الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 223 الرجوع إلى "الثقافة"

فقه كتاب :، منهج البحث التاريخى

Share

تعتبر مناهج البحث العلمى ( Methodologie ) مرادفة لمنطق العلوم الذي أضافه المحدثون إلي المنطق القديم ، ومهد له ريموس الذي اغتاله أحد المشائين عام ١٥٧٢ من جراء حملاته على أرسطو ومنطقه ، ثم بيكون ١٦٢٦ الذي عارض منطق القياس بمنطق الاستقراء الذي يعتبر أهم مبحث في منطق المناهج ، فوضع بذلك أساس المنهج التجريبي الحديث الذي انفصل به العلم عن الفلسفة . ثم ديكارت ١٦٥ الذي أقام قواعد المنهج العلمي على أساس رياضي ، وغير هؤلاء ممن نشأت على أيديهم مناهج البحث العلمي العامة في العصر الحديث .

ولم تكن العلوم إلي هذا الوقت قد استقل بعضها عن بعض ، فلما اصابت استقلالها ، وضعت لكل منها مناهج خاصة بالإضافة إلي اشتراكها جميعا في قواعد المنهج العام ، فاستقلت الدراسات التاريخية بمنهج يختلف عن منهج العلوم الرياضية أو الطبيعية . وهذا مع انفراد كل علم بقواعد خاصة به تلائم طبيعة الموضوع الذي يعالجه . وقد تأخر ظهور التاريخ كعلم يتميز عن مجرد وصف الحوادث الماضية ، لأنه لم يظهر إلا في القرن التاسع ، فتأخر - تبعا لهذا - وضع منهج لمباحثه .

وكم كنت أحب أن يعرض لبيان هذا كله صديقي الدكتور حسن عثمان مدرس التاريخ الحديث بجامعة فاروق الأول ليكون تمهيدا لكتابه : منهج البحث التاريخي ، حتى يعرف القارئ نشأة المناهج إجمالا ، وعلاقة بعضها ببعض ، وتطور التفكير في امرها حتى انتهي إلي وضع

المنهج التاريخي الذي يعالجه في كتابه . ولكن المؤلف قد فاجأ قارئه منذ بداية البحث بالكلام عن مراحل المنهج التاريخي ، مكتفيا بأن يشير في صفحة ٣٤ إلى أن من واجب الباحث في التاريخ أن يدرس المنطق . .

وهذا بالإضافة إلي أن للتاريخ فلسفة ، بتخطى بها المؤرخ مجال الجزئيات التي تكاد تقتصر عليها عناية التاريخ بأضيق معانية ، ويؤول أحداثه باعتبارها كلا واحدا يفهم بالنظر العقلي في حدود الواقع ، وفلسفات التاريخ كثيرة ، يستند كل منها إلي منهج خاص به ، والذي يعرض للبحث في المنهج التاريخي مطالب بأن يفلسف موضوعه ، فيعالج هذه الفلسفات ليكشف عن مناهجها ، ولكن صديقنا المؤلف قد أجمل هذا في كتابه مكتفيا بأن ينص في الصفحة السالفة الذكر ، على أن من واجب الباحث في التاريخ ، أن يدرس " فلسفة التاريخ " !

ويتطلب منهج البحث التاريخي - فيما يقول المؤلف ص ٢٥٦-٢٥٧ - عناية الباحث بالإشارة إلى مصدر كل فكرة بعرضها ، مع ذكر الصفحة التي وردت فيها و.. الخ ، ومع ذلك فأن الكثير من الحقائق يرد في كتاب المؤلف غفلا من أي إشارة إلي مصدره ) راجع الفصل الأول والسابع والثامن ( وقد يخلو الفصل كله من ذكر مصادر مع تضمنه الإشارة إلى مؤلفين ) راجع الفصل العاشر والثالث عشر والرابع عشر ( بل قد يشير في صلب الكلام إلي مصدر ، ولكنه يهمل ذكر الصفحة التي ورد فيها ) راجع صفحة ١٤٤،٩٩ ( . وليعذرني صديقي المؤلف إن قلت له إن الذي يرسم منهجا يسترشد به أهل العلم في مباحثهم ، من واجبه ان يلتزم العمل بهذا المنهج ، فهذا أدل على اقتناعه بما يقول ، وأكد تأثيرا في نفوس قرائه .

