الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 201الرجوع إلى "الثقافة"

فردينان ferdinand

Share

قصة لجنيه Gorthe * - شاعر الأتان الأكبر وهو غني عن التعريف ، فلا تحاول تقديمه كما اعتدنا أن نفعل مع كل من ننقل عنهم . والقصة من صميم الحياة ، ومن أصدق ما نعرضه . والتحول في حوادثها نتاج الصدمات، وليس هذا بعجيب ؛ لكن العجيب أن يكون المرء هوائيا ورزينا صخبا وضجيجا، مفارغا وعفيفا معا وبالمحبة أن يكون الابن مرآة أبيه وأمه على السواء ، وإن كان أبواه هذين القبضين . وتعرض القصة هذه الصورة عرضا وافيا يضيق به طاق الثقافة ؟ فأجمعناها من ثم فيما يلي

الأولاد أكثر ما يكونون ينمون عن الأب أو الأم في المظهر أو المخبر ، في الجسد أو الروح على السواء . وهم يجمعون أحيانا بين طباع الوالدين جمعا خاصا يبعث على الدهشة . ومن هذا القبيل شاب ندعوه فردينان ؛ فتكوينه

يذكر بوالده ، وتتميز روحاهما في روحه . فيه خفة أبيه ومرحه ، وانتهازه منع الساعة التي تعرض له ، واستئثاره بالفرص دون غيره ؛ وفيه تفكير امه الهادي ، ورجاحة عقلها ، واستعدادها الطيب للتضحية في سبيل الغير . ومن ثم كان المتصلون به كثيرا ما يفسرون سلوكه بأن له نفسين متباينتين.

كان فردينان في صباه فتي محظوظا ، فوالداه موسران وكان الوالد إذا اسرف وخرج في لهوه ولباسه عن القصد ، عرفت الأم كيف تحد من إسرافه ، وترد الامر إلي نصابه ، فيكون التوازن الذي لا تدحة عنه ، والمظهر الذي لابد منه

وكان الأولاد في غضون ذلك يكبرون ويتخذون طبع من يبدو لهم في الحياة أوفر حظا وأكثر متعا . فاحتذوا من ثم مثال الأب ، وإذ ينتهون إلي هذا الرأي مبكرين ، جاوزت رغائبهم الحدود قبل الأوان ، وحملوا البيت ما لا يطيق

ويقع فردينان بحدوه شعور مضيض بأنه دون رفاقه في كثير ، فهو يكره أن يبزه منهم احد في لباس ، وهو يحب أن تكون حياته مواتية وسلوكه طليقا . وابوه المثال الذي يبدو كل يوم لناظره ، فهو يريد أن يتشبه به كى يغترف من متع الحياة على هواه ، ويفوز بتقدير الناس . وطبيعي أن يشجر بين فردينان وأمه الخلاف حول هذا الطموح ، وان يأتي فردينان الاتشاح بخليع ابيه نفاية دون الكفاية . ولم يكن فردينان يميل إلي الافتراض لأنه تعلم من أمه أن يخشاه . لكنه في الوقت الذي بلغ فيه سن التطلع ، واتجهت عاطفته إلي أوتليا الحسناء ، كانت الظروف قد فرضت على الأم ضرورة التقتير ؛ فبدلا من ان ترضي رغبات فردينان لجأت إلي عقل فردينان وقلبه الطيب ، وحبه إياها تستعينها جميعا على إقناعه فاقتنع لكنه لما يمتنع .

وكيف يوهن من علاقاته ، ويلطف من موداته ، وكل وهن أو تلطيف لا بد مسئ إلى صديق أو رفيق . وحبه للفتاة ماذا يكون مآله إذا لم يقف عليه وقته وماله ، ولم يعمل على توثيق عراه ؟ أو لم تسلم نفسها طائعة لقيوده ؟ أو لم تؤثره على من عداه

وكانت أوتليا تقيم عند عمة لها ، بعيدة عن أبويها ! وكانت في تلك المدينة بهجة المجتمع وزينته ، فلا بد أن يحرص عليها المجتمع . وافتن فردينان في توفير المتع لها ، فكان المجتمع أكثر استمتاعا منها بها . وندع للقارئ أن يتصور مبلغ ألم فردينان وهو يري امه تدعوه إلي واجبات أخري غير هذه ، وتأبي أن تأخذ بيدة وتعينه على أمره ، وهو إنما يلمس فيه احترام الناس وإيمانهم بسخائه ويسره

وكانت ارتياءات بعينها لا تزايل مخيلته إلا متثاقلة فبانت الآن أثقل وطأة عليه ، وأكثر ملازمة له . وكانت أفكار بعينها لا تمضه إلا لحظات ، فأضحت اليوم ترهقه ، كما أمست مشاعر بعينها تنوخ على صدره ، مريرة لا تطاق .

