الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الثقافة"

فشل ولسن، لستيفان تسفايج

Share

- 4 -  ووصل ولسن الميناء فلا ترحيب مخلص ولا استقبال حار بل أنه لم يلق كما كان يلقى هتافا يتعالى إلى عنان السماء حتى الصحف ظلت فى جمود الانتظار .

لم تتحرك للفرح بمجيئه ولم تهلل لتعلن مقدمه . إن العالم كله كان واجما من الشك والقلق ، وتحققت حكمة شاعر الألمان " جونيه " مرة أخرى إذ يقول " إن طبيعة الحماس لا تحتمل ادخارا طويلا . " فلقد سمح ولسن لأوروبا أن تبرد حرارتها ، لقد أتاح لها الفرصة لأن يفتر حماسها المثل العليا التى أقامها ؛ إنه بدل أن يقرع الحديد حارا قابلا للصهر والتكييف تركه حتى يثلح . إن غيابه شهرا قد يدل كل شىء وغيره . فلقد اعتزل لويد جورج ، إبان تلك الفترة ، المؤتمر ولازم كليمنصو أثناءها الفراش أسبوعين على أثر رصاصة أصابته فى محاولة اعتداء على حياته ، وبذلك خلا الجو من رقيب أو حسب فاستطاع أصحاب المصالح الخاصة والمدافعون عنهم أن ينفذوا إلى قاعات المؤتمر . وإن أخطر هؤلاء شأنا وأشدهم حماسا لرجال الجيش . فلقد ظل القواد والضباط مل الأسماع والأبصار أربعة أعوام طويلة حكموا فيها العالم بأمرهم فانصاع إليهم . أفينزوون الآن بعيدا ليتركوا قياد الأمور لغيرهم ؟ إن ميثاقا يحرمهم من جيوشهم ، ما دام ينص على منع التجنيد وإلغائه بكافة وسائله وصوره ، لتهديد مصوب إلى صلب كيانهم يجب أن يدفعوه عنهم . إن هذه المساخر التى تعمل فى سبيل السلم الدائم لا بد أن تقف عند حد ، إن هذا الاعتداء السخيف على مهنتهم لابد أن يرد أو يؤجل البحث فيه إلى حين . انهم يريدون زيادة فى الجنود الا تسريحا للجيوش ويريدون مزيدا من التسليح لا تحريما

للسلاح انهم يريدون حدودا جديدة وضمانات مادية لتأمين السلم لأنهم لا يؤمنون بسحر كلمته " العالية " ولا بما يمكن أن تثير من سبيل ، ان حدود الأمم لا تؤمن بشروط أربعة عشر تكتب فى الهواء فما يؤمنها حقا إلا مضاعفة قوى الدفاع وتحطيم قوى الهجوم من الأعداء .

وجاء فى أثر رجال الحبش ممثلو الصناعات المختلفة . هؤلاء الذين مؤنوا الجيوش وسلحوها ، ثم هؤلاء السماسرة الذين يريدون أن يفيدوا من تعميير هذا العالم الخرب وإصلاحه . ولم يكن ساسة الأمم أقل يقظة من هؤلاء جميعا ؛ فمن وراء كل منهم تهديد من أحزاب المعارضة يريدون درء خطره بأن يكسبوا لأمتهم مساحات واسعة من الأرض تضم إلى حدودها .

ولم يكن الأمر محتاجا لأكثر من لمسات خفيفة صريحة تلعب على قيثار الرأى العام فى أوروبا بواسطة الصحافة ، يؤيدها صوت قوي جاء من أمريكا منسجما معها متجانسا وإياها لبردد نفس النغم " إن مشاريع ولسن الخيالية عقبة فى سبيل السلم إن خططه المثالية الرائعة بلا شك ، والتى لا يتطرق إليها فى عليائها وسموها أدني ذم أو عيب ، حجر عثرة فى سبيل توحيد أوروبا . ألا فلهب إل العمل وكفانا ما قد ضاع من وقت فى تقدير اعتبارات خلقية وتطلع إلى أحلام مثالية . فالسلم إن لم يمض فى الحال عمت الفوضى من جديد " .

وكانت الشكوى ، ويا للأسف ، فى موضعها ، ولكن ولسن كان ينظر إلى الأجيال القادمة فكان يقيس الأمور بما يخالف مقياس أوروبا المعاصرة له . إن أربعة أشهر أو خمسة عند ولسن برهة بسيرة من الزمن فى سبيل تحقيق هذا السلم الذى داعب أحلام الإنسانية آلاف السنين . ولكن شرق أوروبا فى الوقت نفسه كان مسرحا لزحف قوات منظمة من الجيش وتحركها قوى خفية ، لتحتل هذه أو تلك من المساحات الواسعة من الأراضى المكشوفة ، بل إن مناطق بأسرها لم تكن لتعرف ممن هى أو لمن ستكون . إن أربعة اشهر قد انقضت ولكن

مندوبى النمسا وألمانيا لما يصلو إلى المؤتمر . والناس من وراء الحدود الغامضة التى لم يبت فى أمرها بعد سهب لأشد أنواع القلق والاضطراب . ولم تكن الادلة التى تنبئ بأن الثورة ستجتاح هنغاريا غدا وألمانيا بعد غد ، يخافية على أحد . وإنها لثورة أي ثورة ، تهزأ قطاعتها ويسخر فتكها بالناس مما أحدثته ثورات البلشفية الحمراء وصاح الساحة " هلموا إلى العمل على استتباب الأمر ولكى تمهد الطريق إلى الأمن لا بد من اكساح العقبات مهما تكن والعقبة الكاداء حقا ما هى إلا هذا الميثاق اللعين " .