ونلاحظ أن كبار المؤرخين كتاب أفذاذ ، ولعل حياة آثارهم رهن بالروح الذي يتمشي فيها ، لا الوقائع

التي تحويها ، فإن الوقائع وحدها جثث ميتة ، حياتها مع روح باحثها ووحي خياله الرحب في حدود الواقع وشعوره العميق في حدود الممكنات وهذا الروح  يحتاج إلي ثوب من الألفاظ ، لست أزيد أن أحيل التاريخ أدبا ، ولا العلم فنا ، ولكني أخشي أن يتجرد التاريخ من روحه فيموت - ولعل المؤلف متفق معنا في هذا ، إذ يشير في عجلة ملحوظة إلي أن المؤرخ يلغي ان يكون صاحب إحساس وعاطفة وخيال - مع حرصه علي التزام الواقع ) ص ٦ ( ، ويشترط في العرض التاريخي حسن التعبير واختيار الألفاظ ونحوها ) ص ٢٥٣-٢٥٤ ( . ولعل قارئ كتابه يشعر بأن روحه في بحثه واضح بين العالم ، ولكنه ليس غلابا . وأسلوبه يمتاز بالبساطة والوضوح ، ولكنه لا يخلو من ركاكة .

ويكرر المؤلف مطالبة أهل البحث التاريخي ، بتحليل الآراء التي تعرض لهم ومناقشتها قبل التسليم بها ، ومع ذلك يكتفى عند إثباته لأهمية التاريخ ، بتعداد ميزاته ) ص ٦ ( مع أن لدراسة التاريخ خصوما لهم مذاهب في إنكار قيمتها ، باعتبارها عرقلة لطلاقة النشاط الإنساني الذي ينبغي أن يستقبل الدنيا جديدة هي الدوام أبد ، وقد قطن لهذا مؤرخو الفلسفة الذين يعنون بمناقشة آراء خصوم تاريخها - من امثال ديكارت - والمسرفين في تقدير تاريخها - من امثال كوزان حديثا وأصحاب مذهب التلفيق والأفلاطونية المحدثة قديما  - ويهتمون بمناقشة هؤلاء قبل أن يأخذوا في تعداد ميزاتها

حسبنا هذا من مآخذ الكتاب ، وكلها لا يضير هذا البحث القيم الشائق ، الذي تناول لثاني مرة في العربية الحديثة دراسة موضوع صادف من اهتمام الغربيين المحدثين أوفر نصيب ، وإن كان بعض مفكري الإسلام قد وصلوا إلي القليل من قواعده قبل الغربيين ببضعة قرون . وما من شك عندي في ان مناهج البحث الزم

المشتغلين بالدراسات العلمية من هذه الدراسات نفسها . وقد تتبع المؤلف في بحثه مراحل المنهج التاريخي من شروع الباحث في اختيار موضوعه ، إلي جميع اصوله ومراجعه ، وإثبات صحتها وتعيين صاحبها ، ومعرفة قواعد تحليلها وتفسيرها ونقدها ، وتنظيم الحقائق التاريخية وحسن عرضها ، مبينا عن خطوات هذه المراحل كلها في دقة وبساطة وتسلسل منطقي يدعو إلي كل تقدير . وكثيرا ما كان يستشهد في احاديثه عنها بشواهد عرضت له في مباحثه الخاصة ، ويكشف بها عن دقة في الملاحظة وسلامة في المنطق وصدق في الاستنتاج ) راجع مثلا مناقشة للدكتور أسد رستم في نسبة كتاب إلي واضعه ص ٩٤-١٠٣ ( فلا يضير المؤلف بعد هذا ما أخذناه على بحثه القيم الممتع ، فإن اتفاق الناقد مع الباحث في شتي وجهات النظر أمر محال .

اشترك في نشرتنا البريدية