بعد أن وقفت الحكومات العربية موقفها الحميد من المسألة اللبنانية ، وبعد أن كللت الجهود التي بذلت لنصرة الحق وإزهاق الباطل ، بذلك النجاح الباهر ، أخذت تلك الحكومات تسعى مرة أخري لنصرة جارتنا وشقيقتنا فلسطين ، ولعلها - إن شاء الله - بالغة في سعيها هذا نجاحا لا يقل عما أصابته أمس في مسألة لبنان .
إن الذين يرقبون الجهود المبذولة في أمر الوحدة والتحالف بين الأقطار العربية ، كانوا دائما مشفقين من أن تقوم في سبيل تلك الجهود عقبات شديدة حينما تعترضها المشكلة الفلسطينية . . وأنها لن تلبث عندئذ أن تفتر أو تهمد . ومن حسن الحظ أن هذه الظننون لم تتحقق وأن الحكومات العربية لم تبد أدنى فتور أو تردد أمام هذه المشكلة التى يتوهم كثير من الناس أنها أعقد المشاكل في العالم العربي كله .
والصحيح أن مسألة فلسطين ليست أقل قبولا للحل من أية مشكلة أخري ، إذا هي عولجت بروح خالصة ، وبعد عن الشهوات والأهواء ، وتحرر من تلك النزعات الشريرة ، التي خاضت الديمقراطيات هذه الحرب للقضاء عليها ، أما إذا كانت الوسائل المتبعة في معالجتها مبنية على القهر والبطش ، والبعد عن الإنصاف ، فإن مشكلة فلسطين ستزداد على الزمن تعقدا .
لقد عانت جماعات اليهود في كثير من أقطار العالم من الشقاء والعذاب والاضطهاد ، ما هو معروف ، وذلك في العصور الوسطى والعصور الحديثة ، ولكن هنالك دولة واحدة ومجموعة واحدة من الأقطار عاش فيها اليهود في أمن ويسر ورخاء ، ناعمي البال قريري العيون ، متمتعين بالحظوة والعناية والرعاية ، تلك هي الدولة العربية ، والأقطار الإسلامية . ولقد بلغ من اندماج اليهود في الحضارة
العربية أن الأدب العبري في العصور الوسطي تأثر كثيرا بالثقافة العربية في الشرق وفي إفريقيا والأندلس . وعندما لقي اليهود في أسبانيا العذاب والاضطهاد في ظل محكمة التفتيش " دعاهم السلطان العثماني سليمان لأن ينزلوا في دولته الواسية الأطراف ، حيث نعموا بالأمن بعد الخوف ، وبالعز بعد الذل ، وبالرخاء بعد الشدة .
وهكذا كانت الأقطار التي يسودها الإسلام ، هي الوحيدة في العالم التي لم ينشأ فيها في أي وقت من الأوقات روح بغض اليهود . لهذا كان من العجب أن يكون الشعب اليوم هو الذي يدفع الثمن المرهق للاضطهاد الذي عاناه اليهود في البلاد غير العربية . ومن العجب ألا تحس جماعات اليهود أنهم بهذا يقابلون الإحسان بالإساءة والجميل بالنكران . ويصبحون أداة لاضطهاد شعب بريء، وهم الذين طالما ضجوا بالشكوى من الاضطهاد .
