الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 202 الرجوع إلى "الثقافة"

فردينان " Ferdinand

Share

خلاصة ما تقدم فردينان شاب بجمع في نفسه الأسداد ويؤلف فيها من خلق أبيه وخلق أمه ، فهو طالش رشيد ، متلاف مقتصد ، دفعه الطموح إلى السرقة ، ودفعه الحب إلي المزيد ، لكنه سرعان ما تحمله نفسة الحبيبة إلي التفكير ، فالندم ، فالعزم على الاصلاح . ويعهد إليه أبوه في عمل تجاري فنظر به عينه لأنه سوف يعينه على الاصلاح ، وتهيأ له الظروف المواتية من نصح صديق وقرب فتاة صالحة رحيمة .

لكن فردينان كان يذكر دواما حنو أو نليا وحبها ؛ فلم يقطن في الفتاة الريفية إلا إلي انها مدبرة رشيدة ، تصلح ان يتخذها لأونليا مدرة بيت ومشيرة . فكان لطيفا معها يرد على رقتها بأرق منها ، فإذا عرضت مناسبة اتي عليها وأطري خلقها . وقد زادته الأيام علما بها وتقديرا لها ، فضاعف التفائه نحوها ، فما شكت الفتاة وما شك عمها في أن له عندهما مأربا ، فزاداه تلطفا

ومضي فردينان في مشروعه التجاري ، وعاونه صديق الأسرة على إنجازه . وأثمر المشروع ، وأفعمت نفس فردينان غبطة بهذا النجاح ؛ وهل اسر للنفس من القدرة على الإصلاح ، والنهوض بعض سقوط ، والسمو عن الحضيض . والضال بطل وأهل للثناء إذا أهتدي ؛ والسماء حقبة بالأئثيم المنيب أكثر من حفاوتها بالمعصوم الذي لم يأثم

لكن فردينان على الرغم من نياته وإصلاحة لم يسلم من عواقب عمله ، فكان الإعصار الذي ينتظره يتجمع في عينية ليعصف به عند أوبته .

ولم يكن والد فردينان كما تعلم رجلا دقيقا فيما يتصل

بدخله او خرجة ؛ فكان يأخذ وكان يرد من دون حساب ، لكنه كشف في ذات يوما أن قرطاسا بعينه يحتوي نقدا أجنبيا ربحه في الميسر - كشف أن هذا القرطاس ضائع وتنبه بهذا إلي أن قراطيس اخري قد كان اقرضها صديقا ثم استردها ، ليست كذلك موجودة . فثارت شبهته ، ونطفق يرمي بها القريب والبعيد ، ويحملها الخدم والأولاد وراح يهزم في بيته كالرعد ، ويهدر كالبعير

ولكن زوجته الرشيدة العاقلة نبهته إلي أن ذيوع الخبر ليسيئن إلي بيته ويعرضه للأخطار . فليكتمن هذا الأمر ما استطاع فلعلها مهتدية إلي الفاعل قبل أن يعلم الناس .

وكانت عمة أونليا قريبة ، وقد علمت بما بين فردينان وابنة أخيها ، وعجبت من نفاسة هداياه إليها ، وحدست في علاقتهما ما توجب القلق ، وظننت فيها الظنون . وإذ كانت ممن يؤثرون اليقين على الشك ، وكانت تتوقع عودة اونليا في كل لحظة ، ونعلم أن فردينان كذلك وشيك الرجوع ، ذهبت إلي أسرته تسأل هل يوافق أبواه علي زواجه من أونليا وهل بات هو ذا مورد

فدهشت الأم - أم فردينان - لهذا القدر من الرواية ، فلما حدثتها العمة عن الهدايا أجفلت في نفسها اجفالا شديدا ، لكنها اصطنعت الغبطة بالزواج المعروض ، وطمأنت السيدة من ناحية فردينان ومركزه ، ثم استمهلتها وقتا للتفكير

واستصوبت الأم أن تكتم هذا الأمر عن زوجها ؛ وكان كل همها أن تتحقق هل ابتاع فردينان هداياه بالمال المسروق . فقصدت إلي التاجر الذي باع له واستعرضت بعض حلية ، واستفسرت عن الثمن ؛ فلما أخبرها به تظاهرت بأنه غال ، على حين أن ابنها حصل منه على مثله بأرخص من ذلك . فقال التاجر : حقا كان هذا ؟

لكن العملة التى اشتري بها ابنها كانت عملية نادرة . فوضح الخبر وتحققت الأم الآن أن السارق هو فردينان .

