الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 194الرجوع إلى "الثقافة"

فتيات عاملات، في مصر

Share

من آثار الحرب

من الظاهرات التي تبينها القليلون قبل الحرب الحاضرة أن الفتيات المصريات بدأن يدخلن ميدان العمل والحياة الاجتماعية بصورة عملية فعالة . ولست أقصد بذلك الفتيات في المدارس من طالبات ومدرسات ، إذ أنهن يدخلن الحياة الاجتماعية مهذبات " متمتعات يعشن ولا يعملن إلا في القليل النادر ؛ إنما أنا أقصد الفتيات قليلات الثقافة أو غير المتعلمات قطعا ، وهن في الواقع يدخلن الحياة الاجتماعية لا " متمتعات " بل " عاملات لا يقوم علي خدمتهن أحد ، بل هن اللواتي يخدمن  أنفسهن ويكسبن عيشهن ويعملن بأيديهن في خدمة أصحاب المشاغل والمصانع والمعامل ومجال النسيج والخياطة وقد برزت هذه الظاهرة بصورة قوية بعد ابتداء الحرب الحاضرة في سنة ١٩٣٩ ، واتخذ هذا الظهور نوعا من الشمول والاتساع والفيض ، وخاصة بعد امتداد الحرب وشمولها لجميع بلدان العالم بدخول اليابان الحرب ضد أمريكا والحلفاء ، وما ترتب على ذلك من تعذر النقل في البحار ، وانقطاع الوارد من المنسوجات التي تصنع في اليابان ، والتي كانت تغمر أسواق العالم كله من قبل . ولا شك أن هذه الظاهرة تتمثل بجلاء في المدن أكثر من تمثلها في الريف ، نظرا لما يتمتع به أهل المدن من حرية نسبية في السلوك ، ونظرا لازدحام السكان ، ونظرا لأن المصانع والهيئات التي تستخدم هؤلاء الفتيات على نطاق واسع تكثر في المدن وتقل في غيرها من البقاع ، ونظرا أيضا لأن الفقر في المدينة شديد يصل بسهولة إلي درجة الإدفاع . ولعل هذا هو

السبب الأقوي في تحليل هذه الظاهرة ، فقد ارتفعت الاسعار وتضاعفت نفقات المعيشة ، وقسي الفقراء من ذلك شر الحرب واحتلال الاقتصاد الفردي والاجتماعي .

في قلب القاهرة

والواقف في ميدان محطة القاهرة صباح يوم من أيام العمل الرسمية ، يمكنه بكل سهولة أن يتبين أفواجا من هؤلاء الفتيات يأتين من الأحياء الوطنية كثيرا والجزيرة والقبلي وبولاق والفجالة وباب البحر ، ومثل هذا المنظر تماما يراه الواقف في ميدان الملكة فريدة ، حيث الفتيات العاملات يخرجن من شوارع محمد علي وعابدين وعبد العزيز والخليج المصري . وجميع هذه الأفواج من الفتات - فرادى وجمامات - تتجه كلها نحو الأحياء التجارية والتي تكثر فيها مجال المتاجرة في الملابس والمنسوجات على جميع أنواعها ، وتكاد هذه المجال تقع جميعها في دائرة حي الموسكى وما يتفرع عنه من مسالك وشقوق وفروع صغيرة كالازهر وباب الشعرية وشارع فؤاد الأول . وهذا المنظر يتكرر في اليوم مرة ما بين السابعة والثامنة صباحا . ومرة اخري ما بين السادسة والسابعة بعد الظهر

فقيرات :

ولو دققت النظر في هؤلاء الفتيات ، وأرسلت البصر على نواحي هذه الشخصيات المتحركة العاملة ، لتبينت كل ميزات الفقر والفقراء ظاهرة عليهن ظهورا قويا . فملابسهن إما سوداء وإما ذات ألوان تفاجيء الذوق ، وهي دائما مصنوعة من القماش الخفيف الرخيص ، مرسلة على أجسامهن بطريقة عادية لا توحي بكثير أو بقليل من الاناقة وحسن الانتقاء ، ولا تغطي هذه الأثواب أردية خارجية تحجب بعض ما تقر من تفاصيل تلك الأجسام ، يضمن في ارجلهن أحذية صغيرة تكاد تكون مشققة مفككه ، قد طفي لمعانها ، وكثيرا ما تكون أرجلهن عارية بلا

