الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 445الرجوع إلى "الثقافة"

فلاسفة بلا محافظ، Philosophers without wallets

Share

كثيرا ما أحسست بالحيرة تلم بعقل الرجل غير المتقف إذا سئل عما يعلمه المعلم الذي يتولى تدريس الفلسفة

وهذه الحيرة لن تلم بعقل احد من الناس إذا قلت له إنك تتولى تدريس الكيمياء أو التاريخ أو الرياضيات . فإذا سألني سائل : ماذا تتعلم ؟ وقلت : إني اعلم الفلسفة ، بانت الدهشة على وجه محدثي وبان ذهوله

ولذلك فقد امتنعمت عن التفسير والشرح . ذلك لان المرء كلما تعمق في البحث في امر الفلسفة عجز من الإتيان لها بتعريف جامع مانع .

و العجز في هذا ليس مقصورا على الرجال غير المشتغلين بتدريس الفلسفة وتعليمها ، بل هو كان عند مدرسي الفلسفة المحترفين .

وليس هذا العجز هو الذي يمنعني عن الشرح والتفسير . ولكن الذي يمنعني هو اني كلما ظنت الى قد اوفيت على الغاية في التوضيح والتبيين ظهر أن لحدثي رأيه الخاص وتعريفاته التي وضعها وأصبح بها متميزا عن ماهية الفلسفة وظهر لي أنه يود أن أفرغ من حديثي ليتولى هو شرح تعريفاته ، وحملي علي الانتناع بها ، وهو يقول في تواضع العلماء : - إن لي فلسفة خصصت بها .

فإذا بحثت عن كنه فلسفته تلك ألقينها نظريات من نظريات " روبرت انجرسول " أو " ماري باركرإدي " وقد مسخت من أثر ما أصابها من الوحل والبلل

وفي الحق أن من الرجال غير المثقفين من هو - على أية حال - صاحب تفكير سليم بالفطرة . فهو يعرف الفرق البالغ بين أن يكون المرء فيلسوفا وبين أن يكون مدرسا للفلسفة

وخير مثال لتبيين هذا الفرق هو  اسبينوزا (١) فى فقد رفض اسبينوزا وهو الفيلسوف الراسخ القدم في الفلسفة - أن يدرس الفلسفة في جامعة هيدلبرج .

وهناك ناحية أخرى للبحث ، وهو أنه من الجائز أن يدرس احد الناس الفلسفة وعقله موهبة التفكير الفلسفي .

وما الفلسفة - كما يقول ماتيو ارتولد عند محدثه عن سوفوكليس - إلا محاولة النظر إلى الحياة نظرة رزينة هادئة . وما الفيلسوف إلا من نظر للحياة كأنها وحدة شاملة ، ومن كانت له القدرة على التوفيق بين وجهة نظره وبين ما تأتي ، الطبيعة وما يأتي به القدر

فهل من الضروري لمن كانت هذه وجهته في الحياة ان يؤجر على شرح وجهة نظره تلك او شرح وجهة نظر الفلاسفة الآخرين لتلاميذه في الساعة الحادية عشرة صباحا من أيام الأثنين والأربعاء والجمعة من كل أسبوع .

وإذا كتب لفيلسوف أن يحترف التدريس فعليه أن يدرس اي علم وأي فن إلا الفلسفة . وأولي له ثم اولي الا يدرس شيئا على الإطلاق ، وعليه أن يحترف حرفة سهلة كحمل المظلات مثلا في أحد المتاحف .

ذلك لأن الآراء والأفكار إذا ألقيت في غرفة التدريس تحجرت فصارت مبادئ جافة كالهيكل العظمي لا لحم فيه ولا دم .

وإذا استعرضت أنا الفلاسفة الذين عرفتهم منذ أيام الطفولة فإني لواجد الكثير منهم " فلاسفة بلا محافظ " وأعني بذلك انهم يظفروا بالشهادات الجامعية ، بل إني

لواجد منهم من لم يقرأ الكتب التي ألفها العلماء ، وإذا قرأوها فإن فلسفتهم لا تكون في الأغلب الأهم صدى لنا قرأوه في تلك الكتب .

ومثل أولئك الغلاسفة الذين نسميهم فلاسفة بالرغم من انفسهم ، يجب ان يفصل بينهم وبين الالوف من أولئك الاشخاص الذين نسبوا نفوسهم " خبراء في الفلسفة غير رسميين ، وبين اولئك الذين ليست لهم فلسفة عرفت طريقها إلى دور النشر . وهؤلاء حكمهم حكم أولئك الأفراد المغمورين الذين يمثلون رواياتهم التمثيليية حيث يقيمون في غرف السطوح ، او الذين يحتفظون بصور رواياتهم في حقائبهم .

وإني لأذكر مدعيا من مدعي الفلسفة كان في صدر حياته واحدا من رجال الأعمال ، وكانت لي به معرفة بطريق غير مباشر ، لم يطلب إلي هذا الفيلسوف أن أقرأ عليه ما دونه من آراء فلسفية . ذلك لأن الكثير من تلك الآراء لم يكن قد دون

جاءني يوما هذا الفيلسوف يسألني إن كنت أعرف أحد الخريجين من شبان الجامعة يكون بارعا في الكتابة وله إلمام بالمسائل الفلسفية لكى يستعين ، على إخراج آرائه الفلسفية إلي عالم الوجود ثم إلباسها ثوبا من الكلمات ، على ان يجمل له راتيا سخيا . فوجدت شابا من الا كفاء ، فرح بالراتب وبالوظيفة . وبعد أيام جاءني الشاب بشكو ، ويقول إنه قد برم بالرجل وبفلسفته على الرغم من الأجر السخي الذي هو في أشد الحاجة إليه . وقال لي : إن فلسفة صاحبنا نصفها نظريات جنونية ونصفها نظريات زقاقية

وجاءتني مرة امرأة تضف من مدعيات الفلسفة وسألتني : - ما هي الطريق السلطانية الوؤدية إلي المعرفة ؟ فأجبتها : العقل . فقالت : عرفت شيئا وغابت عنك أشياء .

فقلت : أظنك تقصدين التصوف . فقالت : نعم .

ثم استطردت تقول : إنكم معشر الفلاسفة المحترفين تتناسون هذا . والآن فاعلم ان الطريق الوحيد المؤدي إلي الحقيقة يقوم على نظرية التنفس العميق وعلى هدوء الطبع . .

ثم جلجل صوتها . وبرقت عينيها . فتولاني الرعب . واسرعت الخطى وأنا أقول لها : اعتذر لك ياسيدتي ، فإن عندي بعد قليل درسا في الفلسفة ( من الإنجليزية )

اشترك في نشرتنا البريدية