ليست الفكرة الأصلية التي بني عليها جوته مأساة فاوست ابتكاراً شخصيا لعقل واحد موهوب ، ولكنها كما هو الحال في معظم الأعمال الشعرية العظيمة ، نهاية ما وصلت إليه من حلقات تطورية طويلة تمتع الشاعر في جوها بتضافر مجهود الأجيال .
ولقد ذاعت خرافة فاوست منذ القرن السادس عشر في ألمانيا ؛ ويقول كارل سيمروك ، أحد الثقات الألمان ، في بحث له نشر عام ١٨٧٤ عن حقيقة فاوست ، إن هذه الشخصية كانت موجودة حقا وإن كان يكتنفها بعض الغموض . وأشهر كتاب عرض خرافة فاوست في القرن السادس عشر هو " كتاب فاوست " الذي وضعه قدمان عام ١٥٨٧ . وتناول الشاعر الإنجليزي مارلو القصة وكتب مأساة لفاوست ساهمت مع الكتاب المذكور في شرف إثارة عقل جوته إلى الإبداع الأعظم . وقدمت مسرحية مارلو إلى ألمانيا فرقة من الممثلين الإنجليز ؛ ومن ثم تسلمها جيل من الممثلين بعد جيل . . وانتقلت هذه المأساة إلى مسرح " الماريونيت " ( الدمي ) . ولقد زارت أمثال هذه المسار ح فرنكفورت ، مسقط رأس جوته ، وشاهد الشاعر المسرحية في واحدة منها عندما كان صغيراً ، فانطبعت في رأسه وتركت به اثراً لم تمحه الأيام .
إذا وثقنا بذاكرة جوته فقد بدأت تراوده في سنته العشرين عام ١٧٦٩ ، فكرة كتابة " دراما فاوست " . ولقد حدث أن أعاد جوته من جامعة ليبتزج إلى منزل والديه بفرنكفورت مرض خطير ، فكان يطرد فترة النقه المتطاولة بدراسات في الكيمياء والسحر . وبينما كان يتابع دراساته بستراسبورج عام ١٧٧٠ يخبرنا بأن " قصة مسرحية الدمي... كانت ما زالت تطن وتدوي في نفسي بأصداء عدة " . أما متى شرع جوته يكتب فاوست فيصعب القول
بالتأكيد . فهناك إشارات متفرقة تنبئنا باشتغاله بها بين سنتي ١٧٧٥،١٧٧٣ . ولكن إذ دعاه دوق " ساكس قيمار " إلى دوقيته عام ١٧٧٥ انتقل جوته إليها ، فشغلته ملاهي حياة البلاط وواجباته عن فاوست لمدى أربعة عشر عاماً . وليس قبل رحلته الإيطالية ، وفي الواقع ليس قبل سنته الثانية بإيطاليا حين وجد جوته في نفسه الرغبة في النبش عن مخطوطه القديم الذي عبثت به السنون ؛ واستأنف العمل الذي كان قد انقطع . ولكن ما لبث أن تركه حتى عام ١٧٩٧ حين تناول جوته " فاوست " للمرة الثالثة . . تحت إلحاح صديقه شللر ! ثم وضع " فاوست " على الرف لحين من الزمان . ولكن مع حلول القرن الجديد تناول الشاعر " فاوست " من جديد برغبة أكيدة . وفي عام ١٨٠٨ بعد أربعين عاما تقريبا من أول تفكير فيه ، ظهر الجزء الأول من فاوست تاماً كما نقرأه الآن .
ثم مضت عشرون عاماً أخري قبل أن يظهر الجزء الثاني ؛ فقد أتم جوته الفصل الثالث منه عام ١٨٢٧. ثم بدأ الفصل الأول عام ١٨٢٨ . ومنذ ذاك الحين أخذ جونه يعمل باستمرار في قصيدته حتى تمت في منتصف عام ١٨٣١ ، فختمها ووضعها جانبا مع تعليمات بألا تفض وتنشر إلآ بعد وفاته ! وعلى أى حال فقد فتحها جوته نفسه عام ١٨٣٢ ، وأجري فيها تعديلين طفيفين . . .
