تحدثنا في عدد سابق من «الثقافة » عن الرحالة يوهان لودفيج بوركارت أو الحاج ابراهيم مسلمان اللوزانى ( نسبة إلى لوزان مسقط رأسه ) ، وما كنت أقدر أن يهم أمرة الأستاذ الجليل أحمد أمين ، فيطلب إلى المزيد من الكتابة عن مؤلفاته، وإنها في الحق لأمنية جاش بها صدرى ، فلما وجدت مثلها عند الأستاذ أسقط فى يدى ؛ فلست أجد السبيل إلى كتب بوركارت ورسائله إلا بشق الأنفس ، وهي كثيرة ، غزيرة فياضة ، لكنها مستعصية فى الآونة الراهنة على مثلى على الأقل . والقليل الموجود منها صعب المنال جم التكاليف . ولست أزعم أني قرأت لبوركارت ، ولكني قد قرأت عنه ؛ وحين عثرت أخيراً على بعض مؤلفاته عند كتبى يتجر بالعاديات أذهلنى
ما طلب فيها من ثمن ، فتراجعت على أني قد حاولت في هذه الأثناء أن أطرق أبواباً أخرى ، ولعلها تفتح لي في القريب إن شاء الله .
وبعد فانه إن فاتنى الكلام من مؤلفات بوركارت ، فلن يفوتني أن أعرض الشخصية كانت رائداً لبوركارت ومثالاً أراد أن يحتذيه ، وأن يتم ما بدأه : شخصية عقدت بها آمال كبار في البحث والكشف ، فلم تلبث أن اختفت ، وعزت على البحث والكشف . تلك هي شخصية فريدريك هورنيمان أول رحالة ألمانى إلى أفريقيا. وأفريقيا قارة تختلف والفارات المكتشفة اختلاف كبيراً ؛ ذلك أن أمريكا لم تكد تكتشف حتى ارتيدت أرضها ، لكن أفريقيا لم يعد الاكتشاف شواطئها ، ولم يتجاوز ارتيادها هذه المناطق الامينة .
لقد كان كل هم جوابي البحار البرتغاليين المشهورين أمثال كوفلهان Covalihan ، ودبيجو كار Wiego Cao وبرنلمن دياز Diaz متابعة التطواف على امتداد شواطىء أفريقيا ، شاطئاً شاطئاً ، ولعل السبب الذى عزف من أجله هؤلاء الرحالة من مجاهل الداخل أن أفريقيا لم تكن بقيتهم الباشرة ، وإنما كانت واسطة الغابة ومطلب شهي
هو الهند . فأفريقيا كانت عقبة في طريقهم ، فهم يطوفون من حول هذه العقبة في عجلة ، سعيا وراء الذهب والحجارة الكريمة والتوابل الهندية الغالية الثمن . فلم يقفوا بشواطئ أفريقيا إلا ليسدوا حاجة ملحة إلي الزاد ؛ فما صادفوه إبان ذلك لم يكف لاستهوائهم إلى الداخل . وما دامت اعراض التجارة والثروة والسعي وراء الفرص هي بواعث سفرهم ، فقلب افريقيا لم يكن ليخفق تقدم أحد ، ولون القارة السوداء قد كان من ثم حافزا إلى الرحيل .
لكنه لما خفت حدة السعى وراء الذهب ، واشبعت كنوز الهند بالغ التهم ، ولما هبطت التصورات إلي مستوي المألوف ، ولم يعد في سماء الهند مجال للتحليق أخذت اوربا تلتفت إلى غير آسيا شيئا فشيئا . وكانت النهضة وإحياء العلوم وبعث الاهتمام بالطبيعة والاقدام على ارتياد مجهولها وخفضها فخرج الناس إلى الكشف محدوهم بواعث جديدة ، وسمعوا إلى طلب العلم والمعرفة في مناطق الجغرافيا والطبيعة . وإذا كان التاريخ يحفظ مثل هذه البواعث ويسجلها لطائفة سابقة من الرحالة ، فان العلم لم يصبح طابع الكشف إلا قبيل القرن التاسع عشر . وقد كان الانجليز أول من احسوا ضرورة تنظيم هذه الرحلات العلمية إلي افريقيا ، وأول من ادركوا في ذات الوقت ان مثل هذه الكشوف المتواصلة خليفة ان تخدم مصالحهم الاقتصادية .