إن من المعقول المقبول أن يتعلق الشعب اليهودي بفلسطين ، وبالأرض المقدسة التي نشأ فيها دينهم ، والتي عاش فيها أنبياء بني اسرائيل ؛ وأن ينظر إلى ذلك القطر نظرة إكبار وإجلال . ومن الضروري أن تكون هنالك صلة مقدسة بين اليهود في جميع أنحاء العالم ، وبين ذلك القطر الكريم . كما وللمسلمين صلة وثيقة بالجهات المقدسة في الحجاز وفلسطين . ولكن أقل تفكير - بعيد عن التحمس والطيش - يرينا أن تلك الصلة لا يمكن أن تكون صلة روحية ، وأن " الوطن القومي ، في فلسطين لا يمكن أن يكون إلا وطنا روحيا . ومن العبث أن يبني هذا الوطن الروحي علي دعائم من المشاريع الصناعية والتيارات الكهربائية ، والمداخن الطويلة ، التي شوهت وجه ذلك القطر الكريم ، ومسخته مسخا أليما
إن في العالم اليوم من اليهود نحو سبعة عشر مليونا من الأنفس . كان توزيعهم قبل الحرب الحاضرة على الصورة الآتية . ونسبتهم المئوية لمجموع السكان :
الولايات المتحدة بولنده اتحاد السوفييت رومانيا المجر ألمانيا فلسطين بريطانيا تشيكوسلوفاكيا فرنسا أرجنتينا كندا مراكش لتوانيا سائر الدول
٤،٧٠٠،٠٠٠ ٣٢٥،٠٠٠ ، ٣ ٣،١٨٠،٠٠٠ ٨٠٠،٠٠٠ ٥١٠،٠٠٠ ٤٧٥،٠٠٠ ٤٤٠،٠٠٠ ٣٥٠،٠٠٠ ٢٩٠،٠٠٠ ٢٨٠،٠٠٠ ٢٧٥،٠٠٠ ١٨٥،٠٠٠ ١٧٥،٠٠٠ ١٦٥,٠٠٠ ١،٧٠١،٠٠٠
(٤%) (١٠) ( ٢ ) ( ٤ ) ( ٦ ) ( ١ ) (٣٠ ) ( ١ ) ( ٢ ) ( ١ ) ( ٧ ) ( ٢ ) ( ٣ ) ( ٧ )
فهذا العدد العظيم من الأنفس لا يستطيع أي عقل منصف أن يتصور أن يتسع له قطر من فلسطين لا تزيد مساحته على عشرة آلاف من الأميال ولقد يرى بعض المتحمسين من قادة اليهود أن من الممكن ، بتحويل فلسطين إلى قطر صناعي أن تتسع لبضعة ملايين من الأنفس ، بل لقد يذهب بعضهم إلى أبعد من هذا . ولكن هذه التصورات لا تعدو أن تكون أوهاما يولدها الخيال . والذين يحبون الأرض المقدسة وتربطهم بها تلك الروابط الروحية العزيزة ، يؤلمهم أشد الألم أن يتصوروا ذلك القطر الكريم ، وقد شوهته تلك المشروعات الصناعية المفتعلة ، وألبسته ثوبا من الدمامة يعادل ما نراه في الأقطار الصناعية في أوربا .
لقد وسعت فلسطين نحو نصف مليون من اليهود ما يعادل ثلث سكان القطر كله وبهذا زادت نسبة اليهود على نسبتهم في أي قطر من الأقطار بمقدار كبير . ولا يمكن لأي منصف أن يطلب من سكان فلسطين أن يضحوا بكيانهم الشعبي بأن يسمحوا لأنفسهم بأن يصبحوا قلة ضئيلة في وطنهم وديارهم .
وليس تغلغل اليهود في فلسطين مقصورا على مجرد النسبة العددية . بل لقد استطاعوا بفضل أموالهم الطائلة
أن يشتروا مساحة عظيمة من الأراضي الزراعية . أكثرها في الأقاليم السهلة مثل مرج ابن عامر الذي يعد أغنى بقاع فلسطين وأكثرها خصوبة . وفي الخريطة المرسومة هنا وهي منقولة عن تقرير القومسيون الملكي ، برئاسة اللورد بيل ، أمام ١٩٣٦ تري كيف استطاع اليهود أن يمتلكوا مساحات واسعة في الجهات الشمالية ، وهي الأ كثر ماء وخصوبة ، وعلى سواحل البحر المتوسط من عكا إلى قرب الحدود المصرية ، وقد استطاعوا أن يستصلحوا كثيرا من الأراضي الرملية التي لم تكن تزرع من قبل . ولكن من الخطأ أن يتوهم أحد أن جميع أراضي المستعمرات اليهودية هي من هذا الطراز ، بل أكثرها أرض صالحة كانت تزرع من قبل
وهكذا نري أن لليهود اليوم في فلسطين عددا كبيرا من المهاجرين ، قد استقروا في الأرض المقدسة واستوطنوها كما أنهم يمتلكون نسبة عالية من الأرض الجيدة فيها ، يزرعونها ويستثمرونها ، إلى جانب مشاريعهم الاقتصادية الكثيرة ، تجارية كانت أم صناعية .