وهكذا وضع هذا الرجل الهرم الأشيب الذي بلغ ثلاثة وثمانين عاماً ، آخر اللمسات الفنية للعمل الذي تأمله وتفكر فيه إذ كان فتي في العشرين ؛ . . ومات الشاعر بعد شهرين ، ونشر في نفس السنة الجزء الثاني من فاوست .
وقد ترجم الشاعر والكاتب الفرنسي جيرار دي نرفال المأساة إلى الفرنسية ، وهي الترجمة الوحيدة الفرنسية التي
بقيت حتى اليوم ، والتي نجحت كل النجاح بحيث إن جوته ، كما يقول جون بيير إيكرمان في كتابه " محادثات مع جوته في سنواته الأخيرة من حياته " كان يحتفظ دائما بهذه الترجمة ( وهي ترجمة الجزء الأول من فاوست ، كما لا أحتاج أن أقول ) ، ويحرص عليها ويقرأها من وقت لآخر ، وقد وجد جيرار دي نرفال بعد ترجمة الجزء الثاني بعد وفاة جوته أنه يلزم تصدير جزئي فاوست بمقدمة ضافية محاولاً أن يجلو فيها غموض القصيدة خصوصا في جزئها الثاني ، ومن ثم صدرت الترجمة الفرنسية لجيرار دي نرفال في طبعتها الثالثة عام ١٨٤٠ متضمنة مقدمة مسهبة يعرض فيها القصة ويحلل مواقعها ويفسر غوامضها ويلقي بعض الضوء على ما خفي من معانيها ومراميها .
وقد لخصنا هذه المقدمة الطويلة وعقبنا عليها وأضفنا ثبتاً بالأسماء الإغريقية الواردة فيها مؤملين أن تكون ذات نفع للقارئ خصوصا قارئ الجزء الثاني من المآساة ، هذا الجزء الغامض كل الغموض ، المبهم كل الإبهام .
الجزء الأول
يقدم لنا جوته دكتور فاوست شخصية بلغت أوج النضج ، ذكية عبقرية ملمة بجميع العلوم ، متمثلة لكل الأفكار ، غير متطلعة إلا إلى معرفة الأشياء وراء الطبيعة ، ليست قادرة على الحياة في هذه الدائرة المحدودة من الرغبات الإنسانية ، وهو لهذا يتجه بتفكيره إلى الموت ، ولكن أجراس واناشيد عيد الفصح تتجاوب في الخارج فجأة ؛ فترتجف يده بالكأس المسمومة التي كان قد أعدها لوضع حد لحياته ؛ فيدعها جانبا ، ويذكر عندئذ أن الله قد حرم قتل الذات ... فيعود راضياً أو متكلف الرضاء إلى تقبل الحياة كما يحياها الآخرون ، منتظرا مثلهم لحظة أن يناديه ربه إلى جواره ، ومن ثم يخرج من غرفة درسه مع خادمه فاجنر مكتئباً مفكراً ؛ فيلتقي بجمع صاخب من الناس في أردية العيد يتبادلون الأغاني ويتراشقون بالنكات ، ثم يلوذ مع رفيقه بالريف الهادئ المنعزل ، وهناك تتدفق من قلبه
كل خلجات نفسه ، إذ يتكلم عن النفسين اللتين يعايشهما : تود إحداهما الانطلاق إلى السماء التي تجتذيها ، في حين تناضل الأخرى الأغلال التي تربطها بأديم الأرض .
وفي هذه اللحظة العليا من التأمل العميق والأوهام المجنحة يتقمص الشيطان كلباً أسود يتمسح بقدمى فاوست فيصطحبه الأخير إلى حجرة درسه حانيا عليه رافقاً به ، راعياً له ؛ فيشغله الكلب عن قراءة الكتاب المقدس حيث كان الدكتور ينشد بعض السلوي والعزاء .
