الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302الرجوع إلى "الرسالة"

فتح فى عالم الطب، يوفق إليه بحاثة وطنى

Share

إذا كان رجال العلم فى الأقطار الغربية يترصدون كل اكتشاف  ويرقبون كل اختراع يوفق إليه التفكير الإنسانى أيان كان التماعه  ومن أية أمة كان انبثاقه، وإذا كنا نحن فى بد نهضتنا لا يتتبع  منا إلا النذر اليسير خطوات العلم فى مجاهل الجسم البشرى  ومجالات الطبيعة فى مختلف مظاهرها، فقد حق علينا على الأقل  أن يستوقفنا ما يوقف إليه الباحثون من أبناء وطننا، وأن يهتم  الخاصة والعامة منا بأية ظاهرة من ظاهرات العبقرية التى تتجلى  من حين إلى حين فى أبنا هذه السلالة العربية الشرقية كأنها  تباشير الشفق ودليل انبعاث لعهدنا القديم

لقد أراد البعض ممن يدعوننا إلى اتباع القافلة العلمية الغربية  أن يدعوا تفرد السلالات الآرية فى الذهنية الاستقرائية قائلين:  إن ذهنية الشرقى لا تخصب ألا بالاستحياء والاستلهام من النفس،  وإنها تقصر فى مجالات التدقيق أما الظاهرات الكونية، وأن  ليس لنا نحن أبناء السلالة السامية إلا الاقتباس والعمل بما يكتشف  الغرب، فقلنا لهم: إن أجدادنا قد تسلموا تراث العلم مما سبقهم  من الشعوب ودفعوا به إلى التكامل وتوسعوا فيه وزادوا عليه،

فما أقنعهم دليل الواقع فى التاريخ القديم؛ غير أن الزمان يمشى  بخطواته والشرق العربى يستعيد أمه فى يومه ويتهيأ لوثبته  الكبرى فى غده، فيعلم دعاة التقليد فى مجال التفكير أن الله  لم يخلق العقل من مغانيم متعددة متفاوتة الصفات فى جماجم الناس؛  وأن الشعوب إذا انفرط شملها على سبل الثقافة فى عواطفها وتمتعها  فى حياتها فانها لا تجد أمامها إلا صراطاً واحداً فى التفكير، وهى متجهة إلى العلم ومعرفة الحقائق الواحدة فى جوهرها

هذه كلمة لم أر بداً من إيرادها عطفاً إلى ما سبق لى نشره  فى مبحث الشرق والغرب لا تدرج إلى قول كلمة فى ظاهرة من  مظاهر نهضتنا العلمية يحق لنا أن نباهي بها، وقد أقرها من الغرب  من لهم ردُّ ما بنى على التوهم والاعتراف بما يؤيده العلم الصحيح

من الأمراض التى أضلَّت أسبابها الباحثين قديماً وحديثاً  داء الروماتزم أي الالتهاب المفصلي الحاد بأنواعه. فكان دهاقنة  الطب يعرفون عنه انه داء عضال خفيت أسبابه، وعزُّ على الطب  التحكم فيه إطلاقاً لأنهم لم يوفقوا إلى اكتشاف العامل الحقيقي  الذى يلهب المفاصل بسمومه، ولا عرفوا نوع هذه السموم إلى  أن قيض الله لطبيب مصرى من هذا الشرق العربى، وهو:  الدكتور نجيب فرح المقيم فى الاسكندرية ان يكشف هذا العامل  الخفى، ويهتك بإظهاره للعلم سلسلة من أسرار المناعة والدفاع  لا فى داء الروماتزم فحسب بل فى غيره أيضاً من الأدواء التى لا يزال العلماء يعالجون خفاياها

وحين عقد المؤتمر الطبى العربى أوائل فبراير الماضى فى القاهرة  تقدم الدكتور فرح إليه بتقرير مستفيض عن أبحاثه التى أعترف له  بها دهاقنة أطباء الغرب واستشفوا من ورائها آفاقاً جديدة للطبابة  فأورد بالأسلوب العلمى شذرات قد لا يسبر كنهها إلا رجال الطب  فرأينا التحدث إلى طبيبنا الوطنى استجلاء لحقيقة هذا الاكتشاف

