الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الثقافة"

فريد، قصة : بقلم الكاتب اليوغسلافى فلادمير تريزجيك

Share

ولد فلادمير تريزجيك عام ١٨٧٠ في ثوبوسكو من اعمال كرواتيا وأتم فيها دراسته الابتدائية والثانوية والعالية ، ثم قصد فيتا للتخصص . ساح كثيرا في أنحاء أوربا ، وفي عام ١٨٩٥ أسند إليه منصب حكومي في يوسليا ، ومن ثم انتقل إلى منصب آخر في كرواتيا عام ١٩٠٧ ، وأصبح بعد عامين مديرا للمسرح الأهلي الكرواتي في زغرب . وقد وضع عددا من القصص المبتكرة ، كما انه ترجم آثارا أدبية لمشاهير الكتاب الفرنسيين أمثال ألفونس دودبه وإميل زولا وبول بورجيه . والقصة التالية تعد من أجود قصصه :

ألا تستطيع أن تتصور بحرا هائلا من صخور ؟ حينما تتوجه ببصرك لا تجد ولا تري غير الصخور ؟ الصخور البيضاء والصخور الرمادية الجرداء التي تطاول السماء بارتفاعها . وأعلاها تلك التى تكاد تلامس القبة الزرقاء ، وهي التي تسمى بقمة ) فيلبش ( حيث تمتد تحتها بحيرة يكثر فيها الرمل والطين ، ولا تجد لطولها من نهاية . هذه البحيرة هي بحيرة ) بلاتو ( .

في وسط هذا المنظر تعرفت على فريد بك ، وهو واقف خلف صخرة متربصا يرقب سقوط البط البري صريعا علي الصخور . سمعت عدة طلقات من بندقيته وانا على بعد مائتي خطوة منه ، وعندما هبط الظلام ابصرته على ضوء قمر وليد وكأنه عملاق هائل يحمل علي كتفه مدفعا ضخما .

وقد كانت بندقيته في الحقيقة أطول من متر ، كما أن فوهتها كانت أغلظ من ذراع طفل ، فابتسمت لنفسي أنا الذي أملك بندقية خفيفة من بندقيات لانكستر ذوات الفوهتين . وعندما رأيت ) فريدا ( يحمل جعبة مليئة بالبط البري رفعت له قبعتي فأصبحنا صديقين حميمين ؛ ذلك لأنه من الميسور جدا ان تتعرف على الآخرين وتتصادق معهم بأسرع ما يمكن في مجال الاصطياد وأماكن القنص

والسبب يعود إلي ان القلب يكون إذ ذاك مغمورا بالعواطف الطافحة ، تلك التي تكون مستعدة لتقبل كل جديد . وهذا هو السر في القول بأن الصيد رياضة لا تصلح للأوانس اللائي يحرصن على عفافهن

كان الوقت خريفا وصرنا نلتقي تقريبا كل يوم حول بحيرة بلانو ، ولا نكاد ننقطع عن رؤية بعضنا إلا لماماً ، في ذلك الخريف الذي كانت فيه بلاد الهرتزبك ويوسنيا قد تنكبت السلاح وأخذت تعد العدة لإرسال الوجبة الأولى من المقاتلين

- " إنك لبطل " قال فريد ذلك وأضاف : " لأنك تجسر علي أن تجول هنا وحدك "

فضحكت بصوت عال وقلت :

- أهو من البطولة في شئ أن لا يكترث المرء لحياته ؟ ماذا يهمني إذا كنت اليوم في الأحياء وغدا في عالم آخر ؟ فأجاب فريد : " حسنا " ولكني رأيت في عينيه ما جعلني أوقن بأنه لا يؤمن بما يقول ، وإنما يتكلم بدافع الحصافة والكياسة

أخذ الضباط وأصدقاء ، فريد يستغربون صداقتنا ، ذلك لأن فريدا لم يعتد أن يوقر أو يبجل احدا ، لأنه من الهرتزيك المتكبرين الذين اعتادوا الحرية التقليدية ونظام الطبقات الأريستوقراطي

وأخيرا أقعدتني واجباتي الكثيرة عن لقاء فريد بك لبضعة أيام ، وفي أثناء هذه الفترة قتل الثوار ضابطا وأربعة من جنودنا في المنطقة التي كنا نعيش فيها ، فأرسلت حامية ) موستار ( برمتها لتبحث عن القاتلين .