جوارب ، حتي ولو كان الشعر في هذه الأرجل يكاد يظهر معلنا وجوده ، وليس ما يخجل هذه الشعرات القصار الحية فيمنعها من الظهور إلا السمرة الضاربة على أديم تلك الأرجل أو الجوارب الرخيصة المتميزة بسمكها وتغلظ الخيوط التي نسجت منها . وكثيرا ما تكون رءوس هؤلاء الفتيات العاملات صغيرة أو ضخمة بدرجة غير مقبولة ، وإن كانت تختفي غالبا تحت ما تكاتف عليها ونبت في تربتها من شعر أسود قاتم خشن ، وهذا الشعر دائما يكون معقوصا لحفظه من تلاعب الأهواء والريح ، وقد ثبت إلي الرأس وموج عن غير قصد بتاثير السلوك التي ربط بها ولجم . وفي قليل من الأحيان يضمن على رءوسهن من القبعات والقلانس ما هو مصنوع من التيل الأبيض والأسمر ، وقد حرمت هذه القبعات أشرطة عريضة من القماش الملون الخفيف . وهن كثيرا ما يجعلن بأيديهن حقائب مصنوعة من الجلد الرخيص أو من " الفار " الذين اللبن أو حتي من الورق القمش ، وفي أحيان كثيرة تكتفي العاملة منهن بأن تحمل في يدها منديلا مثلت الطيات ومعه ورقة من جريدة الأهرام وقد لف في داخلها بعض الرغيف غذاء لها تتبلع به في الظهيرة .

وتتراوح أعمار هؤلاء العاملات الفقيرات بين ١٢ سنة و ١٨ سنة ، اجسامهن صغيرة القدور رقيقة التكوين ، وفي قوام هؤلاء الفتيات من التعرج ما لا تكاد تتبين معه في وضوح هل هذا القوام مائل إلي الإمام أم أنه ملقي إلي الخلف . في حديثهن تلويك لالفاظ شائعة سيلة تتدخرج على ألسنتهن وتنطلق من أفواههن في عادة وتكرار قل أن ينعثر ان تصاحبه الفكرة الخاصة ، أو أن يجري علي أساس اعتبارات غير ما يتداوله الناس في شئون عيشتهم العادية . قد تراهن ضاحكات ، ولكنهن في أغلب الأحيان متجدئات يرسلن الاحاديث في سهولة ويسر ، حتي لتكاد تغالهن

أجهزة ناطقة تتحدث وتنطق دون بذل خاص بردون إتيان لمجهود فيه عنصر الشخصية أو التميز

كفاح ومغالبة

وإذا نظرت في محاجر عيون هؤلاء العاملات وجدت في أجفانهن ارتخاء ينكشف عما أحاط تلك العيون من هالات صغيرة باهتة مغيرة توحي بالعمل والبذل وروح المثابرة ، فهن يعملن ويشتغلن لا بروح المقبل علي العمل المطالب بحقه في الوجود الحر ، بل بروح من الدفع وشبه الإرغام أو الاضطرار ، وكان قوة أكبر منهن هي التي تدفعهن إلى العمل ، فلا حيلة لهن إلا بالخضوع والسير والانصياع . وكيف لا يغمر من هذا الشعور ودور المرأة في الحياة لا العمل ، بل الزواج والبيت والأولاد . وليس هناك زوج أو منزل أو أسرة ، إذا قال العمل والشغل والنسيان . ليس هناك مال به يستقر عيشهن في بيوت الآباء بل فقر و حاجة ، إذا فإن العمل والسكسب لسد هذا العوز ؛ ليس هناك مجال للأستقلال والذاتية ، إذا فإن العمل والوجود بين الجماعة ، وفي عمار الكثرة حيث التيار يحمل معه كل من استلقي وأسلس القياد .

تطور :

ها هي ذي الفتاة الصغيرة بين أيدينا تخرج إلي الحياة تعمل وتشتغل ، تكد وتكدح ، تبذل الجهود وتعاني آلام التعب والحرمان والشوق والجفاف ولو كان ذلك كله من أجل قروش قليلة تافهة . . وها هي ذي الفتاة الصغيرة تخرج إلي العالم ، ولو كان ذلك رغما عن المبادئ والتقاليد والعادات ان الفتاة تخرج ولو مرغمة، فإن دورة الحياة قوية وأمر العيش نافذ ، والحاجة في كل حين تفتق لا الحيلة فقط ، ولا الذهن وحده ، بل العادة والتقليد والخلق والنفس بكل ما طوته من حرمات ومعان

