منذ خمس سنوات كتب الأب أنستاس ماري الكرملي في عدد الرسالة (٤٧٥) وما بعده يخطئ وصف الجمع بفعلاء المفرد، ويؤكد أنه ليس في الفصيح من الكلام إلا الوصف بفعل المجموع ويسوق الآيات (كأنه جمالة صفر.(ويوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً) . (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود) . (ويلبسون ثياباً خضرا من سندس) . (عاليهم ثياب سندس خضر) وينعى على من يقول: كريات حمراء، وكريات بيضاء (لأن القول بفعلاء في مثل هذا الموطن لا يجوز البتة، ولأنه غلط شنيع فظيع، تلعنه الإنس
والجن، وملائكة السماء، وأهل النار جميعاً!!) ولأنه (كفر نحوي عربي لم تنطق به العوام، ولا الأعاجم ولا الأروام) وحجته (أن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة الرواية، والمسموع من كلام فصحاء العرب وبلغائهم هي أحسن شاهد) وقد عارضة حينذاك جماعة من الكتاب ممن لم يأخذ أخذه، ولم يجر في غباره فكان له الفلج عليهم. . .
ومضى الزمن على هذه المعركة إلى أن جاء الأستاذ الفاضل محمد سليم الرشدان فكتب في العدد (٧٣٥) من الرسالة الغراء ينبه على هذا الخطأ، في قول الكاتبة الفاضلة السيدة منيبة الكيلاني: الأروقة السوداء، فرد عليه أستاذ العربية في هذا الزمان الباحث العبقري (السهمي) في العدد (٧٣٧) ، وقد بدا لي بعد أن قرأت كلمته أن أوجه إليه استفهاماً يجلو هذا الأمر، غير أني آثرت حتى يكتب الأستاذ الرشدان فأنظر ماذا يكون جوابه؟ وقد كتب فكان جوابه بالموافقة على ما أورد العالم الجليل إمام العربية الأكبر، فرأيت أن الأمر لا يزال في حاجة إلى إيضاح، ذلك أن الأستاذ السهمي أورد نقولا لا تنهض في وجه ما ذكره الأب أنستاس، فهو:
(أولا) يحتج بكلام أبي العلاء المعري، وكلام ابن جني، وقول صاحب الكشاف، وكل هذا ليس بحجة، لأن الذي يعوزنا هو شاهد عربي فصيح من كتاب أو سنة، أو أثر عربي خالص (ولا يهمنا بعد ذلك ضوابط النحاة، وقواعد الصرفيين وآراء اللغويين، وتحكمات المتأولين وأرباب الأحكام العربية، لأنهم لم يستقروا جميع قواعد اللغة المضرية، وبيدنا شواهد لا تحصى تدل على نقصان ضوابطهم وتتبعاتهم واستقراءاتهم) كما يقول الأب الكرملي، على أن أستاذنا السهمي لم يعتمد على شيء من ذلك وإنما نقل عن قوم لم يقل أحد بأن ما ينطقون به يجري في العربية مجرى القواعد، أو يكون حجة لمن يحيد عن نهج العرب الفصحاء.
(ثانياً) قول أبي العلاء (فألزمني بذلك حقوقاً جمة، وأيادي بيضاء) لا يبعد أن يكون فيه تحريف من الناسخ، وأن الأصل كان (أيادي بيضا) ، ومثل ذلك يمكن أن يقال فيما نقل عن
صاحب المخصص، على أن الوصف بمثل سوغ أن يجيء ما بعده مفرداً. وأما قول أبي العلاء في رسالة المنيح (وكم في أديم الخضراء، من أشباح مضيئة زهراء) فذلك ما لا خلاف فيه، وقد ذكر هذه المسألة الأب أنستاس، فقال في العدد (٤٨٥) (إذا أشير إلى الجمع المكسر بضمير مفرد مؤنث لكونه لغير العاقل أو جاور (فعلاء) وصف مفرد مؤنث يصح أن يكون للمفرد وللجمع على السواء، فأنت مخير في أن تنعته بفعل أو بفعلاء، تقول قنا خطية ملد، وقنا خطية ملداء لأنك تصف تلك القنا بأنها خيطة وبأن هذه الخطية ملد أو ملداء)، وقال في العدد (٤٨٦) يرد على بعض من جادله وأورد له كلام الزوزني (وله فارسية خضراء) أي دروع فارسية خضراء يقول (فهذا كلام لا غبار عليه، لأن خضراء هنا مجاورة لفارسية، وفارسية كلمة مؤنثة وإن كان معناها يدل على جمع لأنها عائدة إلى (دروع) ومن الطريف أن نذكر أن الأستاذ الجليل السهمي أشار في هامش كلمته إلى أن شارح ديوان الحماسة أورد هذه الكلمة مفردة مع جمع، ولعله أراد هذه الكلمة السابقة عن الزوزني، وأن الأب أنستاس بعد أن قال ما نقلته آنفاً قال (ثم من هو الزوزني، وأبو الزوزني، وجد الزوزني، بجانب نص القرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة، وفصيح كلام البلغاء من العرب؟) .
(وبعد) فإنها لفرصة طيبة أن يقول إمام العربية في هذه الكلمة، ولقد تمنيت أن يكون الكرملي حياً حتى نشهد عراكا لغوياً بين عقلين كبيرين، وأنا ما أردت ببعث هذا البحث القيم إلا أن أقف ويقف قراء الرسالة على الحجة القاطعة التي نرجو أن يطالعنا بها (السهمي) فإن ما ذكره الأب أنستاس ماري الكرملي لا يزال صحيح الأديم، ناصع الحجة، موثق البنيان.

