قرأنا جميعا عن أولئك الأفراد من الجنس الأبيض ، نشأوا فى حجر المدنية ، وتقلبوا فى أعطافها عمرا طويلا ، ثم تركوا حواضرهم الغربية وطرقوا قلب أفريقية لكشف مجاهلها أو صيد سباعها .
وقد قرأنا جميعا عما لقوه هنا وهناك فى صحارها الجرداء المترامية ، وآجامها الشجراء المتوشجة ، وغياضها الآسنة الوخيمة ، وما تعرضوا له من لسعات الهوام ، وإبر البعوض المنومة ، ونهش الحشرات المسممة ، وتفشى الحميات والأمراض الفاتكة ، وما عانوه إلى هذا وذاك كله من جو موبق وحر خانق .
ولكننا لم نقرأ قط عن واحد من هؤلاء فارقها
عازفا مختارا . ومن فارقها لم يملك الصبر عنها ، ولم يلبث أن يلبى نداءها ويعود مضاعف الشوق مجذوبا إليها . وفى أحضانها الحارة الموصولة بالطبيعة الأولى تنتظرهم إحدى ميتتين : الحمى بعروائها النافضة وجحيمها الصالب ، أو القتلة الشنعاء ، مقرونة بالتمثيل والتعذيب ، على أيدى القبائل الوحشية المعادية .
فالقارة السوداء كالحبيبة الظالمة المتجنية ، تضنى من يعشقونها وتذيقهم ألوان العذاب ، ثم هم واحدا بعد الآخر يلقون مصرعهم عند قدميها ، فعشقها كالذى يتحدث عنه الشاعر (أوله سقم وآخره قتل) . والعشاق مع ذلك لا يفتأون يخطبون ودها ؛ وما منهم إلا المستعذب عنها وصعب مرامها ، المشغوف الفؤاد بقدرها ومكرها ، الشوق إلى ضعتها القاتلة .
ولكى نلمس السر ، ونقف على جلية هذا السحر ، دون أن نلقى ما لقيه هؤلاء الأفراد الأفذاذ وجها لوجه ، لا نجد إلا أن نعمد إلى الصورة التى عرضوها لهذه التى فتنتهم وأذهلتهم عن سلامتهم .
جاء فى " رحلات " دافيد لفنجستون : " كانت الآجام تزداد تكاثفا كلما مضينا شمالا ، فكان مسيرنا فى ظلمة الغابة المخيمة أكثر منه فى وضح الشمس الضاحية . ولم يكن ثمة مسالك غير الممر الضيق الذى كنا نشقه لمجازنا بالفؤوس ، وكانت بعض النباتات العريضة المتسلقة تلتف على سوامق الدوح جذوعه وفروعه ، كالأفاعى من ذوات العضل القابضة ؛ وهى فى واقع الأمر كثيرا ما تطبق على الدوح الذى تتسنمه وتشد عليه فتقتله وتبقى هى قائمة متطاولة . وكانت هنالك أشجار أخرى لم يسبق لزملائى عهد بها حتى الساعة ، ومعظمها يذهب فى الارتفاع إلى خمسين قدما ، وساق الشجرة كلها بثخانة واحدة ولا فروع لها البتة . . .
" وقد كان اغتباطنا بالغابة الشجراء - على الرغم من
المطر والحمى - عظيما ، وذاك المباينة الشديدة بين ظلمتها المخيمة وبين الوهج فى صحراء كلهارى الشاسعة التى لا ظل فى صحصحائها يفاء إليه " .
ولقد سمع لفنجستون قبيلة ماكلولو يتحدثون عن الدخان المجلجل ، وقد سأله ملكهم المظفر فيها سأله إن كان فى بلاده النائية دخان يجلجل ، والأحجى بنا أن نترك للرحالة وصف ما شاهده قال :
" غادرت بلدة كلاى فى زورق على مياه نهر زمبيزى ، ولم تمض عشرون دقيقة حتى طالعتنا للمرة الاولى أعمدة من البخار متصاعدة ، يصدق عليها قولهم إنها " دخان " على مسافة خمسة أميال أو ستة ، وهى أشبه ما تكون بالدخان المتصاعد من احتراق مساحات كبيرة من الحشيش الجاف فى الأصقاع الاستوائية فى أفريقية . وكانت الأعمدة المتصاعدة حيالى وقتئذ خمسة ، وهى تميل منحرفة إلى جهة الريح ، وكانت ذوائبها تلوح فى هذا البعد كأنها ممتزجة بالسحاب ، والأعمدة بيضاء فى أسفلها ، ثم يربد لونها فى ارتفاعها ، ومن ثمة كانت وثيقة الشبه بالدخان . منظر رائع الجمال جملة وتفصيلا ! ! وكانت ضفاف النهر والجزائر
الصغيرة المتناثرة فى مجراه تكسوها أفانين من نبات هذه البقاع شتى الأشكال والألوان . وكانت أشجار عدة فى هذا الأوان مرصعة بالقوار والأزها ر، وكل شجرة لها طلعتها وملامحها ؛ وتقوم فى وسط الأشجار منيفة عليها شامخة ، شجرة البوباب الضخمة الغلباء ، وكل فرع من فروعها الضخام حرى بأن يكون جذعا لشجرة عظيمة ، وإلى جانبها لفيف من النخيل الممشوقة ، وسعفها المرتسم على صفحة الماء كريش النعام ، ويزيد المنظر العام حسنا على حسن ، والنخيل كرمز اللغة الهيروغلوفية ، معناه عند الرجل الغربى كلما رآه أنه " بعيد عن الوطن " , فمرآه لا يبرح غريب الوقع فى نفسه ، سواء أكان ذلك فى الصور أو فى الطبيعة . وثمة أشجار فضية اللون على هيئة أرز لبنان ، تتراءى إلى جانب أشجار قائمة على هيئة السرو ، تلتمع بين أوراقها ثمار بهيجة قرمزية ، وبعض الشجر شبيه بالبلوط الجسيم الفينان ، وبعضه يظهر بمظهر الدرداء والشاء بلوط ، ولكنه من غير المستطاع أن نتمثل منظرا فى بلادنا يدانى هذا المنظر سحرا وروعة ... " .
