الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 319 الرجوع إلى "الثقافة"

فجيعة حلب، بعالم مصري جليل

Share

فقدت حلب الشهباء في الأيام الأخيرة سيدا من ساداتها الأكارم وعالما من علمائها البارعين هو السيد محمد شرف الدين الفاروقي المصري الذي قضى ربع قرن بحلب يعلم ويؤلف ويكتب ويخرج التلاميذ أحسن تخريج .

قدم رحمه الله إلي حلب سنة 1917 زائرا فأعجبته لحسن مناخها وشدة شبهه بالقطر المصري فعزم على الإقامة فيها ، وما إن ثبتت قدمه فيها حتى توافدت عليه أعيان البلدة ووجوهها وأذكياؤها يفيدون من علمه وفضله في حلقات كان يعقدها بمنزله بشارع السكة الجديدة بباب النصر .

وقد صارت حلقاته هذه عكاظ حلب . كما كان كثير من أهل الفضل يدعونه إلى منازلهم فيحدثهم أروع الحديث ، لما كان عليه من فصاحة اللسان وسعة الإدراك وجمال المنطق ، وما زالت صلة السيد الفاروقي المصري بحلب وأهلها تقوي حتى إذا عزم على الرحيل منها إلى بلده منعوه وتفننوا في اختراع الحيل لبقائه بين ظهرانيهم حتى تحققت لهم هذه الأمنية . حدثني رحمه الله قال لقد طوفت في بلاد الشام والمملكة العثمانية بلدا بلدا فأعجبت بالفرس وحلب إعجابا  عظيما ، وكنت كثيرا ما أمني النفس بقضاء بقية العمر في إحدي هاتين البلدتين ولكن أني لي هذا ؟ فإن الأيام قاسية والحياة صعبة ، وما كل ما يتمني المرء يدركه ، ثم جرت المقادير بما أردت ، فهأنذا أقيم في حلب العزيزة وأرجو أن أقضي العمر فيها . وإن ما لقيته من أهلها من عطف وولاء وحب ورعاية قد أنساني مسقط رأسي ودياري

بلاد العرب أوطاني    من الشام للبنان

ومن مصر إلى يمن    إلى نجد فبغدان

صدق قائل هذين البيتين يا صديقي فإن بلاد العرب

من أقصاها إلي أقصاها هي موطني وأرجو أن أمتع ناظري برؤيتها متحدة متفقة ، ذات سيادة وعزة وكرامة ومنعة هكذا قال لي السيد الفاروقي منذ أكثر من عشرين سنة ، وبهذا كان يبشر في كل حفل وفي كل بلد يحله ، وليته عاش إلي أيامنا هذه حتى يري بأم عينه بواكير هذه الوحدة الحبيبة إلي قلبه .

كان السيد الفاروقي ضخم الجسم ، طويلا ، عريض المنكبين ، جميل الصورة ، أسمر شديد السمرة ، واسع العينين ، براق الحدقتين كأن الذكاء يشع منهما ، وكان حسن الحديث ، محافظا على لهجته المصرية ، مؤدبا ، ما سمعت منه كلمة نابية ولا عرفت أنه خاصم أحدا . ولا أساء إلي أحد ، وكان وراء ذلك كله جيد الصوت حسن المعرفة بالموسيقي والأنغام قديمها وحديثها ، وكان حسن البزة أنيق الملبس ، يحسن انتقاء ثيابه ويختار أفضل الألوان وأكثرها تناسبا ، وكان يفضل اللون الكحلي أو الأسود الفاحم علي غيرهما من الألوان ، وكان ينتقي أفضل الخياطين وآنقهم وأكثرهم صلة ببيوت الخياطة الباريسية ، وكان شديد العناية بتجميل بيته ، يختار له أفضل الرباش وأجودها وأكثرها قيمة ، وكنت إذا دخلت بيته وجدت نفسك في متحف صغير يضم أجمل التحف وأحسن الأثار ، وأخذتك براعة الروعة والاتساق .

