فقد المسرح المصرى فى الأسبوع الماضى دعامة من دعائمه ، وركنا مكينا من الأركان التى قام عليها صرحه ، وهو المحامى والممثل القدير الأستاذ عبد الرحمن رشدى ، وهو من المثقفين الذين هووا المسرح ، وهجروا عملهم الذى تؤهلهم له شهاداتهم العليا ليخدموا المجتمع عن طريق الفن الجميل . ولقد ظهرت هوايته للتمثيل وهو يعد فى عداد طلاب الحقوق ، فكان يقيم الحفلات الخاصة ، ولا ينى عن شهود التمثيل والاختلاط بأوساطه ، كما كان مشتركا
فى إنشاء (جمعية أنصار التمثيل ) فى عهدها الأول مع المرحوم الأستاذ محمد عبد الرحيم .
وقد تخرج الأستاذ عبد الرحمن رشدى فى مدرسة الحقوق ، وتوظف فى قلم قضايا الأوقاف ، فلما أن قدم من فرنسا الأستاذ جورج أبيض من بعثته المسرحية ، وألف فرقته ، لم يتردد المرحوم فى ترك الوظيفة فى الوقت الذى كان شبان مصر أشد ما يكونون حرصا عليها ، وكان مستقبل الوظيفة الحكومى مفتوح الأبواب واسع الافق . وقد تولى الأستاذ رشدى أدوارا عظيمة لا يزال تمثيله لها على مسرح دار الأوبرا الملكية مائلا فى الاذهان لا تمحوه الأيام ؛ وكان أول هذه الأدوار (نيمور) فى رواية لويس الحادى عشر ، وكان أداؤه له قويا رائعا عميق الأثر ، وكذلك سائر أدواره كرسول القصر فى أوديب الملك . وفرنسوا الأول فى مضحك الملك -ورودريجو فى عطيل ، وأدواره فى الساحرة - وغيرها .
ولما أن انفضت فرقة الأستاذ جورج أبيض عاود المحاماة ، ولكن نزوعه إلى التمثيل ظل ملازما له ، ملحا عليه ، يغالبه على نفسه حتى غلبه ؛ فألف فرقة بالاشتراك مع الأستاذ عمر وصفى أخرج فيها رواية العرائس وروايات أخرى أخصها بالذكر روايتان لشكسبير ، إحداهما مكبث حيث قام فيها بدور كدوف ؛ والثانية عطيل ، وقام فيها بدور باجو . ثم عاد ثانيا إلى المحاماة ، ولم تمض فترة حتى عين فى إدارة المطبوعات ، ولم يلبث فيها حتى عاوده داؤه القديم ، فحن إلى التمثيل وألف مرة أخرى فرقة جاب بها الأقاليم ، فكانت دعاية طيبة للفن المسرحي ؛ وانفضت الفرقة فعاد إلى المحاماة ، حتى إذا تألفت الفرقة القومية انتخب ضمن الأعضاء البارزين ، ولم يطل مكثه بها وعاد إلى المحاماة فترة من الزمن عين بعدها مفتشا لشؤون التمثيل فى وزارة المعارف حيث وافاه القدر المحتوم .
ولقد كان المرحوم إلى جانب هوايته للتمثيل من
العاملين فى الحركة الوطنية ، كما كان غنى النفس بالعقيدة الدينية ، فلم يفته الحج إلى بيت الله الحرام . ولم يزل حتى آخر أيامه متحمسا لفنه لم تخمد قط جذوته فى نفسه حتى لفظ نفسه الأخير وهو مشغول الفؤاد بالفن ، عامر القلب بمشاريع إصلاحه .
السرعة فى الأدب
كتب السير هيو والبول القصصى الإنجيلزى المعروف يشكو من طغيان السرعة على كل شئ فى الحياة حتى على الأدب ، وينذر التراث الأدبى للجيل الحاضر بوقفة مزرية سيقفها بين تراث الأجيال السابقة من أعمال أدبية خالدة ؛ فالأدباء فى السنوات الأخيرة ، على حد تعبيره ، لم ينتجوا شيئا له قيمته لسببين : سرعة القراءة والاطلاع ، وسرعة التفكير وسرعة الكتابة .
ويري السير والبول أنه إن كان من مظاهر المدنية الحديثة أن تسود السرعة كل شئ ، فإن من مظاهر الانحطاط العقلى أن تسود السرعة الإنتاج ، لأنه - كما يقول - (( لا يمكن للكاتب الخالق ان يبدع إنتاجه كما يبدع أحد العمال فى مصانع السيارات صنع قطعة الحديد التى يمارس صنعها مئات المرات كل يوم ويقذف بها إلى الآلة . إن العمل الأدبى غير ذلك بالمرة ، لا تغنى عادة الكتابة فيه شيئا ، ولا يمكن أن تكون كثرة ممارسته سببا يمهد للكاتب أن يكتسب السرعة فى إنتاجه مع الاحتفاظ بالجودة . إن المسمار الصغير لا يمكن للمتأنى فى صنعه أن يجعل منه شيئا أكثر من مسمار ؛ أما العمل الأدبى فإن المتأنى فى إنتاجه يستطيع أن يتدرج به بتدرج التأنى من الموضوع الإنشائى التافه إلى القطعة الأدبية الرائعة ، إلى العمل الأدبى الخالد )) .