وخروج الفتاة إلي ميدان العمل اليدوي لهو أقوي رد يمكن ان تقابل به حجح المحافظين ورغباتهم وجهودهم . إن خروج الفتاة من المنزل إلي المشغل والمتجر والمصنع قد بدأ منذ زمان قريب ، وهو يمتد الآن تحت أبصارنا ، وهو في المستقبل سيتسع مدي مهما حاولنا أن نصد تياره أو أن نقيم في وجهه العقبات ؛ بل إن محاولات كهذه لجي من التعامى والتغاببي وإنكار الواقع الحادث وما في هذا الواقع من أوضاع وأساليب وتطور

ومن السخرية حقا أنه في كثير من المجالس والمناظرات العامة ، يكون من بين المثبارين في الاحاديث فتيات متحررات خارجات من بيوتهن يناقشن القدماء والحافظين من الرجال ، لا بل ومن الفتيات أمثالهن ؟ هن يعشن بأجسامهن في العالم الخارجي ، ولكن عقول لهن ترسف في عالم الحريم ! ولو اكتفين بالوقوف أمام العالم في صمت وسكون لكان في هذا أبلغ إجابة تفقأ عيون الذين لهم عيون وهم لا يرون

حكمة

على أن الواقع أن لهذه المناقشات التي تظهر في أول الأمر عقيمة بلا معني ، حكمة عميقة هامنة ، قل من الباحثين من يدركها أو يلتفت إليها . والحكمة البليغة في هذه المناقشات انها إعلان للرأي العام ولهيئة القادة أن البلد مقبل علي نوع جديد خطير من التغير ، فليكن هذا الدور واضحا في الأذهان تفاصيله ودواعية واعتباراته ، ولتكن روح الهدوء والتعقل والحكمة ، وليس الاندفاع والاظهار ، هي رائد المتطورين وليكن للقادة فوق كل هذا الفرصة القوية ان يقوموا بالدور الذي هو واجبهم الأول - من الإرشاد التوجيه الصحيح والرعاية والتقويم

كلمة ختامية

إننى كلما نظرت في عيون هؤلاء الفتيات الصغيرات

العاملات ، وكلما لمحت في جفونهن آثار المغالبة وحمل النفس على العمل والجهود ، وكلما وقفت ارسل النظر في اعقابهن عائدات في المساء إلي منازلهن بعد يوم طويل من العمل المتعب المجهد ، كلما رأيت هذه الصورة أحسست في أعماق نفسي أن هؤلاء الفتيات هن رواد حركة هامة من حركاتنا الاجتماعية ذات الأثر البعيد في حياتنا كأمة وشعب ، بينهن ضحايا وشهداء يقاسين الكثير من العنت والتعسف والأرهاق - من المجتمع ، وأصحاب الأعمال ، وإذهانهن ، وعواطفهن ، كفتيات وكأمهات في المستقبل وبالطبيعة .

إنهن بنات الأمة ، وفتيات الشعب ، وهن في حاجة إلي من يدافع عنهن في شدة ويرعاهن في حنان وقوة ، ويعطف عليهن في نزاهة وشرف وضمير حي ، وهن في حاجة فوق كل هذا لا إلي التعرية بل إلي التشجيع ، وإلي الارشاد والإهتمام ، لا إلي مجرد النظر والبحث أو اللفتة السريعة أو الترك والتغاضي

إن كثيرات من بنات الامة سيعملن في المستقبل على غرار هؤلاء ، ولكن في صورة اقوى وفي اتحاد امنع وفي شخصيات أكثر استقلالا وأكثر إيمانا بضرورة العمل ؟ وكل ما يعمله الآن لمعاونة هذه الطبقة من العاملات إنما نحن نعمله لمعاونة كل فتاة من فتيات الشعب في كل جيل من الأجيال القادمة

وليكن لنا بعد ذلك روح الإدراك العملي ، وروح الاصلاح الواقعي ، لا الخيالي ، ولنعمل ، ولنصلح ، ولنهتم ، فها هي ذي أمام المصلحين قضية من أخطر القضايا الاجتماعية تتطلب الكثير من الاهتمام والعطف والرعاية والإرشاد والإصلاح والمعاونة ، وليكن لنا ضمير اجتماعي وضمير عملي ، فإن أحوج ما يتطلبه إصلاح شعبنا في الحقبة الحالية هو هذه الأنواع من الإدراك والضمائر والشخصيات .

اشترك في نشرتنا البريدية