ليس من شك فى أن العالم الطبيعى قد استرعي نظر الطفل منذ القدم ، فشغف يجب استطلاع كنهه . ونعنى بالعالم الطبيعية تلك الظواهر الطبيعية التى لم تصنعها بد الانسان ؛ والتى ليس في مقدوره ان يسيطر عليها لحد ما ، كالسماء وما رصع فيها من أجرام ، وعلى الأخص الشمس والقمر ، اللذان يتناوبان الليل والنهار ، كانهما يشرقان على أعمالنا ، وكالرياح الهائجة ، التى يخيل إلى الطفل أن قوتها لا تخضع لقانون ، والجبال الشاهقة التى تبعث فى نفسه الروعة والخوف ، والبحار ذات الأمواج المتلاطمة ، التى تتكسر على الشاطئ محدثة ذلك الهدير المتكرر الأبدى ، والأنهار التى لا يقف فيضانها ، والأزهار والأشجار بألوانها المتنوعة الجميلة . تلك كلها عوامل هامة في بيئته ، تقرع سمعه وبصره وكل حواسه وجنانه ، وهو لا بد ملاحظ لها ومهتم باستطلاعها .
ويختلف اهتمام الأطفال باختلاف الفرص التي تسنح لهم لملاحظة تلك الظواهر ، والاندماج فيها . فالطفل الذى يعيش في الريف لديه فرصة أكبر من الذى يعيش فى المدن ليخبر الأشجار والأزهار ، ويراقب الأجرام السماوية والأنهار كما أن الطفل الذى يعيش على ساحل البحر خبرته بالبحار أوسع وأوضح من كل من طفل المدن وطفل الريف ، ولديه فرصة أحسن ليعرف ما إذا كانت الأمواج تحدثها ((السفن والمستحمون)) أم الرياح . ولقد وجد الأٌستاذ بياجيه السويسرى أن عددا كبيرا من الأطفال فى جنيف يعزون الأمواج فى البحيرات السويسرية إلى القوارب والمستحمين .
فهؤلاء الأطفال ، مع كثرة خبرتهم ببحيرة جنيف التى يعيشون على شاطئها ، لم تكن لديهم فكرة واضحة عن سبب ظاهرة الأمواج ، فما بال الذين يعيشون بعيدا عن البحيرات أو البحر ؟ وإن الطفل الذى يعيش في الريف لابد وأنه يعرف ، أحسن من طفل المدن والموانئ ، إن كان النهر يستطيع أن يجرى من المكان المنخفض إلى المكان العالى أم لا ولقد أجرينا بحثا على عدد وفي من أطفال المدن ، فأكد لنا كثيرون منهم أن النهر يستطيع أن بفيض من الأمكنة الواطئة إلي العالية كما أن الطفل الذي يعيش في بلاد جوها جاف ، وسماؤها صافية ، لا بد وأن تؤثر فيه ، فكرا وخيالا ، شمسها الساطعة ، وقمرها الزاهى ، أكثر من الطفل الذى يعيش في بلد ممطر ، سماؤه ملبدة بالغيوم أغلب العام . وليس بعجيب إزاء هذا أن عبد قدماء المصريين الشمس والقمر ؛ ففي بلد كمصر ، سماؤه صافية أغلب العام ، لا يكاد يفوت الإنسان ما للشمس من روعة وجلال ، في شروقها أو غروبها ، وما للقمر من سناء ، حين يبدو زاهيا وسط السماء الصافية ، تحفه النجوم والكواكب .
وإن السجلات التى وردت إلى علماء النفس ، من الأفراد الذين عنوا بتدوين ملاحظاتهم عن الأطفال ،
وما فاهوا به من ألفاظ ، لتفيض بالأمثلة العديدة ، الدالة على شدة اهتمام الطفل بالظواهر الطبيعية . وهناك بعض الأمثلة التي سجلتها الآنسة مورس نيس morse nice عن طفلة كانت مهتمة بملاحظتها وهى تقول عنها : إن من اقاربها كثيرين ممن أغرموا بالطبيعة وبالحيوانات الأليفة ، بينما كان أبوها إخصائيا فى التشريح ، وأمها في علم الحياة ومع ذلك لم يبد على أحد من أهل تلك الطفلة ، ما بدا عليها من شغف بالطبيعة وحب لها . ولقد زادت البيئة التى كانت تعيش فيها فى ذلك الحب . وقد دونت ملاحظتين من ملاحظاتها ، ولم تكن قد بلغت الثالثة بعد ، فقد حدث مساء يوم من الأيام أن تأخرت فى الذهاب إلى النوم على غير عادتها ، ورأت لأول مرة أنوار المدينة فى الوادى الذى تطل عليه ، فقالت : (( أوه . انظرى إلى تلك الأنوار الجميلة ! أظنها قطعا من الشمس )) . وعندما كانت في سن الرابعة قالت : (( ما الهواء ؟ كيف يصنع الناس الهواء ؟ ما سبب الهواء ؟ )) وعند ما كانت فى سن السابعة سألت : (( كيف تستطيع الملائكة والمسيح أن يتنفسوا في السماء على ذلك العلو )) وكانت تظن السماء فى كوكب المشترى .