ولا يقوي ملاحظة الناس كالتضييق عليهم ، فالنساء ارجح من ثم عقلا من الرجال ، والمرؤوس لا يلتفت إلي احد التقائه إلي امره وناهية

لذا كان فردينان يرهف أذنيه كلما سمع أن أباه خسر في لعب أو كسب ، فإذا أفرط في نفقة قسا حكمه عليه . كان يقول : ما بال ابويه لا يحرمان نفسيهما شيئا ويحرمان أطفالهما إياه وقد جاءتهما الصدفة وحدها بما يملكان ؟ وهل لو كان جده على قيد الحياة اكان يمنعه ويعطى أباه ، أم كان يختصه في وصيته بما يضمن له الهناء ؟ فالصدقة وحدها تحرمه اليوم ما كان خليقا أن يكون نصيبة

بهذه السفسطة عن الملك والحق كان فردينان يزجي ساعات سخطه ؛ فإذا ازمه مطلب ، او عز عليه لهو او رفقة ، تساءل إلي أي حد ينبغي له ان يطيع قانونا أو عرفا لا يقره ، وإلى أي مدي يجوز له أن يحيد عنه ؟ ! وقد كان يبلغ من انقباض نفسه في تأملاته هذه أن يتضاءل شعوره بإحترام أمه لأنها لم تفرج كربه ، ويتضاعف مقته لأبيه لأنه يقف في طريقة

ووجد فردينان أن أباه ليس عديم التدبير فحسب ، بل سيئ السلوك كذلك : فهو يغترف من صندوقه أحيانا دون أن يثبت ما يأخذ ، ثم يعود في اليوم التالي فيرفع عقيرته بأن حساب الصندوق مغلوط ، مضطرب ، لا يستقيم .

وإذ فردينان في هذه النفسية إذا يحادث غريب يقع له فيتيح لسخطه فرصة مغوية ، ويدفعه إلي إتيان شئ لم يكن ليحس له في نفسه إلا دافعا مبهما ضعيفا

حدث أن وكل إليه أبوه فحص أوراق في صندوق ثقيل وتنسيقها ؛ فحمل الصندوق إلي مكتب أبيه ، فاختل توازنه بين يديه ، فصدم غطاء المكتب صدمة انفتح لها . وكان من عادة أبيه ان يحفظ نقوده فيه لفافات ، صفت فيها اقراص النضار بعضها فوق بعض بمختلف انواعه والوانه . فرأي فردينان رأي العين ما كان يحيل بصره إليه من بعيد

ولا يبلغه . فامتدت يده من دون تفكير أو تدبر إلي قرطاس من تلك القراطيس التي تمتد إليها يد ابيه في موضع بعينه ، في اللحظة الهوجاء ، فلا يثبت مما يأخذ شيئا .

وأغلق فردينان الغطاء ثم عاد يجرب صدم الجانب الذي صدم أول مرة، فانطلق غطاء المكتب من جديد من فرضته ، فبات فردينان بهذا وكان مفتاح المكتب في يده .

وذهب فردينان يرتشف من مباذله رشفات مترعة . ورصد نفسه لخدمة فاتنته وانقلب كل حار فيه عنفا بل وحشية ، ولم يكن مع هذا يؤذي أحدا ، لكنه لم يحسن فيه إلي احد .

والفرصة التي تخلق النزوة  كالشرارة التي تلهب " البندقية" المحشوة . وكل نزوة ترضيها على حساب الضمير تستهلك الجسد ، فنحن في أجسادنا وحوش ، ونحن لا نقوي علي ستر ما افتضح . وفردينان كلما ناقض طبعه ازداد اصطناعه للمعاذير ، ولاح في سلوكه اكثر تهورا ، وأطلق يدا، وأوثق بناحية بعينها صلة بل تقيدا

وكانت اوتليا تشتهي الحلى فأرضي رغباتها من دون ان تعلم هي مصدر هذا الإرضاء ، وكان لها عم ثري سرعان ما اتجهت شبهتها إليه ، فظنته صاحب الفضل . وكلما أراد فردينان أن تتلقي أوتليا من عمها المزعوم هدية عمد إلي مكتب أبيه فاغترف من قبضه . حتى إذا عظمت الهدايا وساورت اوتليا الشكوك ، اعترف لها فردينان بأنه مهديها وأنه يهديها من جيب أبيه .