وفي ظهيرة يوم حار من أيام  اكتوبر ، تلك التي تشبه يوما قائظا من ايام بوليه ، جئت مع رجالي إلي قرية صغيرة بالقرب من ) بلاغاج ( .

وعندما اقتربت من أول منزل لاحظت عددا كبيرا

من الجند يقارب كتيبة كاملة ، ولما لمحني الكولونيل صاح بسرور :

- لقد ظفرنا بأحدهم . فسررت جدا لذلك ونسيت كل أتعاب النهار .

- هنا سوف ننتقم لرفاقنا .

- هنا هو . الآن سيرمي بالرصاص ويردي قتيلا اضاف ذلك الكولونيل وقد كان من اصدقائنا البولنديين الممتلئي الأجسام ذوي الوجوه الدموية الحمراء .

ونظرت إلي حيث أشار فرأيت فريد بك رافعا بصره إلي السماء .

فصرخت دون إرادة : اممكن هذا ؟ وهل لديكم براهين ؟

فابتسم الكولونيل وقال مشيرا : هناك تجد البراهين ، فرأيت رجلين جالسين على صخرة وقد خفضا رأسيهما ، واخذا يجيلان بصريهما هنا وهناك في دوائر وهمية ، وعرفت انهما اثنان من مستأجري اراضي فريد بك ، جاآ بالجند إلي قرية الأخير واخبراهم بأنهما شاهداه بأعينهما بصوب بندقيته إلي أحد الضباط من خلف صخرة فيرديه قتيلا .

كنت منفعلا ذاهلا ، فلقد كان معروفا لدي العداوة القديمة المتأصلة منذ اجيال بين المستأجرين وأصحاب الأراضي ، ولذلك فقد شككت في مدعيات هذين الشاهدين ، وبدأت اطرح عليهما الاسئلة آملا ان اجد ما يدل على ان الضباط قد أساءوا فهم ماسمعوه منهما ؛ غير انهما كررا نفس القصة بدون تغيير ، وقبل ان ينجزا القصة تماما سمعت صوتا ورائي يزمجر قائلا : " إنكما تكذبان ؟ " ولما التفت كان فريد بك لا يزال حيث كان بقامته المستقيمة وعينيه الشاخصتين إلي السماء ويديه المكبلتين .

فضحك منه الشاهدان لأنهما كانا قد أخذا الجائزة مقدما .

فتقدمت من فريد بك وقلت له : لماذا لا تدافع عن نفسك أيها الرجل ؟ فأجاب دون أن ينظر إلي :

- لأنهم لا يسألونني ، وإنما يستمعون إلي هذين الوغدين . .

وبدا لي وهو متكىء على الجدار بقامته المنتصبة الطويلة هادئا كبطل من الأبطال أو شهيد من الشهداء ، فشعرت بقشعريرة تسري في قلبي والتفت ثانية إلي الكولونيل الذي أمر في هذه الأثناء بانتخاب عدد من الجند ليقوموا بإطلاق النار على فريد بك بغية إعدامه .

- في أي يوم وفي أي وقت قتل الضابط رانجيج ؟

- يوم أول أمس ، أي الأربعاء ، قبيل الظلام .

- لقد كان فريد بك يوم أول أمس يصطاد معي من الظهر حتي الليل حول بحيرة بلاتو .

- ماذا ؟ هل هذا ممكن ؟ . صرخ الكولونيل وهو بادي الفشل :

- إن كلمة ضابطي مع ذلك هي ضمان كاف . - وهذان الشاهدان ؟

- إنها كلبان كاذبان .

- اذهبوا بهما إلي المشنقة حللت وثاق فريد بك ، وكان جسمه يرتعش كورقة في مهب ريح ، وقد انعقد لسانه فلا يستطيع الكلام .

ولكننا عندما خلونا ببعضنا ، وأخذنا في تناول القهوة بعد قليل ، سمعت فريد بك يقول :

- سيدي ، أخي ، إنني مستعد لأن أهبك كل ما ترغب وتريد .