وهكذا تسنى لنا أن نضع هذا المقال، ونحن على جلية مما نعرض

لقد وفق مواطننا سنة ١٩٣٣، وهو يعالج المصابين بالروماتزم  إلى العثور على جرثومة البنموكوك ثائرة فى دمهم، فاستوقفته هذه  الثورة فى داء لم يكن يُعرف من قبل أن له بها علاقة مباشرة  إذ كان من المقرر فَّنا أن البنموكوك كما تدل تسميته وهى جرثومة  ذات الرئة لا يسبب إلاّ التهاب الرئة عند تهيؤ الأسباب له للخروج  من استكانته

وعندما لجأ إلى طريقة   (نوفلد)  للتفريق ما بين البنموكوك  والستر بتوكِوك   (وهى تقوم بإضافة صفراء مرارة الأرنب  أو الأملاح الصفراوية فى أنبوبة المعمل على هذه الجراثيم فتحل  النوع الأول ولا تؤثر على النوع الثانى)  خطر له وهو يعاين  هذا التفاعل فى الأنابيب أن يقيس معدل هذه المادة المعروفة باسم    (بيلسيروبين)  فى دم المصابين فثبت لديه أنها ترتفع ارتفاعا  متفاوتاً فى شدته تبعاً لقوة رد الفعل الشخصى دون أن يكون  فى مجاري الصفراء أى انسداد وفى الكبد أية علة يسند إليها ارتفاع  معدل المادة الملونة للصفراء فى الدم بالتحول، فأدرك بهذه الخطوة  الموفقة أمرين هما الحلقة المفقودة فى علة الروماتيزم وفى علل أخرى  كما سيأتى البيان. وأثبت أن الروماتيزم الحقيقى إنما هو نتيجة  لثورة البنموكوك عندما تضعف مقاومة الجسم، وأن السم الذى ينبعث عنه إنما هو المسبب لالتهاب المفاصل كما أثبت فى الوقت نفسه  أن ارتفاع معدل المادة الملونة للصفراء فى الدم فى هذه الحال ليس  عبارة عن يرقان مَرَضى بل هو رد فعل داخلى قد يبدو تحت  سيطرة الغدد الصماء لحشد ما يمكن   (لشبكة آشوف)  الغارشية  أن تمد به الخلايا من مادتها الملونة للصفراء لمقاومة البنموكوك  المجتاح بتلبيده فى السدم ثم حله ثم هضمه

وما احتفظ الدكتور فرح لنفسه بهذا الاكتشاف بل ذهب  يكرر اختباراته وينشر عنها فى كبريات المجلات الطبية، وقد سبق  أن أدلى عنها ببيان فى المؤتمر الثامن للاتحاد المصرى للأطباء عام ١٩٣٦  ونشر مثل هذا البيان فى مجلة لا نسيت عام ١٩٣٧، وفى مجلة  أمراض البلدان الحارة فى لندن عام ١٩٣٨، ثم عرضه على مؤتمر  أوكسفورد العالمى فى جلسة ليمانفتون فدون فى محضره. فكان  لما جاء به هذا الطبيب الوطنى من الملاحظة والاستقرار والتعليل  شأن كبير لدى رجال الغرب المقطعين إلى استكشاف مجاهل الجسم  واستجلاء أسرار العلل فيه

وعندما عقد المؤتمر الطبى العالى فى بات من أعمال إنكلترا  فى أبريل سنة ١٩٣٨ ووقف النطاسى   (هانش)  يعرض مشاهداته  السريرية عن تأثير اليرقان فى الالتهابات المفصلية والعضلية مكتفياً  بسرد الحوادث دون الذهاب إلى تعليلها، وقف مواطننا الدكتور  فرح فتناول شرح هذه الظاهرة بما اكتشفه فى اختباراته انه طوال  السنين من تأثير اليرقان تأثيراً ناجعاً فى الروماتيزم مثبتاً أن المادة