وما كاد ولسن يقضى ساعة واحدة فى باريس حتى أيقن أن جهاد الأشهر الثلاثة الطويلة بكل ما احتمل فى سبيله من نصب قد تقوض أساسه وهو ينذر بوشك الإنهيار التام . لقد كاد المارشال " فوش " يفلح فى أن يسقط أمر الميثاق من معاهدة الصلح مع المانيا ، وبذلك تكون جهود الأشهر الثلاثة قد تلاشت تلاشيا تاما .

ولكن ولسن يستطيع أن يكون صلبا كالصخر راسخا كالطود لا يتحرك قيد شعره ولا يلين أبدا أمام الخطر . وهذه أمور خطيرة تتحكم نتائجها فى مصير البشر تتعرض للخطر ألا فليقف لدرئه بكل ما فيه من صلابة وقوة .

وفى غد أى فى الخامس عشر من شهر مارس استطاع ولسن أن يظفر بتصريح رسمى فى الجرائد يؤكد أن اتفاق الخامس والعشرين من شهر يناير لا يزال قائما وأن الميثاق سيكون جزءا لا يتجزأ من معاهدة الصلح مع ألمانيا .

وكان هذا التصريح أول رد عنيف على المحاولات المبذولة لجعل معاهدة الصلح مع المانيا تعقد على أساس المعاهدات السرية بين دول الحلفاء لا على أساس الميثاق الجديد .

وانحسرت الغمامة عن عين ولسن ورأى الأمور رأى العين سافرة على حقيقتها . ان هؤلاء الساسة الذين صرحوا بأنهم مستعدون أن يحترموا حق الشعب فى تقرير مصيره كانوا فى حقيقة الأمر مصممين على مطالب تتعارض

والاعتراف بمثل هذا الحق ففرنسا ستطالب بمقاطعة الرين وإقليم السار ، وإيطاليا ستطالب بقيومى ودالماسيا ، ورومانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا كل منها تريد نصيبها من الغنيمة . فإذا لم يسلح ولسن نفسه للمقاومة العنيقة الشديدة فإن معاهدة الصلح ستعقد بأسلوب نابليون وناليران وماترنيخ ، وبعبارة أخرى بأسلوب يخالف ما أقام ولسن من مبادئ وما دافع عنه من مثل عليا بل وما عاهد الخلفاء أنفسهم على أن يحترموه منها ويلتزموه فى سبيل تحقيقها .

وانقضى أسبوعان فى جهاد عنيف . وولسن يعارض فى قوة وحماس فكرة التنازل لفرنسا عن السار . فلقد أحس أن مثل هذا النقض لحق الشعب فى تقرير مصيره سيكون سابقة خطيرة لكثير من امثاله . وهددت إيطاليا بالإنسحاب من المؤتمر إن لم ينزل ولسن عن رأيه ويوافق رأى الجماعة . وإيطاليا واثقة بلا شك أن مطالبها محققة ضمنا بتحقيق مطلب فرنسا هذا . وبدأت الصحافة الفرنسية تثير الخواطر وتحدث الضجة ، إن هناك ثورة بلشفية فى هنغاريا وعما قريب كما يقول الحلفاء سينتشر الوباء غربا .

وعارض العالم كله ولسن فى موقفه . حتى " هاوس " " ولا نسنح " وقد كانا مستشاربه الخاصين ولكنهما فى الوقت نفسه كانا صديقية الحميمين . ولم يمنع هذا أن ينصحاه فى إخلاص أن يضحى قليلا من غاياته النبيلة المثالية فى سبيل أن تمضى معاهدة الصلح بأسرع ما يمكن ذلك لأن الفوضى قد عمت أوروبا بالفعل كما يرى ، ووقف ولسن فردا وحيدا أمام جبهة معادية متراصة متكائفة وإذا الهجمات تصوب إليه من خلفه أيضا فهؤلاء أعداؤه فى أمريكا ومنافسوه السياسيون فيها ينتهزون الفرصة . وكثيرا ما أحس ولسن أن السيل قد بلغ الزبا وأنه قد بلغ آخر ما يمكن أن يطاق من احتمال . وهذا هو يعترف لصديق له أنه لن يقوى على الصمود أمام كل هذا وأنه قد اعتزم عزما اكيدا أن ينسحب من المؤتمر إذا لم يوفق فى أن ينفذ ما أراد .

اشترك في نشرتنا البريدية