أجل كان الانجليز أول من رصدوا لمثل هذه الأغراض الأموال واعدوا الرجال ، واول من نظموا لها الرحلات ، وأعانوها بعون الدولة ؛ فأسسوا الجمعية الجغرافية بلندن في سنة ١٧٨٨ . لكن غير انجلتره من البلدان ومنها ألمانيا ساهمت في هذه الأغراض بنوع آخر من المعونة ، ساهمت بروح المغامرة والاقدام والجلد والمثابرة ، فكانت
انجله أو بالحري الانجليز يقدمون المال في أغلب الحالات ، وكان غير الانجليز في كثير منها يقدمون النفس . فخرج يوهان لودفيج بور كارت في خدمتهم ، وخرج من قبله فريدريك هورنيمان . فكانت حياته دليلا جديدا على أن استعداد المرء لغرض من الأغراض واتجاههه إليه ، خليقان أن يتغلبا على كل العقبات ، بالغا ما بلغ انصرافه عن هذا الفرض بفعل الظروف .
كان فريدريك هورنيمان من أسرة قساوسة ، وابنا لواحظ في هيلد مهيم Hildenheim ، فوجه ، كما الغالب، إلى دراسة اللاهوت ، فدرسه في جوننجن Goettingen ، وعين واعظاً كأبيه. وكان هذا يفعل الجو الذى عاش فيه جو البيت الأوى ، ومن أثر رغبة أبيه الشخصية. لكنه ظهر أن هذه المهنة لم تصادف هوى فى نفسه ، فكان يزاول إلى جانبها دراسات في تقويم البلدان ، وبعنى عناية خاصة بما تم في عصره من الكشف في شمالي أفريقيا، وكانت الجمعية الأفريقية اللندنية قد أوفدت في ذلك الحين الاجور هون Major Houghton في سنة ١٧٩٠ إلى أفريقيا ، فقضى دون تأدية رسالته وقفاء الطبيب الأسكوتلندى منجو بارك Mungo Park فوفق فى سنة ١٧٩٥ فيها قصر سلفه منه ، ، وأكد ما أثبته هيرودوت من أن نهر النيجر Niger يجرى من الغرب إلى الشرق ، وقد تكون قراءة أبحاث منجو بارك هى التي أيقظت في فريدريك هود نبان اقتناعه بأنه لم يخلق إلا لأعمال الكشف مقدم إلى الجمعية الأفريقية المتدنية عمولة اثنين من جلة العلماء، هما الجغرافي المعروف ريتر Ritter ، والأستاذ الشهير بلو منباخ Blumenbach . واتصل هورنيان بعد ذلك اتصالات أفادته ، وجنى منها أثناء ثمانية أشهر قضاها في لندن أعظم الثمار ، فأثبت أنه الرجل الذى لا يجهل كيف يعاشر الناس ، وأنه العالم الذى
يعرف فى العالم غير غرفته - عالمه الصغير - وزوده رعاته الانجليز بالتوصيات ، فتوجه إلى باريس في سنة ١٧٩٩ ، وقدم فيها إلى المعهد الوطنى شاباً يرجو علم الشعوب ، وعلم تقويم البلدان ، على يديه المزيد ؛ واتصل في جملة من اتصل بهم بقناصل فرنسا في سواحل أفريقيا الشمالية ، وكانوا واسطة تعريفه بتاجر تركي كبير يتجر مع تونس و طرابلس ، فأبان له التاجر التركي أن السلك الوحيد إلى داخل أفريقيا هو من طريق طرابلس وفزان . وقرر هورتيمان أن يكون خروجه إلى رحلته من القاهرة، ليقصد منها إلى فيزان فى طريقه إلى داخل أفريقيا. وزوده التاجر التركى بكتاب توصية كتبه بالعربية إلى تاجر في القاهرة ، وقدمه إليه على أنه تاجر إنجليزى شاب.