الملونة للصفراء تلبد البنموكوك وتحله وهو أصل الداء فى ثورته.  وهكذا جاء مواطننا فيىمجتمع من أكبر المجتمعات العلمية العالمية  بتعليل يعززه الاستقراء والتحقيق لظاهرة كان يقف عندها  الأطباء كأنها تصادف بين حلول داء الروماتيزم وظهور اليرقان  دون أن يعلموا أن ثورة البنموكوك هى كلمة السر فى حركة  الهجوم والدفاع

أما الأمراض الأخرى التى اكتشف الدكتور فرح تأثير  المادة الملونة الصفراء عليها، فمنها ذات الرئة وبعض أنواع الربو  والحمى القرمزية التى تهبط الحمى والنوب فيها ويتماثل العليل بها  إلى الشفاء بمجرد ظهور اليرقان وانتشار المادة الملونة للصفراء لحل البنموكوك وإبادته. ومنها داء السل والحمى التيفوئيدية  التى تجد جراثيمها مرتعاً ملائماً فى المادة الملونة للصفراء فتؤدى  إلى استفحال الداء على عكس ما يحدث فى ذات الرئة والروماتيزم  والحمى القرمزية، لذلك يعمد الجسم فى دفاعه إلى إنقاص معدل  هذه المادة فى الدم حين يصاب بالعلل الأولى

وهكذا أثبت مواطننا أن هناك دفاعين: دفاعاً إيجابياً ودفاعاً  سلبياً تؤمَّنه الشبكة الغارشية لإمداد الجسم بقوى الدفاع عن  سلامته بحسب نوع الجراثيم التى تجتاحه

هذا وإنك لتجد فى تقرير الدكتور فرح من تجاربه فى دم  الأرنب ما يدلك على مبلغ دقته واجتهاده فى التوصل بالتجارب  العملية إلى نتائج لا تترك مجالاً للشك فى صحة القاعدة التى يضعها،  فقد تحقق أن الأرنب ذو مناعة طبيعية ضد التيفوئيد لأنه لا مادة  ملونة للصفراء فى دمه، ولكنه تمكن من قتل هذا الحيوان بهذا  الداء بمجرد حقنه يومياً بهذه المادة بعد تلقيح دمه بباشلس ابيرت وفى هذا التقرير عن سير السل وما يؤدى إليه ظهور اليرقان  من اشتداد العلة، والاتجاه إلى نزف الدم، وعن الحمى القرمزية،  والربو وتأثير المادة الملونة للصفراء فيهما، ما يطول إيراده تفصيلاً  فى هذه العجالة.

وبعد أن أورد الدكتور بيانه مستشهداً باختباراته وبما جاء  مؤيداً لها من اختبارات من أخذوا بنظريته من علماء الغرب  يقول: إننا لا نغالى إذا نحن أكدنا أن أشد أعداء الإنسانية خطراً  إنما هى البنموكوك، وباشلس كوخ لأن عليهما تقع تبعة أكثر

ما نشاهد من عاهات، وما يقع من وفيات. هذا فضلاً عن أن  أعراضهما المرضية تتخذ أشكالاً جد متعددة؛ وإذا ما احتلا مرتعاً  من الجسم توافر الاستعداد فيه أو انكشف إحساسه فإن الأول  يؤدى إلى الإصابة بالروماتزم الحقيقى، والثانى إلى ما يشبه الحقيقى،  وإلى داء المفاصل على اختلاف أنواعه وفقاً للتفاعل الخاص فى كل فرد.

