الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 321 الرجوع إلى "الرسالة"

فتوى الأزهر في أسباب الرق وأحكامه

Share

أرسل بعض علماء جاوة إلى لجنة الفتوى بالأزهر الاستفتاء الآتي:

(رجل باع ولده الحر لمسلم أو لغيره، فهل يصح هذا البيع؟ وهل يصير هذا الولد ملكاً للمشتري؟ وإذا لم يصح البيع فما حكم عقده؟ وهل يجب استرداد الثمن؟ وما هي أسباب الرق بالضبط؟) وقد أجابت لجنة الفتوى على هذا الاستفتاء بما يأتي: الاسترقاق ظاهرة اجتماعية نشأت منذ ابتدأ الاجتماع الإنساني. وترجع هذه الظاهرة إلى تغلب القوي على الضعيف وتسلطه عليه واستخدامه إياه

وقد كان الرق شائعاً قبل الإسلام في جزيرة العرب، فكان الناس يتخطفون الغلمان والفتيات من بين أهلهم ويذهبون بهم إلى الأسواق حيث يوجد النخاسون وسماسرة الرقيق؛ وكذلك كان شائعاً قبل الإسلام في أمتي الفرس والرومان على ما كان في جزيرة العرب وأشد

وكانت معاملة الأرقاء في هذه الأمم تختلف في القسوة واللين تبعاً لاختلاف دياناتها وتقاليدها، إلا أن هذه المعاملة على العموم كانت قاسية جداً يظهر فيها سلطان القوي على الضعيف بأجلى معانيه، بل إن الديانة الهندية القديمة المؤسسة على رعاية الطبقات البشرية كانت تعتبر الأرقاء من الطبقة الدنيا التي تلزمها الخسة لذاتها، ولا يمكن أن ترقى يوماً إلى ذروة الطهارة الإنسانية

فجاء الإسلام وسوى بين الناس جميعاً وأعلن أن لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولكنه وجد نظام الاسترقاق قائماً بين الأمم ومعتبراً فيها من النظم الاجتماعية المتغلغلة في صميم الحياة إذ ذاك، فلم ير من الحكمة في التشريع أن يلغي هذا النظام إلغاء تاماً بل عمد إلى تقرير المبادئ الآتية التي تخفف من آثار الرق وتنظم العلاقة بين المالك والمملوك لا على أساس القوة والضعف كما كان في الأمم السابقة، بل على أساس المحبة والأخوة وتبادل المنافع والتعاون في شؤون الحياة. ولا نبالغ إذا قلنا إن مبادئ الإسلام التي شرعها في الاسترقاق تعتبر بمثابة إلغاء الرقيق. وإليك بعضاً من هذه المبادئ

أولاً: ضيق الإسلام في أسباب الرق حتى حصرها في سبب واحد هو محاربة المشركين للإسلام وصدهم الناس عن سبيل

الله، فأذن للمسلمين الذين يدافعون عن دينهم ويردون عنه عادية المشركين أن يضربوا الرق على من يقع بين أيديهم من أسرى هؤلاء المشركين المحاربين

ثانياً: لم يجعل هذا الاسترقاق ضربة لازب ولا نتيجة حتمية لمحاربة المشركين والظفر بهم، بل جعل ذلك من قبيل نظم السياسة الحربية، فخير الإمام في أن يلجأ إلى الاسترقاق إذا رآه وسيلة من وسائل الإعزاز لدين الله وكسر شوكة المعتدين، وفي أن يمن على الأسرى فيطلق سراحهم بفداء أو من غير فداء

ثالثاً: إذا رأى الإمام أن في الاسترقاق وسيلة حربية لإعزاز الدين ودفع اعتداء المعتدين فلجأ إليه فإن الإسلام لم يترك الحبل على الغارب ولا ترك الرقيق لمشيئة مالكه ورحمته يحمله من عناء الأعمال ما شاء كما كان في زمن الجاهلية، ولا جعل حظيرة الرق حظيرة أبدية لا يتسنى للرقيق الخروج منها بحال، بل عنى بأمر الرقيق وأوصى المسلمين به خيراً، قال تعالى:   (وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس) . وقال صلى الله عليه وسلم: (من كانت له جارية فعلمها فأحسن تعليمها ثم تزوجها كان له أجران)

ثم رّغب في العتق ودعا إلى تحرير الرقاب، وجعل لمن أعتق رقبة ثواباً عند الله يعدل ثواب كثير من الطاعات، بل أوجب الإسلام ببعض المعاصي تحرير رقبة كمن قتل نفساً خطأ أو أفسد صيامه عامداً أو حنث في يمينه التي عقد عليها قلبه

وآيات القرآن العظيم وأقوال الرسول الكريم في الرفق بالرقيق والإحسان إليه في المعاملة كثيرة ومشهورة. من هذا يتبين أن ليس للرق في الإسلام إلا سبب واحد هو ما أسلفنا الإشارة إليه من محاربة المشركين واعتدائهم على المسلمين، وأن الاستيلاء على المشركين بأي وسيلة كانت زمن السلم، ومن غير محاربة، وخطف الأولاد من أهليهم كما كان يعمل في الماضي، كل ذلك لا يترتب عليه أن يكون المستولي عليهم أرقاء ولا يسوغ التصرف فيهم بحال وإن بيع الرجل ولده يكون بيعاً باطلاً يجب منعه، ويجب رد الثمن للمشتري، ورد الولد إلى أبيه والله أعلم

اشترك في نشرتنا البريدية