وبلغ الاسكندرية وأراد الطواف حولها مستطلعاً فحالت دون ذلك ظروف اضطرته إلى التعجيل بالرحيل ووصل إلى القاهرة عن طريق النيل ، فقضى فيها عشرة أشهر لم يكف فى خلالها عن القيام برحلات أثرية حول القاهرة والاستعداد للسفر . وقد كان عليماً بأنه من أشق الأمور على أوربي مسيحى أن يجوس خلال بلد إسلامي وهو معروف الشخصية ، فقد كان خليقاً في ذلك الزمن أن يلقى فى بعض خطواته حتفه ، أو يتعرض على الأقل لعواقب الغيرة الدينية، فقرر من ثم أن ينزيا بزى المسلمين ، وأن ينضم إلى قافلة من الوطنيين . وهو في القاهرة يمكن أن يشرع في ذلك، على حين يسهل افتضاحه في غير القاهرة. وكانت قوافل الحجاج تأتى من فزان وتعود إليها من مكة المكرمة ، وكانت تنضم إليها في طريق العودة قافلة من التجار ، تقصد إلى مرزق ، واتصل هورنيمان بهؤلاء التجار وانتظر عودة الحجاج من الأراضي المقدسة
وجد ما لم يكن في الحسبان ؛ فإنه في الوقت الذي اعتزم فيه هورنيمان الخروج في رحلته دخل الفرنسيون
البلاد بقياة بونابرت ، فهجت بنفس هورنيمان الهواجس، وساورته المخاوف مما كان بين فرنسا وانجلترة من عداء وهو إنما يخرج في خدمة الأنجليز وفي وقادتهم ؛ لكنه لحسن حظه لقى نقيض ما كان يتوقع ، ووجد في نابليون رجلا نام الادراك لقيمة بعثته وأهميتها العلمية ، فلم يبخل عليه بالجوازات اللازمة، بل إنه عرض عليه مالاً فأبى، لكنه تقبل شاكراً معروفاً أولاه إياه، إذ أخذ بونابرت على عاتقه إيصال كتاب من الرحالة الألمانى إلى الجمعية الأفريقية اللندنية عن طريق فرنسا مزوداً بخاتمه . وقد بلغ الكتاب مصيره، وعلم منه أن هورنيمان لم يكن يجهل ما يتعرض له من أخطار ، وكان فى جملتها جهله باللغة العربية ؛ لكنه كان يأمل أن يظل أمره خافياً على الأقل على أولئك الحجاج الذين يعرفون غير واحد من المسلمين من غير الناطقين بالضاد ، وقد تغلب على مصعبة التفاهم مع رفاقه في السفر باتخاذه ألمانيا اسمه يوسف فرویدنبورج Joseph Freudenburg ترجماناً له ، وكان قد أقام في البلاد اثنتى عشرة سنة، واعتنق الاسلام، وتضلع من العربية والتركية وحمل هورنيمان معه من الأدوات الفلكية ما يستعين به على تحرياته الجغرافية غير خاش اكتشافها ، فهى بضاعة ، ومن السهل إقناع المشتبهين بأنها كذلك.
وجاء يوم الرحيل بعد استعداد مضن ، وبعد التغلب على كل العقبات، فاعتزم السير في طريق للقوافل من قديم الزمان لم تطأه قدم أوربي قبله ، متجهاً نحو الغرب صوب مرزق داخل فزان . وكانت الشقة تمتد من القارة مارة بأم صغير وسيوه وأنجلا مخترقة جبال الخروج إلى مرزق. وليس من شأن هذا القال أن يتناول الأبحاث الجغرافية بالوصف أو التقدير، فانما تنصب عنابتنا على أشخاص المكتشفين لاظهار جوانب تطورهم وكيانهم كبشر من بني الانسان. ومن ثم كان اجتزاؤنا بالمواضيع التي تظهر شخصية هورنيمان وموامتها لمشروعه الجرىء.
وفي مفكرة سفره على ما يذكر مواضع زاخرة بقوة الملاحظة الحديدة المتعددة الجوانب .
كانت المصاعب التي كتب على هورنيمان تذليلها جمة مسيرة ، فمن تعرض للسطو ولأخطار المناخ في تلك الأصقاع والجهد الركوب - ركوب الجمال ، ولنقص الزاد، والحرمان . هذه كلها قد شاطره رفاقه في السفر إياها ، لكن وقعها على أوربي لم يألفها أمر لا يحق على أحد.
قال : ولم أر فى السفر متاعب تذكر ، بل إن هذا السفر كان بالنسبة لى بديعاً ، أنا الذى لم أسافر في قافلة قط. لكنه كم كانت دهشتي أول الأمر حين رأيت الظهر بعض سراة التجار وأربائهم يقضمون في خير جاف وبضع بصلات، وحين سمعت أنهم لا يحطون الرحال بالنهار ، ولا يستوقفون المال إلا فى الحاجة القصوى ، فلم يكن لى يد بعد هذا من أن أسأل بعض العرب ممن يجاورنني في الركوب أن أشاطرهم أكلتهم »
واعتاد هورنيمان، وهو إذ ذاك شاب في السادسة والعشرين من عمره مأكل القافلة ومشربها ، ولم يكن في كليهما ما يعز عليه اعتياده ورياضة النفس عليه . والماء في الصحراء، مع ندرة الواحات وطول ما بين إحداها والأخرى من سفر يستغرق عدة أيام ، عزيز
ولعل من الممتع أن نستمع إلى هورنيمان وهو يفاضل بين القرب ويفضل النوع السودانى : « ففيه يبقى الماء خمسة أيام صالحاً للشرب من دون أن يتغير طعمه ، على حين ردو مذاقه في غير النوع السوداني في اليوم الثاني وتفوح منه رائحة العطن ، ولكي تلين جلود القرب ولا یلم بها يلى سربع ، تدهن الحين بعد الحين بالزبد الذائب ويدهنها أجلاف العرب بالزيت فيظل الماء من جراء ذلك المبدأ كريه الطعم ، ردئ المذاق )
ويتعذر علي القافلة أحيانا إعداد الطعام ولا يتسع وقتها أو ظروفها له ، فيلجأ المسافرون إلى نوع هين منه ، إلى
دقيق الشعير الذي يحملون دائماً حاجتهم منه ، ويعدونه إعداداً خاصاً ، إذ يغلون الشعير حتى يفور ثم يجففونه في الشمس، ثم ( يحمصونه ) في قدر فوق النار ، ثم يطحنونه . فاذا فعلوا أضافوا إلى دقيقه ملحاً وفلفلا وكموناً وغير ذلك من التوابل ، وحفظوه في قرب . فاذا أرادوا استعماله خلطوه بالماء وأعدوا منه عجينة كثيفة وألانوها بالزبد أو الزيت وتناولوها. فإذا شاءوا منه صنفاً آخر زادوا ماءه وأكلوا معه البلح . وقد يستعاض من الشعير المهيأ على هذه الصورة بالدقيق العادى، فيخلط بقليل من الماء البارد ويصب عليه بعض الأدم. ويقول هورنيمان إنه كان يقضى أياماً على هذا الطعام ، وإن البصل والملح والفلفل ( الأرنؤوطى ) الأحمر هو كل ما يعرفه المسافر في تلك الأصقاع . لكن هناك بضاعة تحمل أحياناً محل هذا كله : الجوع فأنه خليق بعد سفر مضن طويل أن يجعل من أردأ الأطعمة لذاذات ) ( له بقية )

