الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 596الرجوع إلى "الرسالة"

فرقة التمثيل ومديرها الفني

Share

لم نحمل على الفرقة القومية التي كان يرأسها الأستاذ الجليل  خليل مطران بك كرهاً لها، أو تقليلاً من قدر رئيسها الفاضل،  لأنه يستوي عند الأديب الغيور على فن المسرح أن تكون الإدارة  بيد بكر أو خالد من الناس، إنما حاربناها لتصدر مديرها إلى  تحمل أعباء مسؤولية فنية أثقلت عاتقه وسهلت لذوي أغراض  خسيسة إرضاء مطامعهم وشهواتهم على حساب فن المسرح.

وأزعم أن لو استجاب الأستاذ مطران دعوات الداعين إلى إيجاد  مدير فني يقظ الذهن يدرك غرض الحكومة من إنشاء الفرقة،  ويحرص على فن المسرح تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً، لما حدث  الانقلاب الذي نتج عنه تبديل في الاسم واستبقاء للغرض والوضع فرحنا أيما فرح عند تأليف الفرقة المصرية للتمثيل، وقد  أسند مديرها الجديد إدارتها الفنية إلى الأستاذ زكي طليمات  الفنان المتخصص، واغتبطنا أيما اغتباط عندما تألفت لجنة  القراءة من رجال بعيدين البعد كله عن تزمت شيوخ لجنة القراءة  السابقة وعنعناتهم، تحدوهم غيرة على الفن وحب للأدب  لا دخل فيه ولا تصنع. ووقفنا بعيداً ننتظر قطف ثمار هذا  الانقلاب

كأني بالأستاذ زكي طليمات ساير الزمن في انقلاب أوضاعه  وماشى حكاماً استهانوا بكل شيء وأقاموا من شهواتهم قوانين  للطغيان والظلم والكسب، فجنح هو أيضاً عن دستور الفرقة  وقوانينها، وهبط إلى مستوى الفرق الأهلية التي تراعي الربح  المادي ولا تلتفت إلى الفوائد المادية المعدودة بالمليم والقرش،  فصرنا نشاهد على مسرح الأوبرا الملكية تمثيل رواية (شهرزاد)   و (سلك مقطوع)  و(يوم القيامة)  و (كلنا كده) . . .  وما شاكل هذه التلفيقات البهلوانية والتهريج الرخيص

بودي لو تسمح لي أعمالي الخاصة بالوقوف عند كل رواية

من هذه الروايات التي لا تشرف أحط الفرق الجوالة لو مثلتها  في ساحة عامة على مشهد من السوقة والدهماء، وإني لأعجب والله  كيف يباح لفرقة حكومية تعيش من أموال الدولة أن تقول عن  أبناء الأمة انهم كلهم ديوث وقواد وعكروت   (وكلنا كده) ؟!

أفهم أن يعمد مؤلف إلى إبراز أشنع الصور الأخلاقية  والاجتماعية، ويمعن في التهويل وفي تزييف هذه الصور إلى حد  يجعلها بغيضة مكروهة من كل النفوس، حتى نفوس الأشرار  والمستهزئين، أما الذي لا يمكن فهمه ولا تسوِّغه سوى عقلية  المدير الفني للفرقة الحكومية أن يقال للأمة   (كلنا كده) !

ناهيك بالانحراف عن الكلام الفصيح، والتزام اللهجة  العامية وتعابيرها النابية، والتنكيت البارد، والحركات السمجة،  والزار، وضرب الطار، وهز البطن والأرداف،   (والتشلبق  البلدي)  في رواية   (يوم القيامة) ، وقد كان ضحيتها ممثل بارع  افتديه   (بمعهد فن التمثيل)  هو الممثل المقتدر عباس فارس،  وقد اختاره زكي طليمات المدير الفني لأن يكون ذبيحة تلك  الرواية ومهرجاً فيها. . . فيا لخيبة الفن!

وهكذا فعل أيضاً، فقد سخر أحمد علام وحسين رياض لأن  يكونا مهرجين في رواية   (سلك مقطوع) ، ولم يسخرهما اعتباطاً،  بل لغرض كامن في قرارة نفسه. ولم يخترهما لرواية   (يوليوس  قيصر) ، بل تحايل بالمرض على تقديم فساكل من الممثلين  المبتدئين ليمثلوا دوريهما، فكانوا على المسرح كالغراب صوتاً  ومشية. . .

لا تخلو تصرفات المدير الفني في توزيع أدوار الرواية من  الغرض، هذا إذا لم أقل مع الممثلين إنه يتعمده تعمداً، فقد  شاهدت تمثيل رواية   (الوطن)

وقد كانت بطلة تلك الرواية ممثلة لا أعرف اسمها، ولكني  أذكر قصر قامتها، وشلل أوتار وجهها الذي لا يعبر عن شيء،  وثقل حركتها، وعجز حنجرتها عن تلوين صوتها لعلة في  مخارجه!

ألمثل هذه الممثلة الباردة يسند رواية عنيفة، متعددة  المواقف، متنوعة التلوين والانفعالات؟؟

لا ألوم تلك الممثلة المسكينة، وأعتذر إليها من وصفي موقفها  ذاك، إنما ألوم الذي أثقل كاهلها بحمل لا تطيقه طبيعتها بزعم  خاطئ وتقدير معكوس في إنه يرفعها إلى مصاف كبار الممثلات،  وإذا به يدفعها إلى الهاوية التي لا تستأهلها

لا يعني كلامي أن هذه الممثلة لا تتقن فن التمثيل، فقد تصلح  ولا ريب لأدوار أخرى، إنما أعني أن المدير الفني أساء الاختيار  كعادته في التحكم بالممثلين والتسيطر على الممثلات

بودي لو أقف طويلاً حيال كل رواية أخرجها الأستاذ  طليمات لأقارنها بروايات أخرجها الأستاذ فتوح نشاطي، وبذلك  يتبين له البون الشاسع والفرق الظاهر بين المجتهد الدؤوب، وبين  القاعد المتقاعس

وسأفعل ذلك إذا توفر لي الوقت، وسأتكلم عن المواقف  الفنية وعن فعال العنصر النسائي في الفرقة، وسأخصص درساً  لروايتي   (قطر الندى)  و(شارع البهلوان)

والآن أسأل: ماذا أفاد الأستاذ زكي طليمات الفرقة المصرية  للتمثيل، وبماذا أساء إليها بكونه مديرها الفني؟ لقد أفاد الفن كثيراً، وسأذكر هذه الفوائد بالتفصيل في  الحين المناسب، ولكن هذه الفوائد على كثرتها أقل كثيراً  من إساءاته، ولا أحصى منها إلا ما يأتي:

١ -  أساء إلى الحكومة في تعطيله قانون الفرقة بإدخاله  اللهجة العامية وجعلها تطغى على اللغة الفصحى

٢ -  أساء إلى الحكومة في إنفاق خمسة عشر ألفا من  الجنيهات من أموال الدولة على  (تكية)  ممثلين نفعوا ذواتهم  ولم يحسنوا إلى الأمة، وكان في وسعهم نفعها لو توفر لهم مدير  فني يعمل للفن بدافع من الغيرة على الفن والاعتزاز بأمته

٣ -  أساء إلى الحكومة التي وكلت شؤون التمثيل إلى  جماعة توهمت فيهم المقدرة دون أن تقيم رقباء عليهم، فجعلوا  الفرقة مطية للأهواء والشهوات

٤ -  أساء إلى النهضة الأدبية وإلى سمعة مصر في البلاد العربية ٥ -  أساء إلى نفسه وقد عرضها للوقوف أمام لجنة التحقيق  - على حد ما ذكرت الصحف - عما نسب إليه من أمور  لا شأن لي بذكرها وأنه لمن المدهش حقاً أن تقف لجنة القراءة - وأعضاؤها  من ذكرت - هذا الموقف الهين اللين من مدير الفرقة  الفني، وهي تعلم أن مآلها مرتبط بسقطاته الفنية وغير الفنية،  وقد يزول العجب متى أمطنا اللثام عن بعض أسباب ذلك الموقف  وموعدنا قريب

اشترك في نشرتنا البريدية