الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 41 الرجوع إلى "الثقافة"

فرويد، ١٨٥٦-١٩٣٩

Share

انتقل إلي الدار الآخرة في مساء السبت ٢٣ سبتمبر سنة ١٩٣٩ عالم كبير من علماء النفس وهو الأستاذ سيجموند فرويد، بعد أن عاش

ثلاثا وثمانين سنة، قضى فوق الخمسين منها في البحوث الطبية والنفسية، وكشف في خلالها الكثير من مجاهل النفس، ووضح للناس إسرارا طالما اغلقت عليهم عما يسمي باللاشعور، أو بالعقل الباطن. ولهذا يعده بعض المؤرخين النفسانيين أكبر مكتشف في ميدان علم النفس، فالذين سبقوه عكفوا على دراسة العقل الواعي أو الشعور. واستقصاء ما يسهل ملاحظته من تذكر وتفكير، وتخيل وتصور، وتردد وتصميم، وتلذذ وتألم، وانشراح وانقباض، وغير ذلك. وهذه أمور يسهل ملاحظتها مباشرة. أما فرويد فكان أول من اتجه ذهنه إلي البحث في منطقة من مناطق العقل، لا يمكن ملاحظتها بالطرق المباشرة المألوفة. وموضوع العقل الباطن كغيره من الموضوعات العلمية ظهر عرضا، وبطريقة مفككة في كتابات العلماء الذين سبقوا فرويد، أمثال هارتمان Hartmann وليبنتز Leibnitx وشوبنهاور Sahopenhauer وغيرهم. ولكن ما ذكره هؤلاء كان تافها لا قيمة له، حتى إن العلماء ليعتبرون ان كشف العقل الباطن وما يحيط

به من موضوعات إنما هو نتيجة مجهود رجل واحد، هو سيجموند فرويد

ولد فرويد في بلدة فريبرج Freiberg من أعمال مورافيا تشيكسلوفا كيا في مايو سنة ١٨٥٦، ثم انتقل والداه إلي فينا وهو في سن الرابعة، وهناك تلقي علومه، وقد قابلته صعاب كثيرة في حياته التعليمية؛ منها صعوبات الفقر وصعوبات الاحتقار لأنه يهودي. وأخيرا ألقي به حظه في معمل الفسيولوجيا بالجامعة، وهناك وجد معاملة طيبة، وظهر نبوغه في هذا العلم، وشغف بدراسة الجموع العصبي، حتى إنه أهمل بعض الشئ بقية دراساته الطبية؛ ووكلت إليه إذ ذاك بعض المشاكل العلمية فوفاها بحثا. وبعد أن انتهي من دراساته الطبية زاول مهنة الطب، ثم حصل علي امتياز مالي ساعده في السفر إلي فرنسا للتخصص في الأمراض العصبية وكانت وجهة نظره - كما يقول باعترافه - مادية محضة لا تتعدى توقع الكسب الوفير، وهناك درس على الدكتور شاركو Charcot استاذ الأمراض العصبية بجامعة باريس، واتصل به اتصالا عميقا، واستخدمه شاركو في ترجمة مؤلفاته إلي اللغة الألمانية

عاد من فرنسا بعد انتهاء، دراساته إلي مزاولة مهنة الطب فى فينا، واتصل فيها بصديق قديم اسمه الدكتور جوزيف برويار Breuer وكانا يشتركان معا في مناقشة الحالات التي ترد عليهما من حالات الأمراض العصبية، ويصح أن تذكر هنا أولى الحالات التي وجهت فرويد إلي البحث بإيمان ثابت فيما يسعي بالعقل الباطن أو اللاشعور.

كان فرويد وزميله برويار يعالجان فتاة ذكية متعلمة مصابة بمرض الهستيريا، ومما كان لديها من اعراض شلل في بعض اطراف الجسم، وفقد احساس في النصف الايمن من جسمها؛ وأصيبت كذلك بنوع غريب من الخوف من الماء وصل بها إلى عدم المقدرة على الشرب. وفي يوم من الأيام ارادت اداء الصلاة، وكانت في حالة رعب شديد، فلم تتذكر إلا قطعة كانت حفظتها بالإنجليزية. ومنذ ذلك الوقت نسيت لغتها الأصلية، وهي اللغة الألمانية، ولم تتكلم سوى الانجليزية