عاد فردينان منشرح الصدر يتوقع الإطراء وان يكال له الثناء ، وينترقب ان يعقد الصفققات التي تعوض ما سرق وتنحو ما اقترف .

وأثنى أبوه على تجارته ولكنه لم يكن الثناء المستطلب ، ذلك أن أباه كان برما شارد الفكر آسفا علي ماله المفقود . وكان يزيد في تبرمه وتشتت فكره ان دينا عليه استحق الأداء ولم يجد إلي أدائه سبيلا .

وأحزن فردينان ما وجد في نفسية أبيه وأرهقه فوق إرهاقها شهود فعلته : حيطان المكتبة وأثاثها والكتب ذاته فذهبت مهجته ، كما يذهب الزيد جفاء ، وتبددت آماله ومطاعه هباء . وأحس نفسه التي سمت بتكفيرها تهبط من حالق ، وانه لم بعد الرجل الطيب الذي ظن أن يكون .

وأراد أن يبرح المكان فأومأت إليه أمه أن اتبعني ، وباغتنه بقصة الصندوق " صندوق أبيه " وأخذت عليه طريق الإنكار ، فاعترف لها جاثيا علي ركبتيه ، واخبرها أنه بسبيل الإصلاح والتكفير ، وان التوبة خليقة بمحو الجريمة التي اقترفها . وسألته امه ماذا فعل بكل المال المسروق ، وأذهله أن يسمع منها أرقاما لم تدر بخلده ولم تمتد إلي أصلها يده  ولم تنفع مع أمه أيمانه ولم يجده إنكاره ، بل ظلت الأم تعتقد أنه سارق الجميع ، وان من يسرق الواحدة كفء لأن يسرق الآخر ؛ وأن التجارة التي يزاولها قد تكون من المال المسروق ، وان اصحاب السوء الذين رافق قد يكونون شركاء في المال المسروق .

وتوعدته أنه إن لم يعترف بكل شئ ليبوءون بغضبها وغضب ابيه ولتبلغن السلطة أمره . وساءل هو نفسه كيف يقنع أبويه بأنه لم يأخذ كل هذا المال ورأي ما قدم لحياته

المستقبلة بنهار ، وما رجا من زواجه من ارتليا بخيب .

بيد أن هذا الذي شئت فكره وجرح كبرياءه وأهان  حبه لم يكن ابلغ ما آلمه ؛ إنما كابد فردينان أشد العذاب من رؤية قصده معكوسا ، وعزمة على الإصلاح منكورا هذا النكران .

لكن فردينان سرعان ما تبين ان الخطيئة تقعد للجهود الطيبة بالمرصاد لتحبطها ، وان اللطخة العالقة يتم عليها الأثر الباهت مهما يعمل لإزالتها ، فحارت عند ذلك قواء ومج الحيلة

وهوي فردينان على مقعد بله من قبل بدموعه ، وناشد فردينان السماء أن تعينه ، وهو التائب المنيب الحق يعطف الأقدار ، والمفرط النادم الطامع في رحمة الله .

واستغرقته صلاته فلم يفطن إلي الباب يفتح وإلي أمه تدخل مهللة وتقبل عليه تقول : " يابني ! إنه ليسرني ان أتبين صدقك واستشعر ندمك فالذهب الذي افتقده أبوك قد وجده عند صرافه ، والمال الناقص قد تعهدت برده

فأدخلت كلمات الام المسكينة علي قلب فردينان ، وبات يؤمن بأن في مقدور المرء أن يريد الخير وان يتمه ، وانه بمشيئة الخير وصنيعه يكسب المرء عطف ربه وعونه . وضاعف غبطة فردينان أن يرضي أبوه عن خطبته لاوتليا ويرحب بزواجه . وإذ يرتفع عن كاهله عبء الجريمة وينطلق من قيودها يأخذ في التفكير في مستقبله ، ويترقب بفبارغ الصبر عودة حبيبته .

وإنها لتعود آخر الأمر ، ويهرع إليها ليراها أجمل مما اعتاد أن يراها . وإنه ليترصد الساعة التى يفاتحها بحديث القلب ، ويهئيل الفرصة إذ تحين ليقبل عليها بعطفه ورجائه وأمنيته ، إذا بها معجبة لا تكترث لقوله بل لعلها كانت تسخر منه ، وتمجن معه ، وتتصوره وإياها في حياتهما المنتظرة من رعاة الأغنام .