ومنذ ذلك اليوم اصبحنا صديقين حميمين جدا . لقد كان فريد محبوبا عندي منذ اللحظة الأولى التي رأيته فيها ، ولكني الآن اصبحت غير قادر على الهرب من صورة هذا الإنسان الذي هو مثال للبطولة ، نعم من هذا الروح البسيط ، وفي نفس الوقت الشيخ الأريستوقراطي ، فسألت نفسي :

- أليس هناك علي شواطئ نهر نيريتفا من آثار رومانية اخري سوي القناطر الحجرية ؟ بلى .. هذا الروح المتحلى بالبطولة والكرم

ما أكثر ما كان فريد يخدمني ويعنى بى , فهو لم يسمح لى بعد الآن أن أحمل ما اصطاد ولا أن أمسك البندقية . فقد كان يصدع لكل أموري بنفسه ) وعندما زرت بيته ذات مرة كان عاجزا عن إيجاد محل هو من الراحة والارتفاع بدرجة كافية ، فقد أخرج كل ما كان يملك من فرش ووسائد ليضعها تحتى ,وأخذ يصب لي القهوة والليمونادة ويقدم لي السيجارة اثر السيجارة ، ولم يكن امامي الآن بطلا عظيما بل طفلا صغيرا ، ومحبا صادقا رقيق القلب .

وسمعته يتحسر ويقول : " ليتني استطيع أن أرضيك . .  آه لو أعلم ما هو أحب الأشياء وأفضلها إلي نفسك "

فغرض لي خاطر جنوني ومؤذ ، إذ لاحظت وهو يتناول القهوة من يد خلف الباب شيئا بان لي كحلم , وشعرت كأننى صعقت عندما لمحت عينين واسعتين ساحرتين ، وفي لحظة تبلورت في خاطري فكرة فقلت :

- هنا ؟ فريد ، إنني أطلب شيئاً

الآن يا أخي ، ليكن ما يكون فستناله !

ترددت لحظة وأحسست بالخجل ، ولكن عاطفة المخاطرة كانت أقوي من أي عاطفة سواها فقلت : أري أنه ليس من الصحيح أن تتحجب زوجتك عني حين تعلم بأننى أخوك ، أريد أن أراها ولو لمرة .

كان فريد يصب لي القهوة من إبريق ، فما إن سمع كلامي هذا حتى جمد في مكانه ونظر في عيني بجد وبرود ، وسأل بصوت رخيم غير معتاد : - أحقا ترغب في هذا ؟ فأجبت بشكل فضولي ؛ نعم . إنني أرغب .

فصمت رافعا يده إلي جبينه ، ودفع طربوشه إلي الوراء حتي لامس عنقه ، ومسح وجهه ورأسه بيده ، ومن ثم انحني محدقا في أرض الغرفة ثم ادار وجهه بغتة ، غير أنني قفزت لأنظره فرأيت دمعتين كبيرتين مسحهما على عجل .

رأيت في هاتين الدمعتين الكبيرتين كل معاني العذاب العظيم الذي كان يعانيه هذا البطل ، فقلت آسفاً :

- أسألك بالله أن تغفر لي يا فريد ، لأنني لم أعلم بأن طلبى عظيم وصعب إلي هذا الحد . إنني لم اكن لأدري ذلك .. صدقني ؛ وهنا . . أقول لك بأنني امتنع عن رؤيتها بكل تأكيد ، آه ! يا إلهي أعني في هذا ! إنني لم أقصد شيئا ، لقد كنت أداعبك

وبينما كنت أتكلم علي هذه الصورة كان فريد يبكي . ثم هدأ نفسه وقال :

- إن دعابتك هذه كادت تكلف ) صديقة ( رأسها . - وكيف ؟ أسألك باسم السماء أن تخبرني . ماذا كنت تريد أن تفعل ؟

- لقد أنقذت حياتي للمرة الثانية . . فقد صممت على أن لا تراها عين اخري بعد أن تكون قد رأيتها سوي عين هذا المسدس ؟

قال ذلك ووضع يده على مسدس جميل الباني الصنع مقضض ، ثم تناول يدي ، وقبل ان استطيع ان افهم ما يرمي إليه ، ضغط عليها بشفتيه ووضعها على جبينه .

كان هذا شيئا كثيرا ، لأنني عندما انقذت حياته للمرة الأولى لم يشكرني إلا بكلمات ، والآن قبل يدي .

إذ ذاك فهمت-  وللمرة الأولى - كلمات هاملت :

" مهما يكن الاستعداد للتضحية عظيما فالمحب لا يستطيع أن يسمح حتى ليد النسيم ان تداعب وجه حبيبه دون غيرة " بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية