تحدثنا في الأسبوع الماضي من أثر الإنسان في الأسماك والحيوانات المائية التي في جوف البحر ، وانتهينا إلي انه من المرغوب فيه تنظيم الصيد بحيث يظل التوازن قائما بين حاجيات الإنسان من جهة ، وبين ما يقتضيه حفظ الأنواع وضمان نمو الأسماك والحيوانات المائية بالقدر الكافي من جهة أخرى .
وكانت الوسيلة الطبيعية لتحقيق هذا هي عقد اتفاقات دولية تنص على أن تكون الشباك المستخدمة في الصيد واسعة الفتحات إلي الحد المرغوب فيه لمنع صيد السمك الصغير ، كما تنص على ضرورة الحد من عدد سفن اسطول الصيد المسموح ، ووضع نهاية كبرى لحمولة هذه السفن لكل أمة من الأمم الموقعة على تلك الاتفاقات .
وقد جربت بالفعل هذه الإجراءات ، فعقدت بين أمريكا وكندا معاهدات من هذا النوع سنة ١٩٢٤ وسنة ١٩٣٠ وتجددت في سنة ١٩٣٧ ، وأحدث العمل بها والتزام محتوياتها احسن الأثر من ناحية الاطمئنان إلي أن المناطق الشهيرة بالأسماك الجيدة النافمة ظلت آمنة من الطغيان وأهلة بالسكان ومرتعا خصيبا لها تنمو فيه وتكبر ولا تتأثر كثيرا بمقدار الصيد الذي يحدث فيها .
وعقدت بعد ذلك مؤتمرات دولية لبحث هذه المسألة انتهت بإقرار بعض القواعد وبتأليف لجان لبحث النقط التي تحتاج إلى استيفاء ، والامل كبير في ان تنتهي هذه الجهود إلي تحقيق ما يصبوا إليه العلماء من احداث التوارن المشار إليه آنفا
وهذه المشكلة تواجهنا في مصر أيضا ، لأن الصيادين هنا كان قد دفعهم الطمع إلى ان يصيدوا مقادير كبيرة
من السمك الصغير حتى أصبح بعض الأنواع مهددا بالإنقراض ، وعند ذاك تفهمت الحكومة إلى ضرورة منع الصيد بالشباك الصغيرة الفتحات ، وهي لا شك ستستفيد من دراسة هذه المسألة بعناية والانتفاع بما يصل إليه الباحثون في هذا الصدد من نتائج .
وتأتي بعد هذه المسألة مسألة أخري أشرنا إليها في نهاية مقالنا في الأسبوع الماضي ، وهي المحاولات الحديثة لاستفلاح البحر بعد استفلاح الأرض . وهذه المحاولات تهدف من جهة إلى زيادة عدد سكان البحار من اسماك وحيوانات ، ومن جهة اخري إلي الزيادة في احجام الأفراد من مختلف الأجناس . ويتحقق هذا عن طريق الوسائل الآتية : الأولى : العمل على تحسين الظروف التي يوجد فيها البيض والأسماك الصغيرة لتزداد فرصة بقائها على قيد الحياة والثانية : نقلها إلي المناطق التي يكثر فيها الغذاء الصالح . والثالثة الزيادة في خصوبة المياه المحبوسة والتي تعيش فيها الأسماك وتنمو .
وأول محاولة لهذه الفلاحة الحديثة للبحار جديرة بالذكر هي التي قام بها كوستيه في المياه الفرنسية على الأصداف . فقد ادرك بعقله العلمي حقيقة أساسية ، هي ان هذه الأصداف تلفت في الماء أعدادا هائلة من اليرقات تسبح على سطح الماء في أول الأمر ثم تسقط إلى القاع فلا يجد منها السطح الملائم الذي تتواغرر فيه النظافة والصلابة الكافية إلا نسبة ضئيلة جدا من المجموع الكلى . وقد استطاع كوستيه بواسطة التجارب التي أجراها والابتكارات التي أبداها أن يمهد السبيل إلى الطريقة الحديثة التي تتلخص في أنه عند بدء الصيف وحلول موسم استعداد الأصداف لوضع البيض ، يوضع في طريقها " مجمعات " مكونة من سطوح نصف أسطوانية عليها طبقة من الجير والرمل ، نجد عندما الملايين من البيض الملقح للأصداف المساحة الكافية
والملائمة التي تنشدها لاستقرارها ونجاتها من الموت . كذلك ادرك كوستيه علاوة على هذا ضرورة توفير نوع من الحماية لهذه الناشئات الجديدة ، فمل على ان يجمع الأصداف الصغيرة من على السطوح نصف الأسطوانية بعد بضمة اشهر ، وتنقل ، على سبيل الإسعاف ، إلي أماكن محاطة بشباك من السلك لكى تحمي هذه اللاجئات من اعدائها العديدة مثل أبو جامبو (السرطان )ونجمة البحر والقواقع البحرية الخ
والمرحلة الأخيرة بعد هذا كله هي نقل الأصداف إلي حدائق شاطئية ، وهي مساحات مترامية الاطراف تستأصل منها الأعداء والدخلاء في وقت الجزر ومثل هذه الحداائق أو المساحات منتشرة في الوقت الحاضر على سواحل فرنسا في عدة مناطق وشاهدة بازدهار هذه الصناعة ورواجها . وقد تضاعف نجاحها على اثر اكتشاف أماكن يكثر فيها الغذاء المناسب للأصداف ، بحيث يزيدها امتلاء وسمنة . وإن لم يصلح لبيضها وتكاثرها
وقد استخدمت وسائل شبيهة بهذه في الممالك الأخرى ، وبخاصة في الولايات المتحدة ، تتضمن تهيئة السطح اللائم للاستقرار ، والتخلص من الكائنات المهاجمة المعادية والنقل إلي أماكن أكثر صلاحية للتغذية
ومن أمثلة هذه الفلاحة الناجحة بالنسبة لذوات المحارتين مزرعة اصداف اللؤلؤه ، في دنجوناب على شاطئ البحر الأحمر التى أنشأها الدكتور كروسلاند فيما بين عام ١٩٢٣،١٩٠٥ ، والتي لولا هبوط سعر اللؤلؤ لظت قائمة إلي اليوم تؤدي وظيفتها على أكل وجه .