ووجم فردينان وارتد إلي نفسه يراجعها وقد جعلت تنضح بالمرارة بعد إذ كانت تدوب جنونا . فأشمأز من ملكها ، وأحس عاطفته تجمد نحوها ، فجعل يتقصي هاتها ويتلمس اخطاءها . ولم يحتج إلي كثير من البصيرة ليتبين أن ابن عم لها قد جعل يسترعي انتباهها ، وانه يفوز بقسط كبير من ميولها .

وفقدت اوتليا تأثيرها على فردينان ، وانفك سحرها ، ووضح رياؤها وقدرتها على اصطناع الرقة آونة ، والجفوة أخري ، وأنها تكون فاتنة حينا منقرة حينا ، فاعتزم أن يتخلص منها قليلا قليلا ، واستقر رأيه على قطع الخيط الأخير .

لكن الخيط الأخير على وحيه لم يكن هينا قطعه ، فقد وجدها وحدها ذات يوم فعاود حنينه إليها ، فذكرها نوعها ولحظات عمرت بأماني المستقبل . فتلطفت معه ورقت له ، فأقبل عليها من جديد يكاشفها بمشروعاتة لكنه عبثا تلمس عندها الميل إلي هذه المشروعات والاكتراث لها

وأحس فردينان أن ليس من خير يرجي في هذه العلاقة الموصولة المقطوعة . وكان خليقا أن ينصرف عنها وأن يقطع فيها برأي . بيد أنه انصرف مترددا مزعزعا ذلك أنه لم يكن من الهين عليه أن يتحرر من مفاتنها وهي كثيرة . وكان شئ واحد كافيا لقطع الخيط الأخير الذي لم يكن هينا قطعه ، ذلك هو الألفة التي لمسها بين أو تليا وابن عمها ، وقد كانت ألفة من النوع الذي لا يطيق غيره إلي جانبه .

لكنه عاد يتردد وكتب إليها بخبرها بين أن تتبعه أو تحله من وعده . وكانت قد اختارت ! فردت عليه في لغة ذات وجهين ، ردت إليه وعده واحتجزت قلبه ، فهي ما تزال مرتبطة به ، طليقة مع ذلك منه

وعجل فردينان بالعودة إلي مقامه الجديد ، وحزم امره واتخذ الفتاة التي تصدر في كل شئ عن سجيتها زوجا له .

لقد عرفت فردينان في السنوات الأخيرة رب أسرة مهنية عديدة . وقد قص على قصته وتبينت طابعها القوي في نفسه ، وبدهش منه اشياء وأشياء . فهو يعف عن الشئ حينما لا ضير عليه من تناوله ، وكان في هذه العفة حريصا على الفصيلة في ذاتها ، لا نافرا من شيء يغاير هذه الفضيلة كذلك رأيته يعود أولاده على أن يكفوا أحيانا عما يغري بالإقبال . وقد أخذته مرة بأمر لم يرقني بادي الرأي ، فقد حرم غلاما صغيرا من أطفاله من تناول لون من أحب ألوان الطعام إلي الغلام . ولشد ما أدهشني الا يمتعض الغلام لهذا الحرمان ، وان يظل محتفظا بابتهاجه . وكذلك كان إخوته الكبار كثيرا ما يمرون بفاكهة مشتهاة من الكرم ، فلا تمتد أيديهم إليها ، ثم هم مع ذلك يسمح لهم بكل شئ ، فالبيت يضج بعينهم وجدهم ويزخر بحماقاتهم ورشدهم .

كان فردينان يلوح وكأنما لا يكترث لشيء من عمل أولاده ، وكان يطلق لهم الحرية لا تعرف كابحا ولا زماما . ثم إذا انه فجأه يروم أن يسير كل شئ في مثل دقة الساعة ، فإذا بساعات الأولاد مضبوطة كلها في اليوم التالي ، يتلقي كل منهم أمره بما ينبغي عليه في فراغه وشغله ، فلا يتخلف منهم أحد عن واجب وكل إليه أداؤه

كان فردينان يقضي الساعات الطوال في تبرير هذا اللون الغريب من التربية . وكان في صفوة اقواله يزعم ان على المرء أن يفرض على نفسه القناعة وعلى غيره الطاعة ، لا ليكونا ديدنه على الدوام ، بل ليستتطيع ضبط النفس وضبط الغير في الحين المناسب ومتى شاء .

اشترك في نشرتنا البريدية