وبطبيعة الحال قام الطبيب بفحصها فحصا دقيقا، ليتأكد مما إذا كان بها أي إصابة جثمانية، كمرض في مركز من مراكز المجموع العصبى أو غير ذلك. ووصل الطبيب إلي أنها سليمة من هذه الناحية، فعمد إلي طرق أخري، كالمحادثة واستعمال الإيحاء تحت تأثير التنويم المغناطيسى. وفي يوم من الأيام، بينما هي في حالة نوم مغناطيسي، تجيب علي أسئلة الطبيب، إذا هي تتذكر أنها كانت ذات مرة تعبة منهكة تشعر بعطش شديد، بعد تمريضها لوالدها الذي كان مريضا مرضا خطيرا؛ وكانت جالسة في حديقة المنزل، فأعطتها مربيتها كوب ماء لتشربه فأصاب البنت جزع وتقزز شديد، لأنه سبق لها أن رأت كلبا يلعق من هذا الكوب. ولكن الذي قدم إليها الكوب هي مربيتها الانجليزية، وكانت تخافها وتكرهها في قرارة نفسها، ولكنها لا تجرؤ على مخالفة أمرها، فشربت الماء متأففة متألمة، وضغطت على شعور التقزز. ثم نسيت الحادثة نسيانا تاما. ولكن بعد ذلك، ورغم نسيانها للحادث الأصلي، ظلت تتقزز من رؤية الماء ولا تقوي علي ازدراده. وبعد أن ذكرت كل هذا وهي في حالة التنويم المغناطيسي طلبت كوب ماء وشربت منه بشره شديد، واستيقظت وهي في هذه الحالة، وتمكنت منذ ذلك الوقت من التمتع بشرب الماء، ومن التكلم بلغتها الأصلية، وهي الألمانية. وللحالة ظروف وملابسات

وأعراض عدة، نكتفي بما ذكرناه منها.

النتيجة الهامة التي نصل إليها هنا، والتي يرجع الفضل في الكشف عنها إلى فرويد، هي أن سبب المرض ليس سببا جثمانيا، وإنما هو سبب نفسي، وأن العوامل النفسية الفعالة في هذه الحالة لم تكن شعورية، وإنما كانت لاشعورية وان اساس العلاج كان سحب هذه العوامل اللاشعورية وإبرازها في الشعور وإدماجها فيه.

ولكن فرويد أدرك أن استعمال التنويم المغناطيسي تعترضه بعض صعوبات، وذلك لأن بعض المرضى لا يمكن تنويمهم، ولأن بعض الأطباء لا يسهل عليهم القيام بعملية التنويم، وظل حائرا يفكر في طريقة اخري. ويوما ما طلب فرويد من أحد مرضاه ان يحاول وهو في حالة اليقظة أن يتذكر كل ما قاله وهو في حالة التنويم المغناطيسي فتذكر المريض كل ما قاله وكل ما قيل له. وكان هذا كشفا عظيما في نظر فرويد، إذ انه ادرك ان ما يمكن سبر غوره بالتنويم يمكن كشفه بالمحادثة العادية من غير تنويم. وبهذا وصل فرويد إلي ما يسمي بطريقة التحليل النفسي Psycho-analysis وتتلخص الطريقة في ان يوضع المريض في حالة تراخ وان يترك هو أفكاره تنساب الواحدة بعد الآخرى، ولا يتقيد في ذلك بأي قيد من قيود المنطق أو التقاليد أو الأدب أو غيره، وإنما يتحدث عما يرد في ذهنه بدون قيد أو شرط. وفي الواقع ليس من السهل أن يتحدث المرء عن كل ما يجول بخاطره على هذه الصورة.

ولعل احسن طريقة تقرب بها طريقة التحليل النفساني إلى ذهن القارئ، هي ان يلاحظ نفسه مرة وهو مستغرق في بعض أحلام اليقظة، ويتصور أنه يتحدث عن كل ما يمر بذهنه. ويختلف التحليل النفساني عما يحدث في أحلام اليقظة بأن الحديث في حالة التحليل يدور حول المرض، ويوجهة الطبيب بلطف ولباقة إلي ماضي المريض للوصول إلي موقف، أو إلي عدة مواقف، أو إلي علاقة معينة يمكن نسبة المرض إليها، وهذا الموقف او هذه

العلاقة تكون فى الأحوال العادية منسية نسيانا تاما

ولكن كيف تتم عملية النسيان، أو عملية الانفصال من الشعور، أو كما يسميها علماء التحليل النفساني عملية الكبت Repression