واشمأزت أوتليا من صنيع فردينان ، وأصرت على رد هداياه . فقال لها إنه ليبرحن به الالم إن فعلت ، واكد لها أنه من دونها لن يعيش ، وانها نفسه التي بين جنبيه فتأثرت له ، وكانت تحبه ، فوكدت حبها بالعناق والتقبيل وسافرت أوتليا إلي والدتها فأحس فردينان بالوحشة وعزف عن غشيان المجالس التي كانت تغشاها لأنها باتت من دونها عديمة البهجة ؛ وقلت نفقاته ، فخف تردده على مكتب أبيه واعتداد يده إلي قراطيسه . ولأح كأنما يتغلب

فيه عامل الخير ، فجعل يفكر فيما صنع فأدهشه صنيعه ، وعجب لسفسطته عن الحق والملك وكيف سولت له نفسه ما لا يجوز . ووضح له شيئا فشيئا ان الآمانة والإيمان موضع التقدير في الرجل ، وان الخير يستحي ان يعبث بالقوانين ولا يستحي الشرير . لكنه ظل يلجأ عند الحاجة القصوي إلي قطر أبيه يأخذ منه كرها ، فيخيل له في كل مرة أن فيه شيئا يحبذه من شعره ويمسك بخناقه .

وتجلت له فريفته ، وتبلورت عزيمته ، فقرر أن يكف يده وان يعلم اباه بخلل القفل . فحمل الصندوق بأوراقه المرتبة يريد أن يعرضها على أبيه في مكتبته واصطنع الاضطراب في ثقل الحمل فاصطدم بالمكتب فإذا بغطائه ينطلق كعادته

وعجب أبوه أن يكون الغطاء بهذه الطواعية ، فأكب كلاهما عليه بفحصه ، فوجدا خطاطيفه قد بليت مع الزمن وتراخت أربطته . فأصلح القفل ، ولم يعد يغوي فردينان ملهي يجد نفقته في هذا الحرز الحريز .

وفكر فردينان وعاود التفكير ، ورأي أن خير ما يفعل هو ان يرد ما اخذ . وراح يتوخي القصد في نفقاته فاستطاع أن يدخر من مخصصاته . وكان ما ادخر قليلا ، لكنه بات مع حسن السلوك شيئا كثيرا . وفرق بين اخر  ريال  تقترضه وأول ريال تقضية مما أدخرت ، وإنه لفرق عظيم

وكان لأبيه مصنع بعيد فاعتزم أن يؤسس متجرا على مقربة منه لتصريف منتجاته ، وعهد إلي فردينان في درس مشروعه ليكل إليه آخر الأمر إدارته ، وليجني هو الثمرة التي يجنيها الغير من شجرته . وزوده أبوه بمبلغ من المال لسفره وإقامته فتوخى فردينان القصد في نفقته ؛ وحسب فردينان وعاود الحساب فوجد انه خليق بأن يدخر ثلث مخصصاته  إن هو ضيق على نفسه وحد من طلباته . وأمل ان تعرض الفرصة ليدفع بهذا دينه لأبيه ، فعرضت الفرصة ، والفرصة إلهة لا تكترث لخير أو شر ، فالخير والشر عندهما سيان .

ووجد فردينان المكان أصلح لعمله مما كان يتوقع . وتمني ان تدوم إقامتة فيه والا يحوله أبوه عنه . واشتهي ان تنبت فيه زوجيته ما دام طيف الحبيب لا يبرح فيه خياله . والفي الفرصة سائحة فيه لاستخدام معارفه ولتجريب مواهبه وتنفيذ قراراته . وكان ما بالمكان يلسما لجراحه ، فكيف تخطر له مبارحته ببال ، وهو إن بارحه فإلي بيت أبيه ، ووخز الضمير يلازمه من ذكري عمله فيه .

وكان في المدينة صديق لأسرته : رجل شجاع ، طيب القلب ، عليل ، تقوم على العناية به ابنة أخ ؛ راقه أن ينقذ فردينان فكرة المتجر لأنها كذلك فكرته . وتولى فردينان بإرشاده . وسره ان يلقي هذا الإرشاد صداه في نفس فردينان ، وان يستجيب فردينان لوحي أفكاره من قبل أن يعرضها عليه .

وكان هذا الصديق يعيش عيشة البساطة ، لأنه أولا

يميل إلي البساطة ولأنه ثانيا رجل مريض . ولم يكن له أولاد ، ولم يكن يؤنس وحشته أحد غير ابنة أخيه هذه التي تخدمه وتطبيه ، ومن ثم اعتزم ان يهبها ثروته . وكان يتمني لها الزوج المجد العامل ليتم على يديه ما امل تحقيقه ، " وأقعده عنه علته وظروفه

فما إن تكشف له جد فردينان حتي توسم فيه الرجل الذي ينشده ، وعظم رجاؤه لما أن لحظ فيه تفانيا في العمل وتعلقا بالمكان . ولمح لابنة أخيه بما يجول بخاطره فلم يشتم منها ممانعة . وكانت الفتاة في ميعة الصبا ، أحسن تأديبها وصح بدنها ، وصلح تكوينها ؟ عودتها العناية بعمها النشاط ، وعلمها القيام على صحته الرحمة ، فليس أكمل منها زوجة لمن ابتغى الزواج . ( لها بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية