذه الحال سبع سنوات ، ثم ينقلب الناس على معين الدين ، وتسوء حاله ، ويذهب عزه ، ويتأثر مركز أسامة بمركز صديقه ، فتنهب داره ويسرق سلاحه ، ويقر الوزير
بالعجز عن مساعدته ، وينصحه بمغادرة دمشق . فإذاً - إلي مصر ، فهي تعرفه كما تعرفه دمشق .
هذه مصر في أواخر العهد الفاطمي ، وقد تعفنت فيها أداة الحكم ؛ فالخليفة مسلوب الأمر ، له الاسم ولوزيره الحكم ، والأمراء يتقاتلون على الوزارة ، فمن غَلب نالها وألبسه الخليفة خلعتها ، فإذا غُلب عُزل وخَلع الخليفة خلعته على الغالب ؛ والجنود سودانيون منقسمون أحزابًا ، وعرب متفرقون شيعاً ، وأتراك ومغاربة تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى . والخلفاء - وقد سلبوا الحكم - فرغوا للذات وتدبير المؤامرات ، فإذا كرهوا وزيراً دبروا المؤامرات لقتله أو خلعه . والأمراء إذا طمعوا في الوزارة وأعينهم جنودهم انتصروا بغيرهم ؛ فهذا يكاتب الفرنج يستنصرهم ، وهذا يكاتب امراء الشام يستصرخهم ، والخليفة يقتل ابنه لانه استوزر فاستبد بابيه ، وابن الوزير يحرض على قتل ابيه ويمني بالوزارة من بعده - والأمر فوضى والناس في كرب .
ما لأسامة وهذه الفتن وهذه الدسائس وهذا الجو السام ، وقد خلق لا يستنشق إلا الهواء النقى على ظهر فرسه في صيد او غزو ، وقد تخلق بأخلاق الفروسية من شهامة ونبل ؟ ولكنها الأقدار تحكم علي الوردة أن ترمي في مستودع الأقذار - على أنه لم يكن بعيدا عن الدسائس كل البعد ؛ فقد شاهدها في بلاط عمه " سلطان" وشاهدها في بلاط أمير دمشق ووزيره ، ولكنها كلها صورة مصغرة لما سيلقاه في مصر ، في البلاط الفاطمي
دخل " أسامة " مصر سنة ٥٣٩ ه وقد نيف على الخمسين ، في خلافة الحافظ لدين الله الفاطمي ولم يكن أسامة بالمغمور ولا المجهول ، فاستقبله الخليفة وأنزله منزلا كريماً ، وأغدق عليه من نعمه المتواصلة ، وقد
بـهرت أسامة فخفخة القصور وزينتها ، وذهبها وفنها وصورها وتماثيلها ، وحراسها ورسومها ، مما لم ير مثيله في دنياه ، ولا حلم ، في منامه ؛ ولكن تبين له بعد أنها صورة جميلة ولا روح ، ومظهر أنيق ولا حياة ، ومتحف آثار يدل علي مجد قديم ورثه نسل ذليل ونضح على أسامة شئ من ذلك الزخرف ، فعاش في دار من دور الأفضل بن امير الجيوش ، وهي دار - كما يقول - في غاية الحسن ، وفيها بسطها وفرشها وآلاتـها من النحاس ؛ ورفل في الحرير ، وتبحبح في النعيم . لقد أراد " الحافظ " أن يتخذ منه فارسا بطلا ،
يستعين به في أزماته ، ويستخدمه في مهماته ؛ ولكن هل اطمأنت نفس أسامة إلى هذا الوضع ؟ وهل اخلدت إلى النعيم ، ووجدت راحتها في الراحة ؟ لا ، لا لقد مثل نفس الدور الذي مثلته من قبل ميسون بنت بحدل الكلبية البدوية لما تزوجها معاوية ونقلها من بادية كلب إلي قصور دمشق ، وقد أفزعها النعيم فصرخت :
لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إلي من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
وأصوات الرياح بكل فج
أحب إلي من نقر الدفوف
خشونة عيشتي في البدو أشهي
إلي نفسي من العيش الطريف
كذلك صرخ أسامة فقال :
انظر إلي صرف دهري كيف عودني
بعد المشيب سوي عاداتي الأول
قد كنت مسعر حرب كلما خمدت أذ كيتها باقتداح البيض في القلل
همي منازلة الأقران أحسبهم فرائسي ، فهم مني علي وجل
أمضي على الهول من ليل ، وأهجم من
سيل ، وأقدم في الهيجاء من أجل
فصرت كالغادة المكال مضجعها
على الحشايا ، وراء السجف والكلل قد كدت أعفن من طول الثواء كما
يصدي المهند طول اللبث في الخلل
أروح بعد دروع الحرب في حلل
من الدبيقى ، فبؤسا لي وللحلل
وما الرفاهة من رامي ولا أربي
ولا التنعم من شاني ولا شغلي
ولست أرضي بلوغ المجد في رفه
ولا العلي دون حطم البيض والأسل
ولكنه أقام على مضض ، يشقي في النعيم ، إذ كان من طبعه أن ينعم في الجحيم .
فها هو مقرب إلى الخليفة الحافظ ، تفتح له أبواب القصر إذا حضر ، ويفتقد إذا غاب ، ويركب الفرس بسرج من ذهب ، وما كان لأحد ان يركب أيام الحافظ بسرج من ذهب غيره .
ومع هذا فلا ينسي فروسيته ، فقد كان للحافظ . جوارح كثيرة من البزاة والصقور والشواهين البحرية ، وكان عليها رجال يخرجون بـها للصيد في كل اسبوع مرتين ، فكان أسامة يخرج معهم ، فيصيدون طيور الماء وطيور البر ونوعا من البقر وحشيا كان يسمي بقر بني إسرائيل أصغر من البقر وأشد منه عدوا ، وفرس البحر ، وكان في النيل كثيرا ؛ ويحدثنا أنـهـا مثل البقرة الصغيرة ، وعيناها صغيرتان ، لها أنياب طوال في فكها الأسفل ، صياحها مثل صياح الخنازير .
مات الحافظ وخلفه ابنه الظافر وعمره سبع عشرة سدة ، فزاد الاص سوءاً ، وتناز م الامراء على الوزارة ، وكثرت الدسائـس ، واضطر أسامة أن يدخل في المعترك ويغمس يده في المفاسد .
( يتبع )