إذا رجعنا إلى الحالة التي ذكرناها نجد أن التقزز ارتبط في ذهن الفتاة بكوب الماء. ثم إن المربية هي التي قدمت الماء إليها، والفتاة بين أمرين: فهي إما أن تقبل الكوب منها متأثرة بدافع الطاعة أو التأدب أو الخوف، أو ترفضه مجيبة بذلك نداء طبيعيا، وهو رفض ما تتقزز منه نفسها، وهنا حدث في نفس الفتاة صراع مؤلم عنيف بين أمرين، كلاهما يشق عليها التغلب عليه، فأحدهما الطاعة وقبول الماء الذي تعاقه نفسها، والأخر رفض الماء والظهور بمظهر عدم التأدب والعصيان. وانتهت المعركة النفسية بقبول الماء وشربه، وكبت الفتاة رغبتها الطبيعية في رفض ما يجزع منه نفسها، وانتهاء الحركة النفسية في هذه الحالة لم يكن إلا انتهاء مؤقتا. فالتقزز الطبيعي مما تعافه النفس لم يمت، وإنما انحدر إلي اللاشعور وظل هناك قويا فعالا، وظهرت فاعليته في أن أصيبت البنت بمرض عصبي من أعراضه عدم المقدرة علي شرب الماء.

وكل أمر مكبوت مصطبغ بصبغة انفعالية مؤلمة، يسمية علماء التحليل النفساني " عقدة " Complex. والعلاج علي طريقة التحليل النفساني يتلخص في حل العقدة وإبرازها للشعور وإدماجها فيه. ولا يقتصر فضل فرويد على بيان العقد واهميتها ونشاطها، وإنما يتعداها إلي توضيح ان الصراع والكبت يتمان في غالب الاحيان بطريقة لاشعورية.

والأفكار التي يبعدها الإنسان عن مجال شعوره هي في العادة الافكار المؤلمة، فإذا احصي الإنسان مواعيده التي لا يحافظ عليها وحلل ظروفها لابد يجد عنصرا مؤلما فيها، فالإنسان ينسي مواعيده مثلا مع دائنيه، ولكنه لا ينساها مع مدينيه.

ويصح أن نلقي الآن نظرة عامة على اللاشعور لنعرف ان كان يحتوي على أمور أخرى غير تلك الافكار المكبوته  لأنها مؤلمة. وهذا يضطرنا إلي الاعتراف ببعض الدفعات الفطرية الموجودة فينا والتي نشترك فيها مع الحيوان. فكل إنسان عنده نزوع لإشباع الغريزة الجنسية ونزوع للمقاتلة ونزوع للهرب وغير ذلك وهذه النزعات تتعارض في صورها الفطرية مع نظام الحياة وتقاليدها وأدابها ومثلها العليا. ومع ذلك فإنها تستثار فينا يوميا نتيجة لاحتكاكنا بغيرنا من الناس. إذا لا بد من تهذيب هذه النزعات الفطرية وتوجيهها بحيث لا تصطدم مع نظم المجتمع. والتهذيب والتوجيه يحتاجان إلي وقت وجهد وصبر وذكاء، فإذا لم ينجح التهذيب والتوجيه، فهناك الضغط والكبت، وطريقهما قصير سريع، إلا أن نتائجهما خطيرة.

فاللاشعور إذا يحتوي على الذكريات المؤلة وعلي النزعات التي لا تنسجم مع تقاليد الحياة وادابها المعترف بها. فكان تحليل اللاشعور إلي عناصره الأولية ينتهي بنا إلي الغرائز أو النزعات الفطرية.

وقد أثبت فرويد أن هذه الغرائز يكبت أغلبها في السنوات الأولى نتيجة علاقة الطفل بوالديه، وبين كذلك أن هذه النزعات يحدد أسلوب السلوك عندنا، وهذا الأسلوب أو ما نسميه عادة خلق الفرد وشخصيته تتحدد أسسه في نظر فرويد قبل سن الخامسة.