وليست المشكلة الحقيقية التي تواجه اليهود اليوم هي مشكلة الهجرة ، والحاجة إلى أقطار مثل فلسطين لكي يهاجروا إليها ؛ فإننا إذا تأملنا تاريخ الهجرة إلى فلسطين رأينا ظاهرة غريبة . وهي أن نحو خمسة وسبعين في المائة من أولئك المهاجرين جاءوا من وسط أوربا وشرقها . وأن الذين هاجروا إلى فلسطين من بريطانيا أو فرنسا أو إيطاليا عددهم ضئيل جدا بالنسبة إلى مجموع المهاجرين ، وأن الولايات المتحدة الأمريكية - وهي التي تحتوي نحو خمسة ملايين من اليهود ، أي أكثر مما يحتويه أي قطر آخر - لم يهاجر منها إلى فلسطين سوى ثمانية آلاف نسبتهم إلى مجموع المهاجرين ثلاثة في المائة !
فمن الواضح أن المشكلة الحقيقية التي تواجهها جماعات اليهود اليوم ليست الحاجة إلى المهاجرة إلى فلسطين التي لا يمكن أن تسع لاكثر من نسبة صغيرة منهم ، بل الحاجة الحقيقية هي أن يعامل اليهود في الأوطان التي يعيشون فيها معاملة حسنة ، مثل التي يلقونها في غرب أوربا وفي الولايات المتحدة ، وهذه هي الوسيلة التى يمكن أن تحل بها المشكلة اليهودية ، وإلى هذا السبيل يجب أن توجه جهود قادة اليهود .
إن أول مهاجرة لليهود إلى فلسطين لم تحدث بعد الحرب الماضية كما يتوهم كثير من الناس ، فان هناك مستعمرات قديمة أسست في أواخر القرن الماضي ، وأوائل القرن الحالي ، وهي من احسنها وأ كثرها نجاحا . ولقد أسست في ظل الحكم الإسلامي ، دون أن تسبب نفورا بين الطوائف التي تسكن فلسطين . وعند نهاية الحرب الماضية كان في فلسطين نحو ثمانين ألفا من اليهود ، يعيشون في وئام وتفاهم مع سائر السكان .
من الخطأ إذن أن يعزي تأسيس الوطن القومي لليهود إلى تصريح بلفور الصادر عام ١٩١٧ ؛ فإن كل ما صنعه هذا التصريح هو أنه قال إن الحكومة البريطانية تنظر بعين الرضى إلي تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين ،
ولكن ذلك الوطن في صورته الصحيحة قد أنشئ قبل ذلك العهد . وكان من الخير أن إكمال ذلك الوطن إن كان في حاجة إلى إكمال - يظل كما كان من قبل أمرا بين اليهود والعرب ، وأن يتمشى روح الاعتدال التي أسس بها . ولقد كان من المحزن أن الأمور لم تسر في هذا المجري ، وأن اليهود قد قرروا ألا يكتفوا بإنشاء " وطن قوي " ، في أرض فلسطين ، بل أن يحولوا فلسطين إلى دولة يهودية . فنادى زعيمهم بأن فلسطين يجب أن تغدو يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية وبلجيكا بلجيكية . وهذا القول - إن دل على معنى - فإنه يدل على إصرار قديم على السيطرة الثابة على القطر الفلسطيني ، وتحويل السكان الأصليين إلى أقلية ، قليلة الخطر .