وبعد أن يعرض الدكتور البحاثة لأنواع الأمراض التى يلعب  البنموكوك دوره فيها كذات الرئة والالتهابات الشعبية والربو  والحمى القرمزية والسل يعود فيضع حدوداً للتمييز بين ما تثيره سموم  البنموكوك وما تثيره سموم السربتوكوك من علل مختلفة مثبتاً  تأثير المادة الملونة للصفراء وأملاح الصفراء على الروماتيزم الحقيقى  بعد أن يثبت البنموكوك هو المسبب له عند ثورته

ومما لاحظه مما يؤيد اكتشافه هو أن المرأة المصابة بالروماتيزم  تزول أعراض هذا الداء منها بمجرد حبلها، لأن المادة الملونة للصفراء  يرتفع معدلها إطلاقاً فى دم الحامل طوال مدة الحمل

وقد حدد الدكتور فرح الأحوال التى تصح فيها معالجة  المرضى بالحقن بالمادة الملونة للصفراء والأحوال التى تزيد فيها  هذه المعالجة من خطورة الداء؛ وهنا تظهر الدقة البالغة حدها  فى الاستقراء إذ يتوصل البحاثة إلى تخطئة بعض دهاقنة الغرب  فى اعتقادهم أن كل روماتيزم يمكن معالجته مطلقاً بالمادة الملونة  للصفراء لأن هنالك أنواعاً من الروماتيزم السلى  (بونسه)  تزيد  خطورتها عند المعالجة بالمواد الصفراوية

من الصعب أن يتوصل كاتب إلى تلخيص كل ما أورده  الدكتور فرح فى تقريره من ملاحظات عززها بالرسوم العديدة  المأخوذة عن مجالات المجهر ليبين التفاعل الذى تثيره مقاومة الجسم  بين بعض أنواع الجراثيم والمادة الملونة للصفراء؛ فلمن تروق له هذه  الأبحاث من غير الأطباء أن يرجع إلى المجلة الطبية حين صدورها  ناشرة محاضرات أطباء البلاد العربية ولكل منهم أثر بين في دقة  الملاحظة فى الموضوع الذى تناوله مما يسجل للنهضة العلمية  فى الشرق العربى ما يرد قول القائلين بانحصار العبقرية السامية  ضمن نطاق الذات المستلهمة وقصورها فى الاستقراء والتحليل  والاستنتاج فى رحاب العلم والتحقيق العملى

إن القصور فى نهضتنا لا يتجلى فى جهود الأفراد ولا فى استعدادهم

فكرياً وعملياً، بل القصور كله كائن فى هذا التفكك بل التناحر  الذي يسود كل فئة من الجامعات فى أوطاننا، إذ بينما تجد التضامن  سائداً بين تجار البلاد الراقية وزراعها وصناعها وأطبائها  وعلمائها وأدبائها لا تعرض لك هذه الفئات عندنا سوى التناحر  والمزاحمة مما يؤدى إلى تقلص الهمم وانكماش العبقريات على نفسها.

وقلما تجد كاتباً لم تنزل به النوائب من كاتب، أو تاجراً لم يزعزع  تجارته تاجر، أو زراعاً لم يقطع أشجاره زارع، أو طبيباً لم يهزأ  به طبيب.

تلك هى علتنا، وإن نحن سجلناها على أنفسنا فما نقصد مجاراة  من قالوا بضعف طبيعة الشرقي ونفور فطرته من كل تعاون، إنما  نسجل هذا العيب على أنفسنا، وفى تاريخ أوربا فى بدء نهضتها  ما يشبه عيبنا بل ما يتعداه بمراحل؛ وليت وقائع كولومبس وغاليله  وباستور متوارية وراء غياهب التاريخ. هذا وإننا نرجو آن يأخذ  العقلاء بيننا بعبر الأيام وحوادث الدهر ليعلموا على لمَّ الشمل  وتوحيد الجهود وأن ينال علماء البلاد قسطهم من تعضيد الحكومة  للنهوض بهذه الأمة المتفجرة ذكاءً وعبقرية ونبلا فتتبوأ المقام  الذى حق لها فى ماضى الحقب وهو حق لها فى آتى الزمان

اشترك في نشرتنا البريدية