والان لننتقل إلي لفظ عامي ، والناس يظنون أنه لا فائدة في تحقيق معناه . وهو الكلمة المشهورة على جميع الألسنة :
٤ - الجلابية الجلابية ، ما ادراك ما الجلابية ؟ هي كلمة منسوبة إلي الجلاب ، كشداد . وليست أبدا تصحيف الجلباب . ولقد رأيت كثيرين من كتاب هذا القطر المبارك يستنكفون من كتابة ( الجلابية ) فيكتبون ( الجلباب ) في مكانها ، ورايت اخرين لا يتنازلون إلي الإشارة إلى الجلابية ، ولو يحصرها بين هلالين ، اعتقادا منهم ان تلك الكلمة عامية ولا يحسن بكاتب فصيح ان يشير إليها ولو من طرف خفي .
على أنهم لو علموا أنهم مخطئون لما أقدموا علي مثل انكار صحة هذه الكلمة ، التي تدل على تاريخ جليل ، لا يرمي مثل اثرها في سائر المفردات المستعملة في لساننا .
والجلباب غير الجلابية . فالجلباب على ما جاء في القاموس : " كسرداب وسنمار : القميص ، وثوب واسع للمراة دون الملحفة ، او ما تغطى به ثيابها من فوق كالملحفة ، أو هو الخمار ، وجلببه فتجلبب " ا ه وفي لسان العرب ، كلام أطول وقع في اكثر من صفحة . على أن مجمل معناه لا يخرج كثيرا عما ذكره الفيروزابادي .
اما الجلابية ، فأصل معناها ثوب واسع كأنه خريطة كبيرة يشق من جهة الصدر ، ليدخل الملابس رأسه منه وما بقي منه يستر بدنه كله ، رجلا كان او امراة ، لأن الغاية ستر الجسم من العنق إلي الكعب وهو منسوب إلي الجلاب . والجلاب هو الذي يجلب العبيد أو الأسري أو المماليك من بلاد إلي بلاد أخري للتجارة
ويسميه بعضهم ( النخاس ) لأن هذا الجلاب يمشيهم قسرا ، وكثيرا ما ينخسهم بمنخاس يكون في بدء ، وهو عود دقيق الراس ، او ما يشبه ذلك العود ، إذ قد يكون من المعدن كالحديد او النحاس . وذكر اللغويون الأقدمون ( النخاس ) بمعنى يباع الدواب ، أو الرقيق ، ولكنهم لم يذكروا مرادفه الجلاب ، فإن هذه اللفظة اعلى معنى من تلك ، ولا تدل على التحقير كالنخاس ، بل علي الجلب ، وهو أعون شرا من النخس
وكثيرا ما كان النخاسون والجلابون يكتفون بأن يلقوا علي العبيد او الاماء مئزرا لا غير ، إذ لا يكلفهم إلا الثمن الزهيد ، بخلاف الثوب الذي يستر البدن كله ، فإنه يكلفهم نفقة أعظم
قال ابن أبي محرمة صاحب كتاب ( تاريخ ثغر عدن ) المتوفي سنة ٩٤٧ في باب صفة بيع الجواري ما هذا نصه :
" تبخر الجارية ، وتطيب ، وتعدل ، ويشد وسطها بمئزر ، ويأخذ المنادي بيدها ، ويدور بها في السوق ، وينادي عليها ، ويحضر التجار الفجار يقلبون يدها ، ورجلها ، وساقها ، وصدرها ، ونهدها ، ويقلب ظهرها ، ويقلب لسانها ، وشعرها ، وإن كان عليها ثياب خلعها ، وقاب ، وأبصر . . " الخ
فهذا كلام يدل علي أن هؤلاء العبيد والأماء كانوا في اغلب الاحيان بلا مئزر ، وعند البيع يؤزرون ، وقد يبقون بلا مئزر ، ولهذا قال الكاتب وهو من اهل عدن نفسها ولادة ووفاة ، وكان يري بعينيه كيف كان يجري بيع الأماء : " وإن " كان عليها ثياب خلعها.
فالجلابية إذا هي أبسط ثوب يكون ، يلبسه العبد أو الأمة ، لكي يستر ما يجب ستره في الشرع المحمدي.
وقد قرأت لأحد الأدباء القبط في ( المنار المصرية ) مقالة يدعي فيها صاحبها ادعات فارغة. ومن جملة ما ورد فيها ان (الجلابية) من القبطية Kolabion في الوقت الذي تنادي فيه مناداة المؤذن ، بل اعلي من صوته : " إنها عربية
محضة ولا حق لأحد أن ينتحلها للغته".
ولما رأي أبناء المدن أن لبس الجلابية خفيف في الصيف ، اتخذوها في منازلهم ، ثم لم يروا بأسا في اتخاذها خارجا عن مساكنهم . على أن بعضهم تأنقوا في تفصيلها وخياطتها ، فصار في البلد نوعان من الجلابية : جلابية عربية وجلابية أفرنجية . فلهذه طوق يطوف بالرقبة ، وليس لتلك زيق او تلبيب ، حرصا على إبقاء الشئ علي حالته الأولى .
أما العراقيون فلم يتخذوا هذا الاسم لما يلبسه المدنيون ، بل سموه ( الدشداشة ) وزان رصراصة بدال فشين معجمة فدال فألف فشين ثانية معجمة أيضا ، وبهاء في الآخر ؛ لما في اصل معنى الجلابية من الذل والمهانة والرق .
على أني سمعت أحد الأدباء يقول لي : إن أصل لفظ الجلابية بالضم ، منسوب إلي الجلاب ، وهو ماء الورد
بيشربه الناس في أيام الصيف لبرودته فالجلابية تلبس لبرودتها في الصيف . فالجامع بين اللفظين البرودة والرطوبة لا غير ، أفلم يات في سورة النحل : " فأذاقهم الله لباس الجوع اي لما بلغ بهم الجوع الغاية ، ضرب لهم اللباس مثلا ، لاشتماله عليهم ، كما يشتمل اللباس ، وهي استعارة بالكناية . والجامع بين المعنيين مجرد الاشتمال لا غير .
فقلت له : يا سيدي الكلمة ( جلابية ) بفتح الجيم وتأويل اللفظ بأقرب معني للذهن . أولى من ان يتكلف له معنى لا يأتيك إلا يجرؤ إليك بالحبال المتان ، وقلوس السفن العظام . ومع كل ذلك فاختر انت ما انت مخير فيه.
قلنا : ولنا شئ كثير في هذا الباب ، وهو موضوع طريف طلى، وموعدنا المستقبل من الآيام .