ونقل الحيوانات المائية إلى مسافات بعيدة محفوف بمشاكل أعظم من التى تكتنف نقل الحيوانات الأرضية . فأسماك المياه الحلوة لما نقلت إلى أنهار وبحيرات نيوزيلاندا
سلمت وترعرت وعاشت . أما أسماك المياه الملحة فيدخل بالنسبة لها عامل إضافي خاص بها ، وهو الهجرة لوضع البيض . فالمعروف والمشاهد عادة ان السمك ينمو في الأماكن الملائمة لطعمامه . لكنه يهاجر مع التيارات الغالبة إلي مساحات صالحة للبيض ، تتميز بظروف معينة محددة ، بعضها طبيعي وبعضها كيمياوي .
ومن ذلك نري أنه علي الرغم من احتمال استمرار الإسماك حية ومنتعشة ونامية بعد انتقالها إلى مكان جديد فإن تكاثرها قد يكون بعيد الاحتمال ، وذلك نظرا لاحتمال عدم توافر المكان الذي جعلته الطبيعة ملائما لعملية وضع البيض لهذا النوع من السمك بالذات . ولعل الفشل الذي عنيت به محاولات إدخال الرنجة إلى نيوزيلاندا يرجع إلي هذا السبب نفسه .
ننتقل الآن إلي نقطة جديدة . ألا وهي أن نطبق على البحر ما نفعله على الأرض من العمل على زيادة الطعام اللازم والمهيأ للنبات عن طريق استخدام المخصبات أو الأسمدة . وهو موضوع لا زال بالنسبة إلى الفلاحة البحرية في طور التجربة ، وقد قام بشئ منها بعض العلماء في فرنسا ، كما قام بعض علما من النرويح والدانيمارك بتجارب أخري علي المياه المحصورة ، وذلك بإضافة أملاح مغذية تحوي الأزوت والفسفور . وقد كشفت هذه التجارب عن زيادة ملحوظة في الحياة النباتية والحيوانية . كما أنه قد أجريت حديثا جدا تجارب بقصد زيادة مقادير السمك في المنحصرات الصغيرة الواقعة على الشاطئ الغربي لاسكتلندا .
ومن الأمثلة المعروفة لنا هنا بمصر ما يحدث وقت فيضان النيل ، فان الطمي الذي يأتي به هذا الفيضان مسمد جيد لماء البحر ، فهو يمين على نمو النباتات والحيوانات الدقيقة التى يتغذي عليها السردين بصفة خاصة ، ومن ثم سرعان ما يكبر ويسمن فتصطاد منه مقادير كبيرة يشاهدها
أكوما متراكمة رواد بعض المصايف كبور سعيد . وكذلك يهيء مجئ الفبضان ظروفا تنتج عنها عند مصب البر في جهة دمياط أنواع ممتازة من السمك كالنوع الذي كان يعرف بالحضراوي .
وقبل أن تختم نقول كلة عن أثر بعض الأعمال الهندسية العظيمة في الحياة البحرية . ولنضرب لذلك مثلا قنال السويس فقد قدمت إلي مصر عام ١٩٢٤ ( أي بعد فتح القتال بخمس وخمسين سنة ) بعثة علمية من جامعة كمبردج برياسة الأستاذ مترو فكس لدراسة الآسماك والحيوانات البحرية في القتال ، فوجدت أن أعظم عقبة تعترض هجرة هذه عبر القتال هو درجة الملوحة المائية للبحيرات المرة ، تلك البحيرات التي كانت في الأصل واديا مجففا رسبت عليه طبقات من الملح ناشئة عن تجفيف الماء التي تسربت نحو الشمال كامتداد لخليج السويس إلي هذا الوادي .
كما أن مرور تلك الحيوانات ، كبيرها وصغيرها ، كان يتأثر بدرجة أقل من سابقتها بضيق القنال نفسه ، وبدوام حركة مياهه الضحلة ، وقد وجد في القنال والبحيرات مجموعة بحرية متميزة من تلك الحيوانات ، معظمها من اجناس تنتمي إلي البحر الاحمر ، وذلك لان هناك تيارات قوية تسري من هذا البحر إلى البحيرات المرة ، بينما لا نجد من هذه البحيرات إلى البحر الأبيض المتوسط إلا تيارا بطيئا في خلال عشرة اشهر فقط من أشهر السنة
ولا يتمثل البحر الأبيض التوسط جيدا في القنال إلا بالنسبة لأجناس السمك ، لأن حركته مستقلة من التيارات ، وذلك بعكس حركة الحيوانات البحرية التي تكون عادة تحت رحمة التيارات السائدة في المكان . وأخيرا تبين أن بعض الحيوانات الممثلة للمحيط الهندي
يتسرب بالتدريج إلي البحر الأبيض المتوسط ، ومنها ما قد رسخت اقدامها مثل نوع من اصداف اللؤلؤ ونوع من أبو جلمبو وسمك السجان .
وهكذا تسير الأمور سيرا طبيعيا بالنسبة للماء كما تسير في طريقها الطبيعي بالنسبة لليابس .
