كنانة قبيلة عدنانية كثيرة العدد ، كانت تسكن عند مجيء الإسلام أرضا فسيحة حول مكة ، تمتد من تهامة في الجنوب الغربي من مكة ، حيث يجاورون قبيلة هذيل ، إلى الشمال الشرقي منها حيث يجاورون قبيلة أسد .
وقد دخلوا في الإسلام كما دخل غيرهم ، ونبغ منهم نوابغ كثيرون في الحروب وفي الشعر وفي العلم وسائر مناحي الحياة ، فمنهم الشداخ بن عوف الذي كان على مجنبة أبي عبيدة بن الجراح يوم " اليرموك " ، ومنهم نصر بن سيار امير خراسان في اخر العهد الأموي ، ثم رافع بن الليث بن نصر بن سيار الخارج علي الرشيد والقائد الكبير للمأمون ، ومنهم أبو الأسود الدؤلي الذي ينسب إليه وضع النحو ، ومنهم أبو ذر الغفاري الاشتراكي الصادق الثائر علي معاوية وعلى الأغنياء ، ومنهم ربيعة بن مكدم الملقب فارس العرب ، ومنهم قيس بن ذريح احد عشاق العرب المشهورين وصاحبته لبني ، ومنهم عزة صاحبة كثير التي قال فيها غزله الرائع المشهور ، ومنهم ابن داب الراوية المؤرخ ، ومنهم كثير من المحدثين يضيق المقام عن ذكرهم .
وعلى الجملة فقد خلفوا لأعقابهم مفاخر يتداولونها ، ومناقب يروونها ، من بطولة وفروسية وإمارة وعلم وادب .
تفرقت كنانة في البلدان بعد الإسلام كما فعلت كل القبائل ، فجاء قوم مصر في اواخر العهد الفاطمي ونزل بعضهم اخميم وما حولها ، ونزل بعضهم دمياط وما حولها . ورحل قوم إلى فلسطين ، ونزل قوم الشام .
في شمالي " حماه " وعلي بعد خمسة عشر ميلا منها حصن يقال له حصن " شيزر " دخله التحريف على توالى الايام فصار يسمي الان " سيجر " يقع على نهر العاصي . وهو حصن كبير ، بني علي اكمة مرتفعة تتحكم فيما حولها ، حفروا حوله الخنادق ليزيدوا في مناعته وحمايته ، وانشئوا مدينة على النهر تتبع الحصن وسمي كل ذلك " شيزرا "(1) .
كان هذا الحصن مشهورا بمناعته وبخطورة موقعه ، كما كان من قديم مركزا لأعمال البطولة في الدفاع عنه والاستيلاء عليه ، فالذين يسكنونه لا يعرفون الراحة إلا فترات قصيرة من الزمان ، ينتبهون من يومهم على غارة أو صليل سيوف أو رمى بالمنجنيق ، ألفوا ذلك كما يألفه الساكنون بجوار بركان ثائر ، أو في منطقة زلزال متتابع
في سنة ٤٧٤ ه كان قوم من كنانة يسكنون بجوار حصن " شيزر " وكان الحصن بيد الروم ) البيزنطية ( ، استولوا عليه فيما استولوا من بلاد المسلمين ، وتحكموا به في المواقع التي حوله ، وكان رأس هؤلاء ، القوم من كنانة رجلا شجاعا مقداما قوي النفس كريما ، احبه قومه وأسروه عليهم إمارة ملك محبوب مطاع ، هو أبو الحسن على بن مقلد بن نصير بن منقذ الكناني ، فأعد عدته في عدوء ، وسلح قومه ، وأحكم خطاطه ، وانتهز الفرصة ، حتى إذا أمكنته أخذ الروم على غرة ، وطوق القلعة ؛ ورأي الروم أن لا طاقة لهم به وبقومه ، فطلبوا الأمان وسلموه الحصن . وسكنه هو وقومه ، وزادوا في تحصينه حتى صار امنع من عقاب الجو ايام ان لم تكن طائرات .