ويضرب سير والبول المثل بالكتاب السابقين ، فيقول : (( إننى وهكسلى وشو وغيرنا من الكتاب
المعاصرين نستطيع أن نخرج فى كل شهر كتابا وكتابا رائعا نطبع منه عشرات الطبعات . ولكن هل منا من يستطيع أن يجلس إلى مكتبه خمس سنوات ليكتب قصة كمدام بوفارى كما فعل فلوبير ، أو يصور عصرا فى قصة واحدة ، كما فعل زولا ؟ أغلب الظن أننا ستعجز ؛ فإن أزيز الطائرات والقطارات والسيارات التى تمرق مروق السهم لن تسمح لنا بالتأنى . إننا نريد أن نجارى العصر ، وذلك علتنا الكبري . السرعة هى الداء الذى يقتل فى الأدب الحديث كل عناصر الخلود )) .
ومع هذه الشكوى التى يرسلها سير هيو والبول فانه يتفاءل خيرا بهذه الحرب فانها ستستنفد طاقة البشر وشهيتهم للسرعة ، وستكون نتيجة ذلك أن يزهد الناس فى السرعة ، وسيكون أول الناس إحساسا بذلك هم الكتاب .
الفن كما تراه كاترين مانسفيلد
فى الجزء الذى صدر حديثا من مذكرات كاترين مانسفيلد صفحات من الخواطر التى كانت تحررها فى فترات متقطعة ، وتدون فيها رأيها فى بعض مسائل الفن والأدب . والذين قرأوا لكاثرين مانسفيلد يعرفون أنها كانت غير سعيدة فى حياتها لما توافر عليها من ظروف وأمراض ، وأنها مع ذلك من القلائل الذين أنتجوا إنتاجا قليلا ، ومع ذلك فقد تركوا خطوطا واضحة فى صفحة الأدب ، ولا سيما فى القصة ، فهى كما يقول المستر موراى جامع هذه المذكرات تنفرد بلون من القصة لا يمكن أن يسمى إلا بقصص مانسفيلد !
وبين الخواطر التى دونها كاثرين مانسفيلد ، وظهرت فى هذا الجزء ، رأى لها فى الفن والفنان . نذكره على علاته لما فيه من عمق ودقة فهم . فهى تقول : (( إن الحقيقة
لا يمكن بأى حال أن تكون هى المثل الأعلى . وليست وظيفة الفنان أن يضرب بالفأس ليستخرج الحق ، ولا أن يفرض على العالم الكائن نظرته إلى الحياة . إن الفن ليس هو محاولة الفنان أن يوفق بين نظرته وبين العالم . وإنما هو أن يخلق الفنان عالمه المنشود فى هذا العالم الكائن . إن ما يلهم الفنان موضوعاته ليس الحقيقة ، وإنما هو نقص العالم أو خلوه مما يتصوره )) .
تلك هى بعض الخواطر التى دونتها القصصية الإنجليزية عن الفن ، وهى كما يرى القارئ فيها من الغموض ما يلمحه القارئ لقصصها نفسها من الإيهام .
الدعاية البريطانية
بالرغم من الاحتياطات القوية التى يتخذها النازى لمقاومة الدعاية البريطانية فى ألمانيا ، فإن هذه الدعاية تقوى وتشتد يوما بعد يوم ، حتى لقد أصبحت مهمة مقاومتها لا تقل أهمية عن مواجهة حالة الحرب عند الحكومة الألمانية ؛ فالنشرات السرية التى تكشف من مساوئ الحكومة النازية لا تلقى من الطائرات فحسب ، بل تطبع فى برلين نفسها ، وتوزع فى كل أنحاء البلاد . ومحطة الاذاعة السرية التى أجهدت الشحنة السرية نفسها للكشف عن أمرها ، تواصل إذاعتها ويستمع إليها الكثيرون ، رغم القرار الشاذ الذى استصدرته الحكومة بإعدام من يستمع إلى إذاعات الأعداء .
وقد كان آخر خطوات هذه الدعاية أن عثر الناس فى برلين مند اسبوعين على إعلانات كبيرة للحائط نحوى بيانا بعدد الخسائر والضحايا الحقيقى معلقة فى كل مكان فى ىرلين وضواحيها - الأمر الذى أفزع رجال البوليس ، ففتح باب التحقيقات الطويلة التى لم تؤد إلى نتيجة . فلجأت الحكومة إلى الحل الذى تستعمله دائما فى مثل هذه الأحوال ، وهو إعدام عدد كبير من رجال البوليس بتهمة الخيانة .