هذه السياسة قد عبرها الزعماء اليهود صراحة منذ عام ١٩٢٠ ؛ واضطرت الحكومة البريطانية لان ترفضها بصورة رسمية لا تقبل الشك أو الإبهام في عام ١٩٢٢ ؟ ثم كررت هذا الرفض في الكتاب الأبيض عام ١٩٢٩ . فقد ساء في البند الرابع من ذلك الكتاب العبارة الآتية :
" لقد سبق لحكومة جلالة الملك في الوثيقة الرسمية التي صدرت في عام ١٩١٢ ان اعلنت ان تصريح بلفور لا يري - ولم يقصد به أن يري - إلي تحويل فلسطين إلي دولة يهودية . والحكومة البريطانية لا تخيل مثل هذا التأويل ولا تقره . ولكن هذا البيان لم يمح الشكوك التي لا تزال قائمة ولهذا فإن حكومة صاحب الجلالة تعلن اليوم بكل قوة انه ليس من سياستها - ولم يكن في سياستها في أي وقت - ان يجعل فلسطين دولة يهودية . بل هي تري أن مثل هذا الأمر مناقض تمام المناقضة لالتزاماتها نحو العرب في صك الانتداب ، ومناقض للعهود المقطوعة للعرب في مناسبات عديدة " .
ذلك ما جاء في الكتاب الأبيض عام ١٩٣٩ ، وهو الوثيقة التي تشتمل علي الخطة النهائية ، التي قررت فيها الحكومة البريطانية السياسة التفصيلية التي تنوي اتباعها في فلسطين ، تلك الخطة التى اهتدى إليها سياستها بعد
التجارب القاسية التي مرت بالقطر الفلسطيني وسكانه في مدى تسعة عشر عاما . وقد التزمت الحكوية البريطانية ان تمضي في تنفيذ هذه السياسة ، التى كانت وليدة التفكير الطويل والمشاورة بينها وبين اليهود من جهة ، وبين العرب من أهل فلسطين ، وممثلي الأقطار العربية - ومنها مصر - من جهة أخري .
وتتلخص السياسة التي تعهدت بريطانيا بتنفيذها في ثلاثة أمور : أولها أن تنشئ في فلسطين حكومة دستورية وطنية بعد مضي عشر سنوات ، وان تهد لذلك بعد انقضاء خمس سنوات من استتباب الأمن في فلسطين .
الثاني : أنها لن تسمح بالمهاجرة إلي فلسطين لاكثر من 75000 يهودي وذلك في بحر خمس سنوات ابتداء من أبريل عام ١٩٣٩ إلى نهاية مارس عام ١٩٤٤ . وثالثها : تنظيم بيع الأراضي ، بحيث لا يتعرض العرب لضروب من الشدة والإرهاق بسبب إقبال اليهود على شراء أرضهم ،
إن هذه الوثيقة الصريحة هي عهد مقطوع من الحكومة البريطانية . وجميع الشعوب العربية تتطلع بشيء غير قليل من الاهتمام ، لكي تراها تفي بهذا العهد وفاءا صريحا لا مواربة فيه ولا مداورة . ففي نهاية شهر مارس المقبل تنتهي الفترة التي يسمح فيها لليهود بالمهاجرة إلي فلسطين . وبعد نحو شهرين يحين الموعد الذي تعهدت فيه حكومة بريطانيا بأن يشترك الفلسطينيون في حكم بلادهم ، وأن تنشئ نواة الحكم الدستوري فيها.
ليس من شك في أن الحكومة البريطانية تتعرض اليوم لضغط شديد من هيئات وأفراد ذات نفوذ كبير ، بقطع النظر عما تقوم " جماعة الإرهابيين في فلسطين نفسها ولكن السياسة الحكيمة تقضي بأن تمضي بريطانيا في تنفيذ ما تعهدت به . لأن هذا أمر لا يرتبط بعلاقتها من الشعوب العربية وحدها بل هو متصل بمركزها الدولي كله ، وبسمعتها بين شعوب العالم في هذا الوقت العصيب .