وتمدنا مسز أيزاكس بمعين لا ينضب من الأمثلة ، وهى التى وقفت ردحا طويلا من حياتها لملاحظة الأطفال وتدوين عباراتهم تدوينا دقيقا فى مدرسة مولت هوس وغيرها ، ودونتها في كتابها (النمو العقلى للأطفال الصغار) ، ثم بحثتها فى كتبها الأخرى ، مثل ( سنوات الطفولة الأولى ) و (النمو الاجتماعى للأطفال الصغار) ، ومنها نرى غرام الأطفال الصغار وشغفهم بالطبيعة كالأشجار والأٌزهار التى يسرون بها ويحبون زراعتها وتعددها وملاحة نموها .
ولقد زودنا الأستاذ سلى (sully) بأمثلة قيمة من ((مذكرات والد )) كان يقيد ملاحظاته عن ولده يوما بيوم ، فيقول : إن الابن والاب كانا يمشيان سويا ذات يوم
قافلين إلا المنزل وقت الأصيل ، وقد ما مالت الشمس إلى الغروب ، فأرسلت حولها أشعة وردية اللون . فأثر ذلك المنظر في الابن( ولم يتعد السادسة ) ، وأخذ يسأل أباه عن بعد الشمس . ولما علم أن السحب ليست جسما صلبا ، بل يمكن اختراقها ، رغب في أن يعرف ماذا في الناحية الأخرى منها ، وقال : (( أهو عالم آخر يا أبتاه مثل عالمنا هذا؟)) وفى فرصة أخرى ، بعد ذلك اليوم بقليل ، جعل يتحدث عن حجم الشمس ، وقال : (( أظن الشمس من الكبر بحيث تمكن وضعها فى الناحية الأخرى ، وموازنتها مع الأرض ، لعمل أرجوحة )) .
وإنا لنستطيع أن نستمر وقتا طويلا في إيراد أمثلة شائقة لما ذكره الأطفال ، وسجله عليهم الباحثون وعلماء النفس ، ويستطيع القارئ أن يجد منها الشئ الوفير فى بعض الكتب التى تعالج سيكولوجية الأطفال .
وما أوردنا تلك الأمثلة إلا لتبين شدة اهتمام الأطفال بالطبيعة ، وضرورة اهتمامنا بتعرف فكرتهم عنها لما عساه يكون من اختلاف بيننا معاشر الكبار وبينهم .
إلا أن تلك الكنوز المضمنة بطون السجلات ، لم تبحث بكل أسف البحث الكافى ، ولم ينتفع بها الانتفاع المطلوب ، سواء فى علم النفس أم فى علم التربية . ولذا فهى باقية كمجرد تحف فنية ، يعجب الناظر جمالها ، ولا يستطيع أن يستفيد منها أكثر من ذلك . مثلها مثل مخلفات المصريين القدماء ، قبل أن يكتشف سر لغتهم ، وتحل طلاسمها التى على مبانيهم وأوراقهم . نقصد بذلك أن تلك السجلات التى أرت عن الأطفال يجب أن نبحث ونستخرج من بطونها قواعد ونظريات تفيدنا معاشر المربين والآباء والأمهات فى معاملتنا لهؤلاء الأطفال وتربيتهم وعلاج أخلاقهم ونفوسهم . لقد تقدمت في القرن الحالي واجر عديدة من سيكولوجية الطفولة ، كدراسة اللغة والتفكير والاختبارات العقلية ، وهى مع كونها لم
نصل من التقدم إلى الدرجة التى وصلت اليها العلوم الأخرى كالطبيعة والسكيمياء والطب مثلا ، إلا أن كثرة الأبحاث التى تظهر كل يوم تبشر بأمل فى أيها ، بعد وقت قصير ، سوف تصل إلى درجة محمودة من الرقى .