ويمضى الرحالة فى زورق أخف من زورقه الأول فى مياه
النهر ، وقد اعتورتها الدوامات والصخور الناتئة ، ولكنها لم تزدد سرعة انحدار وشدة تيار ! وما لبث أن ألفى الرحالة نفسه بحضرة ذلك المجهول الرهيب - أو كما يدعوه القوم الدخان المجلجل ، وهو - كما لا يخفى - شلالات فكتوريا كما دعاها كاشفها ؛ ويقول لفنجستون إن هذه الشلالات تحوطها جروف شاهقة تكسوها الآجام ، وتستبين للناظر حمرة تربتها من خلل الأشجار ، ويرى الرحالة الزمبيزى الذى يتغنى القوم فى زوارقهم على مياهه مرددين : " هو النهر، لا يدرى أحد من أين يجئ ولا أين يذهب " . يراه الرحالة يثب على الفجاءة دفعة واحدة - من ارتفاع اربعمائة قدم ، وعلى اتساع يزيد على ألف وثمانمائة ذراع ، إلى فج ضيق من الأرض فى صخر بركانى لا يزيد اتساعه على عشرين ذراعا . والناظر إلى هذا الفج عن يمين الجزيرة الصغيرة الواقعة فى وسط المجرى لا يشهد إلا سحابة كثيفة بيضاء ، رأى المستكشف عليها وقتئذ قوسى قزح متلألئتين . ومن هذه السحابة يندفع علوا فى الفضاء فوارا عظيما من هبوة الماء كأنه البخار ، ويرتفع مائتين أو ثلثمائة قدم ، وثمة يتكثف فيتبدل لونه إلى دخان أسود ، ثم ينهمر فى فيض متصل الشآبيب ؛ فإذا رمى الناظر ببصره عن شمال الجزيرة رأى الماء فى قاع الفج لجة بيضاء متدافعة ، وقد تناثرت عن مائها المتمزق شطف من الرغوة متألقة براقة ، فكأنما ألوف من الشهب ذوات الذنب مندفعة فى وجهة واحدة ، مخلفة وراءها أذيالا من الزبد .
وبينما كان لفنجستون يتطلع كالمأخوذ إلى هذه المشاهد ، ويردد فى خاطره : " يا لها مناظر لم تقع العين على أجمل منها ! ما إخال إلا أن الملائكة تتطلع إليها وهى سابحة فى السموات العلى " - كان فى هذه الأثناء رءوس القوم يصلون ويقربون القرابين لهذه الذات المجهولة ، وهم على مسمع من هدير الشلال ، وبمرأمى من أقواس قزح المتلألئة فى السحاب .
وبعد ، فهذه أفريقية السوداء فى مجافى الطبيعة . ولعلها ليست دون ذلك روعة وفتنة فى أبنائها وبناتها من صنوف البشر على الفطرة الأولى . ولما كان المستوحش لا يرى فى الغريب إلا أنه عدو - وقد زاد للأسف بعض البيض فى بعض الأزمنة هذه العقيدة رسوخا فى طبعه - إلا أنه حين يحس العطف الصادق ويأنس إليه ، لا يدانيه مدان فى المرءوة وعلو النفس . وحسبنا أن نقرأ عن رجال لفنجستون الأفريقيين - وبخاصة سوزى وشوما - ونذكر من مواقفهما فى هذا المقام الصفحة الأخيرة ، بعد أن مات " السيد الأكبر " كما كانوا يدعون ، وانقطعت الأسباب بينه وبينهم . فقد أبى سوزى وشوما أن تنقطع الوشيجة القلبية الوثيقة بين لفنجستون وأفريقية ، وشعرا بأنه لها ، قبل أن يكون لغيرها ، فأخرجا قلبه من جسده الهامد ، ودفناه فىى البقعة التى قضى نحبه فيها نضو السقام والمرض ، وأخذا بعد ذلك فى إحصاء كل ما مات عنه ، فلم يأخذا لأنفسهما شيئا مما خلفه ، ثم حنطا جثته ، وارتحلا بها مسيرة خمسة عشر ألف ميل بين القبائل المتناجزة المتقاتلة إلى زنجبار ، وقد رفضا أن يسلما حملهما العزيز إلى الضابط البريطانى الذى كان قادما على رأس بعثة لإنقاذ المستكشف العظيم ، وتوليا هما حمل الفقيد إلى الساحل , ومن ثمة نقله مواطنوه إلى مدافن وستمنستر فى لندن .
ولا أحسبنا بعد هذا جميعه فى حاجة إلى سوق أمثال أخرى على فتنة القارة السوداء , وقد سمعنا شهادة رائد عظيم من روادها يعتبره كل من أتي بعده القدوة والمثال .