وفي هذه الأثناء يتحول الكلب إلي هيئة أخرى ، إذ يعلو وينتفخ ويصير كفرس البحر ضخامة ودمامة ، يكشر عن أنيابه ويقلب عينين يتطاير منهما الشرر ، ثم يتخذ شكلاً يحاكي الفيل ويملأ الفضاء كله ويستحيل إلى بخار متطاير يتقشع آخر الأمر عن شيطان في زي طالب علم متجول يقدم إلى فاوست الينابيع السحرية والرؤي العليا ، ويصور له عجائب الحياة المستقبلة دون أن ينزعه عن الوجود الحقيقي . أما فاوست فيبث همه وشجنه ويصور ضيقه بهذه الحياة وزهده فيها وتبرمه بها ، فيخفف الشيطان من شقاء الدكتور بأن يعرض عليه مصاحبته مصاحبة الظل وخدمته خدمة العبيد ، ميسرا له سبل البهجة ، متيحا له أسباب النعيم . أما فاوست الشيخ فتغريه هذه العروض ، ويوقع بدمه عقدا مع الشيطان ، عقدا لم يكن يدري أنه قد أضاع من أجله حياته حتى نهايتها ، وأصبح هذا الذي كان يدعوه الذكاء والعبقرية إلى مخاصمة الله لا يدري - فيما بعد - كيف يتخلص من هذه الروح الشريرة التي أراد عن طيب خاطر أن يصاحبها .
بدأ بين فاوست والشيطان ، واسمه ميفيستو فيليس ، عهدا بإرضاء الثاني كل رغبات الأول وعلى أن يكون فاوست في آخر أمره ، إذا لم يعجز الشيطان عن إرضائه ، عبدا للشيطان " . وهناك وقع الشيطان في حيرة : فبماذا يبدأ ، وكيف يختار لسيده من بين ضروب اللذة وأفانين اللهو ؟ ! لحسن حظه أن العالم الشيخ ، وقد لزم حجرة درسه طوال حياته ، لا يعرف من مباهج الدنيا شيئا ، ولا يدرك للوجود الإنساني معني ، وإن عرف وأدرك الدنيا والوجود من خلال قراءاته . . على صفحات مجلداته البالية ! إن صفحة قلبه
لبيضاء نقية يعوزها قليل من الحب والألم ؛ ولن يكون من الصعب تهيئتها لليأس والحسرة بإثارة عواطفه وأحاسيسه الراكدة النائمة ؛ وهذا هو مشروع ميفيستو فيليس الذي يستهل عمله بإعادة دم الشباب الحار إلى قلب فاوست بفعل شراب سحري يوقع شاربه في غرام أول امرأة يلقاها .
وهذا هو ما تم بالفعل ؛ فعند خروجه من لدي الساحرة التي قامت بتحضير الشراب السحري له ، يقع فاوست في حب فتاة غضة يافعة التقي بها في الطريق ، وتدعي مرجريت . وسرعان ما يدعو ميفيستو فيليس راجيا إياه أن يجمع بينه وبين هذه التي أسرت لبه واستحوذت للتو على قلبه . فيعده الشيطان بأن يهيء له الأمر ويصبح ميفيستو فيلبيس وسيطا ، فيغمر مرجريت بالهدايا ، ويمهد لسيده لقاء أو لقاءين مع الفتاة في بيت صاحبة لها عجوز ؛ وتشعر الفتاة نحوه بالحب ، ويبعد الشيطان عن المحبين أعين الرقباء والعواذل وفي مقدمتهم أم مرجريت التي تناولها ابنتها بإيحاء من فاوست شرابا ساماً لتختلي وإياه ساعات من الليل في هدوء وسكون ، ثم يهيء الشيطان مبارزة بين فاوست وأخي مرجريت - الذي ثارت تأئرته لعلاقة أخته بفاوست - فيقع الأخ في المبارزة صريعا ، وإذ تقع مرجريت فريسة لتعريض الناس بها وسخطهم عليها ، بعد