حدثني رحمه الله أنه ولد بمصر سنة 1879 وأنه تلقي العلم على شيوخ الأزهر فبرع في العربية وآدابها ، وحفظ القرآن وعلومه ، والتاريخ ، والحديث ، وجود في ذلك . ولما أتم درسه الديني تطلعت نفسه إلى الكمال والأزدياد من العلم فرحل إلى القسطنطينية وكانت ، في أوائل هذا القرن ، مركز الحركة العلمية في البلاد الإسلامية فرحل إليها ودخل دار الفنون وبرز فيها واتصل هناك برجالات العرب الذين كانوا يشتغلون بالسياسة العربية كالمرحوم الشيخ

عبد الحميد الزهراوي والسيد عبد الرحمن الكواكبي وعمي السيد محمد نافع طلس وغيرهم ، ولما انتهت الحرب العالمية الماضية بما انتهت إليه قصد سورية وأقام في حلب فأحبه أهلها ، وكان كلما عزم على الرحيل إلي بلاده منعه أصدقاؤه الكثر وتلاميذه ومحبوه ، نذكر منهم ههنا المرحوم السيد فؤاد المدرس ، والمرحوم السيد نشأة المدرس ، والمرحوم والدي السيد عبد الوهاب طلس والسيد توفيق الجابري مدير المعارف العام في سورية اليوم وغيرهم ، وقد صار منزله في أواخر أيامه منتدي الجميع يجتمع فيه الرجال ويتناقشون في مسائل العلم والأدب والسياسة ، ويفد إليه الشبان فيتعلمون منه ما يجهلون من مسائل التارخ والأدب والحضارة والسياسة ، ولما رأي الضرورة تقضي بأن يكون ميدان عمله أوسع ، أصدر جريدة "الميثاق" وناضل فيها قرابة عشر سنوات ، أو تزيد الانتداب ورجاله . ودعا إلي مكارم الأخلاق والمذاهب الصحيحة . ثم انتدب إلي التدريس في مدارس الحكومة فأخذ يدرس العربية وآدابها وخرج جمهرة صالحة من الطلاب ، ثم انتدبته وزارة المعارف إلي إدارة مدرسة التجارة فقام بعمله خير قيام ، ولكن المرض دب في جسمه فظل يعمل على الرغم من شدة آلامه حتى لم يعد يطيق له حملا ، فترك حلب إلي بيروت حيث دخل المستشفى الأميركي ولم يلبث هناك طويلا حتى وافته منيته فمات مبكيا على علمه وعقله وأدبه .

بكت الشهباء في الشهر الماضي فقيدها وأبنته بحفلة كبرى في قاعة مدرسة التجهيز الرسمية ، بكاه فيما أصدقاؤه وتلاميذه وعارفو فضله . وقالوا فيه الشيء الكثير . فرحم الله تلك النفس الطيبة التي ماتت شهيدة في سبيل المثل الأعلى ، ونكران الذات .

لقد فقدت حلب بموت السيد الفاروقي أديبا بارعا وخطيبا مفوها عرفته منابر حلب وجمعياتها ومحافلها الحرة

ومدارسها الوطنية والأجنبية . فقد كان يرتجل الخطبة البارعة الموفقة التي تضم إلي حسن التفكير وسداد الرأي أدبا جما وفصاحة حسنة وبيانا مشرقا ، واستشهادا عجيبا ، وصوتا ساحرا .

تلك هي الخطوط الرئيسية لحياة هذا السيد الجليل الذي كان أنموذج الرجل الصالح في عمله وخلقه وعلمه وسياسته . وقد كانت له مزايا أخرى يجهلها الناس إلا من كان شديد الاتصال به ، ومن ذلك أعمال الإحسان والبر التي كان يقوم بها ، فقد كان ينفق أكثر موارده على الأيتام والأرامل والفقراء من الطلبة ، وكان كثير من أغنياء حلب يعطونه الأموال الكثيرة ليقوم بتوزيعها على أهل الاستحقاق من صغار الطلبة والطالبات الأيتام ، وقد كانت له اليد المشكورة في تأسيس دار الصنائع النسائية وملجئها ، اللذين يضمان عددا كبيرا من اليتيمات والفقيرات اللواتي جمعهن وأحسن إليهن بمعاونة السيدة الفاضلة المحسنة قائمة هانم المدرس التي فقدت بموته عونا عظيما .

أحسن الله إلى السيد الفاروقي بما أحسن إلي حلب وأهلها ، وجزي الله مصر خيرا على هديتها الثمينة التي لن ينساها أهل حلب وشبانها .

اشترك في نشرتنا البريدية