أما فكرة الطفل عن العالم فقد بقيت إلى الآن أرضا لم يطرقها الرواد . اللهم إلا محاولات فردية ضعيفة غير متواصلة ،بذلت لفهم طبيعة العالم الكائن فى عقل الطفل ، أى الصورة الموجودة فى عقله عن تلك الظواهر الطبيعية ، والأفكار التى تستثيرها فى عقله الصغير . فما هى ، يا ترى ، تلك الصورة التى يحفظها عن القبة السماوية الهائلة التى لا يصل بصره إلى مداها ؟ وما رأيه فى الرياح التى تدوى فى الليل كالوحش الهائج وتهز الأغصان فتثنيها ثنيا ؟ بل ما رأيه فى الرعد ، وكيف يفسره ؟ أفكرته عنه مثل فكرتنا ؟ ذلك مالا يستطيع أحد أن يقوله ، ما دام ذلك الموضوع لم يبحث بعد بحثا كافيا . أما إذا اعتبرنا القليل الذى كتب فيه صحيحا ، وهو ما لا نميل إليه كثيرا . فإن طفلنا العزيز لا بد وأنه يعيش فى عالم عجيب يختلف كل الاختلاف عن عالمنا الذى نعيش فيه ، عالم لم يتيسر لنا حتى الآن أن ندرك كنهه ، ولم نحاول أن نفعل ذلك أيضا . إن ما ذكرناه ليس إلا طرفا عن ذلك القليل الذى كتب فى موضوع فكرة الطفل عن العالم ، ككتابات بياجيه مثلا ، التى لو صحت لاضطررنا حتما لأن نقلب نظرياتنا فى التربية ، وكل ما يتعلق بالأطفال ، رأسا على عقب . ولكننا الآن يختتم ذلك المقال ببضعة أمثلة أخرى ، نجيب بها عن بعض الأسئلة التى ذكرنا .
لقد أوردنا مثال الطفل الذى يظن السحب كتلة صلبة . وكاتب تلك الأسطر نفسه ، وهو في سن الخامسة ، كان يظن السحب هى الله تعالى ، الذى سمع عنه حينئذ أشياء كثيرة وفى سن السابعة قيل له في المدرسة إنه كلما ارتفع الانسان اشتدت البرودة ، حتى يتجمد الماء على قمم الجبال . فاستنتج هو أنه السحب لم تكن إلا ثلجا متجمدا . وربما كانت تلك
الفكرة الخاطئة راجعة إلى شكل السحب ولونها الأبيض الناصع ، وإلى أنها تشبه كتلا تطفو فى الجو ، تتخللها ثغرات من سماء مصر الزرقاء أما الرعد فلم تكن هناك صعوبة فى تفسيره ، لأنه ليس إلا صوت تصادم تلك الكتل الثلجية التى تذوب وتسقط مطرأ ، ولم ينتبه قبل الثامنة إلى أن تلك الفكرة مستحيلة ، حين اتضحت له بجلاء استحالة طفو الجايد فوق الهواء ، فسأل معلمه الذى أخبره أنها بخار ماء . أما الرعد فقد بقى لغزا غير مفهوم ، إذ كيف ينشأ من تصادم بخار الماء ، وبقي ذلك اللغز سنتين أخريين قبل أن يفهم .
لا يجب أن نندهش من وجود مثل تلك الفكرة ، فقد أورد سلى أيضا مثالا عن طفل آخر ، كان يفسر الرعد بصوت وقع أقدام الله على أرض السماء . ولقد تبين لنا من البحث الذى أجريناه على الأطفال الإنكليز أن الكثيرين منهم يتصورون السماء ككتلة صلبة ، والشمس والقمر والأجرام السماوية الأخرى مثبتة فيها ، كأنها مرصعة وهاك بعض إجاباتهم عن اختباراتنا التى أعطيت لهم مطبوعة تحريريا :
فلقد قالت طفلة فى التاسعة من عمرها إن الشمس تتحرك وتدور مع الدنيا ، وإن (( الدنيا تأخذ القمر معها فى دورانها )) وهى طبعا تقصد (( بالدنيا )) السماء .
وقال طفل فى الثامنة من عمره إن القمر يتحرك مع السماء لأنه لا يستطيع الحركة من تلقاء نفسه . وقال طفل أكثر صراحة وفى العاشرة والنصف من عمره إن الشمس (( تسير مع السحب حول العالم )) وإن القمر كذلك (( يسير مع السحب أربعة عشر يوما حول الأرض )) .
فمن تلك الأمثلة يمكن أن ندرك شدة اختلاف فكرة الطفل عن العالم بالقياس إلى فكرتنا نحن معاشر الراشدين . وواضح ما لذلك من أثر بين في كيفية فهمه لما نلقيه عليه من دروس أو أحاديث .