تلقب أبو الحسن " بسديد الملك " وعاش عيشة أشبه ما تكون بعيشة ) سيف الدولة الحمداني شجاع بلده القتال ، وحوله قومه يربون تربية حربية ، وفي كل حين قتال ، وبين الوقعة والوقعة عيشة بدوية مترفة وحب للشعر وتلذذ لسماعه ، يقصده الشعراء امثال ابن الخياط وابن سنان الحفاجي فيغمرهم بما في يده من مال ؟ ومحدث له الحوادث الخفيفة فيقول فيها الأشعار الطريفة على نحو ما كان يفعل سيف الدولة . كان يحب مملوكا له فنضب عليه مرة وضربه ثم قال :
أسطو عليه وقلب لو تمكن من
كفي غلهما عيظا إلي عنقي
وأستعير إذا عاقبته حنقا
وأين ذل الهوي من عزة الحنق
كانت قلعة " شيزر " مطمح المحاربين وما أكثرهم ؛ فالعرب من بني كلاب في حلب ويدون الاستيلاء عليها ، والأسماعيلية يودون ان يتخذوها مركزا لهم ولدعايتهم ، والروم يطمعون في استردادها ، والصليبيون يرون انها باب الشام يريدون أن يمروا منها إليه ، كل ذلك والقلعة بحصونها وخنادقها وفيها بنو منقذ بقلوبهم وشجاعتهم وفنونهم الحربية ، استطاعت أن تصد كل مهاجم وتخيب كل أمل .
كان لابد للقلعة وحولها كل هؤلاء الأعداء ان يكون برنامح أهلها كله حربيا ، وسكانها كلهم جنودا ، فالطفل جندي صغير ، والشيخ جندي كبير ، والبيت مدرسة حربية ، والأم إحدي المعلمات ، والزوجة محرضة الزوج ، والفتاة خاطبة الشجاع ، ومواقع السيوف في جسوم الرجال شارة المجد ، وويل للجسم السليم ، لا تقبله فتاة ولا تعتز به زوجة ، والحياة رخيصة رخيصة ، يخرج الرجل من بيته واغلب
الظن ألا يعود ، ويسير السائر في الطريق وفي أكثر الأحيان يخرج عليه صلبيي يقاتله ، أو إسماعيلي ينازله ، أو كلابى يباغته . وفي ضواحي الحصن كانت أجمات مليئة بالأسود ما أشد ما تفترس ، وما أكثر ما تنهش ، وفي كل لحظة خبر بقتيل ، ونبأ بغزو ، وإنذار بغارة ، وغارة بلا إنذار ، وحديث القوم في سمرهم رواية أعمال الأبطال كيف قتل رجل من الحصن عشرة ، وكيف تغلب رجل على أسدين ، وكيف استطاع فلان الصبي أن ينازل صليبيين ويغلبهما ويقتلهما ويأخذ سلبهما ، وكيف أن فلانا الشيخ الهرم تقدمت به السن فنصحوه أن يلزم مسجده وينقطع لعبادته ، فلبث في ذلك يومين ثم أنفت نفسه هذه الحياة الوارعة فأخذ سيفه وقوسه ، ثم خرج يكمن للصليبين ، حتى إذا وقع في يده ثلة منهم خرج عليهم يقاتلهم فيقتل ويأسر ويعود مباهيا بعمله معتزا بقوته على كبر سنه ، معاتبا علي من نصحه بالتزام مسجده - وهذه فلانة كانت تخرج للقتال وتضرب والسيف ، وفلانة الأخرى لما هاجم العدو الحصن ألبست فتانها لباس العرس ، وأجلستها على حافة الهضبة من تحتها الوادي العميق ، وقالت إن انتصر الأعداء رميت بابنتى غدق عنقها ولا تقع سبية في أيدي الأعداء و " سبيكة " ألم تسمعوا عنه ؟ كان مخنثا بشيزر يحضر الأعراس ويغني ويرقص ، ولكن كان إذا وقع القتال يلبس درعا ويأخذ سيفه وترسه ويقول : " بطل التخنث " ويخرج بضرب بسيفه كما يضرب الناس .