هذا الإطار من الدم والدموع ، يختطف ميفيستو فيليس صاحبه وينتقل به إلي قمة جبل " يؤمها من سائر الأقطار جماهير الأبالسة والعفاريت والسحرة ، وهناك ينغمسون في اللعب واللهو . . ولعل الشيطان أراد بهذا إلهاء فاوست عن الجرائم الثلاث التي ارتكبها" : تدنيس عرض فتاة ، وقتل أخيها ، والتسبب في تسميم أمها . ولكن الحنين يعود إلى فاوست ، فيضطر صاحبه إلى العودة معه لإنقاذ مرجريت من السجن الذي القيت في غياهبه لقتلها طفلها من السفاح بأن ألفته في غدير . وهناك يدور مشهد ممزق ، نري فيه الفتاة المسكينة المسلوبة العقل قد أضاءت في قلبها وأعماقها نظرة العذراء ، وقد سألتها عفوا وغفرانا ، وتشيح بوجهها عن عاشقها الذي أصبحت تراه ألعوبة في يد الشيطان ، كل ما فيه خداع ورياء وزيف . وفي اللحظة التي أراد فيها فاوست أن يجذب مرجريت لإنقاذها مما هي فيه تدق النواقيس إيذاناً بموتها ،
فتسأل مرجريت عدل السماء ... ويمضي فاوست وميفيستو فيليس .
" نفسان ، يا أسفا تتقاسمان صدري وتود كل منها الانفصال عن الأخرى : إحداهما مشتعلة بالحب ، تلتصق بأديم الأرض بواسطة أعضاء الجسد ، بينما تجتذب الأخرى حركة وراء طبيعية بعيداً عن الظلام ، نحو الممالك العليا للاَلهة ؛ آه لو كانت في الهواء أرواح " تحوم بين الأرض والسماء ؛ تعالى إلى : تعالى إلي من سحبك الذهبية ، وقوديني إلى حياة جديدة دائمة التغير . أجل ؛ لو كانت لي عباءة سحرية تحملني إلى أقطار بعيدة غريبة ، إذاً لفضلتها على أندر الألبسة وأغلاها ، وإن كانت العباءة البنفسجية لملك ( ١) .
ومتى كان الإنسان خلواً من عاطفتى الخير والشر معا ، يتصارعان ويتعاركان ويتنابذان ويلقي كل من الآخر ما يلقاه العدو من العدو والحصيم من الحصيم ؛ ومتى استراح الإنسان من العناء الذي يفرضه موقفه من هذا الوسيط بين جاذب عن يمين يدفعه إلى الخير حيناً ، وجاذب عن يسار يدفعه إلى الشر أحياناً ! ومتى وجد الإنسان المتعة التي قد يستتبعها انهزام إحدي العاطفتين التام أمام العاطفة الأخرى ، وتفوقها عليها تفوفاً أبدياً ، وإخضاعها لها إخضاعاً دائماً سرمدياً .
وفاوست كأي إنسان آخر لعبة بين هذين الجاذبين ؛ فقد كان قبل أن يزين له الشيطان سبله مثالا للخير يقتدى به . فأصبح بعد مصاحبته له مثالا للشر ينفر منه .
من إذا بطل هذه المأساة : أهو فاوست أم ميفيستو فيليس ؟؛ تقول مدام دى ستايل : " إن الشيطان هو بطل هذه القصة ؛ وإن الكاتب لم يتمثله قط شبحا قبيحا كما اعتادوا تصويره للأطفال . لقد جعل منه . . امهر شرير . . ولقد أراد جوته من هذه الشخصية . . إظهار المزاح المر الذي يتمكن الازدراء من إيحائه . . ففي أحاديث ميفيستو فيليس سخرية جهنمية تحمل على الخليقة كلها ، وتري الكون كتابا قبيحا جعل الشيطان من نفسه له ناقداً ومؤدباً " .
( للمبحث بقية )