إلي هنا اثبتنا من آراء فرويد ما قبله العلماء، وبقي من آرائه شطر آخر ما زال موضع البحث والمناقشة. فهو يري أن الدافع الأساسي للسلوك هو الغريزة الجنسية. ويري أن كل سلوك مصحوبا بلذة إنما تمت لهذه الغريزة الجنسية بصلة، ويري أن مظاهر الغريزة واضحة منذ الولادة، فتلذذ الطفل بمص أصابعه أو غيرها وتلذذه الطبيعي بالتبول والتبرز وغير ذلك، هو في نظر فرويد تلذذ جنسي. ولا يتسع المقام للاطالة في هذا، إلا ان جمهرة علماء

النفس لا يوافقون فرويد على هذا، ويرون أن المص والتبول والتبرز وما شابه لها كلها قيمة بيولوجية هامة في حياة الطفل، فلابد ان تكون مصحوبة بلذة حتى تتم على أكمل وجه ممكن. ونظرا لشدة تحمس فرويد في إثبات أن الغريزة الجنسية هي أساس كل سلوك الانسان انفصل عنه كثيرون من اتباعه الذين تحمسوا أول الأمر لآرائه أمثال إدلر Adler وينج Jung.

وقد وضع فرويد بعض الفروض ليفسر بها الظواهر العقلية، ومن اهم هذه الفروض ان شخصية الفرد مكونة من ثلاثة أقسام وهي:

(١) النفس الشعورية أو الذات Ego وهذه تمثل الشخص الذي نراه أمامنا والذي يفكر ويدرك ويتأمل، ويحب كذا ويكره كذا، ويحترم التقاليد والاداب وغير ذلك.

(٢) اللاشعور Id وهذه تمثل النزعات والرغبات الفطرية المكبوتة.

(٣) النفس العليا Super Ego بعضه شعوري واغلبه لاشعوري، وهو يمثل النفس كما يجب ان تكون وهو يقوم بتوبيخ المرء إذا أخطأ إلي غير ذلك.

وفي مناسبة اخري يشبه فرويد النفس بحجرتين بينهما ممر، وإحدي الحجرتين تمثل العقل الواعي، وأما الحجرة الأخرى فهي حجرة مظلمة مملوءة بشتي الأفكار والنزعات. ولكن ما في هذه الحجرة الأخيرة دائم الحركة نزاع إلي الظهور، والذي يمنعه من الظهور هو وجود حارس أو رقيب في الممر الواقع بين الحجرتين. ولكن هذه النزعات تغزو العقل الواعي في حالة غفلة الرقيب أو إذا تمكنت من مخادعته. ولهذا تظهر هذه الرغبات في الأحلام متخفية، كما انها تظهر في اليقظة إذا امكن تبريرها، فكثير من الناس يسرق أو يكذب مثلا إذا انتحل لنفسه العذر الكافي لذلك.

هذه هي أهم الآراء والاتجاهات التي أوجدها فرويد، والتي كشف بها كما قلنا منطقة عظيمة هامة من مناطق العقل. والعلماء ولو انهم لا يوافقونه على كل ما وصل إليه،

إلا أنهم قاموا بسبب ما نشر من ارائه ونظرياته باحثين منقبين، مما ضاعف منتجات علم النفس في القرن الحالى. وقيمة فرويد الحقيقية هي في تغيير نظرة العالم إلي حالات الاضطراب النفسي، وفي إيجاد علاج ناجح لأغلب هذه الحالات التي استعصي علاجها قبل ظهوره.

عاش فرويد إلي أن رأي طريقة التحليل النفساني تنتشر في العالم اجمع، وإلي ان رأي مئات المقالات والكتب تنشر حول الموضوع الذي كشفه للعالم

وقد نشر هو بنفسه من الكتب والمقالات ما يقرب من المائتين والخمسين، واستمر في إنتاجه إلي آخر لحظة من حياته. هذا رغم المرض القاسي الذي لازمه في الست عشرة سنة الأخيرة من حياته.

وفي أوائل هذا العام صادرت الحكومة الالمانية كل مؤلفاته وكل ما يملك وأرغمته على ترك النمسا، إلا انه صمم على البقاء في بلدته، ولم ينزل عن رايه هذا إلا لأن الدكتور أرنست جونس زعيم التحليل النفساني في انجلترا استقل طائرة إلي فينا ودعاه لتركها إلي انجلترا.

وهناك وهو في انجلترا طريدا مشردا بدأ يفكر في مشكلة كراهية العالم لليهود، وحاول ان يفسر هذه الظاهرة على أساس نظرياته. ونشر عن ذلك كتابا اسمه " موسي والوحدة الإلهية " وقد ظهر قبل وفاته بأربعة أشهر.

اشترك في نشرتنا البريدية