هذا برنامج الحصن وهذا سمره وهذه أحداثه ، فلم يكن حصنا ، بل مدرسة تمرين على الحروب ، وتكوين نفوس على القتال الشديد ، وحفلا لإنتاج جيل لا يخشي الموت ويعشق الشهادة ، يألف الشجاعة بالممارسة ، ويتعلم القتال بالأسوة ، ويحذق فنون الحرب في ميادين القتال .
استغفر الله ، فقد نسيت في برنامج هذا الحصن مادة
هامة وهي درس الأدب ، ولكن كانوا يدرسونه على نمط غريب ايضا ، كانوا يقولون لابنائهم إن جدكم ربيعة ابن مكدم كان بطلا كبيرا ، وكان شاعرا كبيرا ، ثم يروون أحداثه وشعره ، ويلزمونهم حفظه ، ثم يذكرون لهم من اشتهر بالفتك في الجاهلية كثابت بن جابر ، والبراض وتأبط شرا ، ثم من اشتهر بالفتك في الإسلام كمالك بن الريب ، وعبد الله بن سيرة وعبد الله بن حازم ، ويروون لهم فعالهم ويحفظونهم اقوالهم ، ويعمدون إلي أقوى الشعر وابعثه على القتال فيلزمونهم حفظه كقول عامر بن الطفيل :
إني وإن كنت ابن سيد عامر
وفارسها المشهور في كل موكب
لما سودتني عامر عن كلالة
أبي الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي
أذاها وأره من رماها بمنكبي
وقول خالد بن الوليد : " ما ليلة أقر لعيني من ليلة تزف إلي فيها عروس إلا ليلة اغدو فيها لقتال عدو " .
إلي كثير من أمثال هذا الأدب الخماسي القوي الذي ينسجم وحياتهم ، ويخدم أغراضهم .
في هذا الحصن العجيب ، وهذا الوسط الجيشي الغريب ولد بطلنا " فارس كنانة " أسامة بن منقذ حفيد فاتح الحصن سديد الملك أبو الحسن .
رباه أبوه وأمه من صغره تربية الفروسية ، يحبانه ولكن يحبانه شجاعا ، ويرعيانه ولكن يشفقان عليه من الاشفاق ، يدفعانه المخاطر دفعا ، ويحرضانه على مواجهة الصعاب واجتهاده في تذليلها ، مهما تكن العاقبة
اسمعه - أيها القارئ الكريم - يقص علينا قصة صباه فيقول : ما رأيت والدي - رحمه الله - نهاني عن
قتال ولاركوب خطر مع حبه لي . ولقد حضرت يوما وكان أبي وعمي قد خرج لقتال الأعداء فلحقتهما ، فلما رآني أبي قال : اتبعهم بمن معك وارموا انفسكم عليهم . فخرجت ورميت نفسي واستخلصت ما استخلصت من عدوي .
ومرة كنت معه وهو واقف في قاعة داره وإذا بحية عظيمة قد اخرجت رأسها من الرواق فوقف يبصرها ، فحملت سلما كان في جانب الدار وصعدت إليها وهو يراني فلا ينهاني ، واخرجت سكينا صغيرة من وسطى ووضعتها على رقبة الحية وهي نائمة ، وجعلت أحزها ، فخرجت الحية والتفت على يدي ) فما جزع ولا فزع ولا تكلم ( إلى ان قطعت رأسها والقيتها في الدار " .
ولم تكن أمه أقل من أبيه في تربيته وتدريبيه ، فلديها السلاح تعطيه للمقاتلة ولا تبخل على ابنها باستعماله .
) يتبع (
