يلاحظ الدارس لعلم الاجتماع في مصر ظاهرة تعدد الألقاب وميلها إلي الكثرة ، فهناك أصحاب العمرة والسعادة والمطرقة والنخابة والفضيلة والعظمة والمجد والنيل والسمو والمعالي والرفعة والعصمة ، ثم أصحاب الجنايات والدول والقامات والنياقات ، ثم الشيخ والجليل والشريف والزعيم والوجيه والسيد والخواجه والأفندي والبك والباشا ، ثم ألفاظ التمييز الكنابية كحضرة والمهذب والأديب والفاضل وسليلة الشرف وكريمة المجد والعالم العلامة ... الخ مما لو أحصينا ، للا صفحات
ومن الواضح أن هذه الألفاظ لا تستعمل في معناها ، فليس صاحب السعادة بأسعد من غيره ، ولا صاحب العزة بأعز من غيره ، ولا صاحب الدولة بمالك لها ، ولا هناك في معني الكلمات ما يدل على أن صاحب المعالي أعلي أو اقل درجة في السلم الاجتماعي من صاحب الفخامة أو صاحب العزة ، إنما الأمر أمر اتفاق وتقليد . وقد يستعمل الناس لقتهم في غير معنى ألفاظها ولكنهم يقصدون بها دائما التعبير عن شئ ، والمعبر عنه في الحالة التى نحن بصددها هو نوع من إعلام المخاطب بأنه ممتاز
عن التكلم أو العكس ، فإذا كنت كناسا في الطريق وقلت لمخاطبي يا أفندي وقال هو لي يا رجل ، كان هذا انقاما لفظيا بيننا على أنه ممتاز عني .
ومن المتيسر ترجمة معظم الألقاب التي اقتبسها هنا إلى لغة مفهومة تدل على معناها ، وذلك بأن نقول مثلا أن أفندي = ممتاز بك = ممتاز جدا ، سعادة الباشا = ممتاز جدا جدا ، معالي الباشا = ممتاز جدا جدا ، دولة الباشا = ممتاز جدا جدا جدا جدا .. الخ وقد يبدو لأول وهلة أن من الصعوبة تقدير درجة امتياز صاحب الفضيلة أو صاحبة العصمة في هذا " البروتوكول " الجديد ولكن الصعوبة تتلاشى بعد شئ من التفكير والتحايل ، فإذا كان صاحب الفضيلة شيخ كلية من كليات الأزهر أمكن امتيازه ممتازا جدا ، وإذا كان مجرد مدرس أمكن اعتباره ممتازا وإذا كانت صاحبة العصمة زوجة صاحب معالي اعتبرت ممتازة جدا جدا جدا . وهكذا وبعد فما الذي يحدو بمجتمع على أن بعد أفراده على تقسيم أنفسهم هذا التقسيم وعلى أن يعد على ذكر درجة الامتياز في الحديث سواء أكان استفهاما أو طلبا أو إحبارا أو وجاء ؟ ثم ما الذي يجعله يصبح البالغة في تقدير امتياز أحد أفراده ويحرم إهمال ذكر الامتياز ، بل يعتبره وفاحة بل قد يعاقب عليه ؟ حدث مرة أن دخل موظف إلي مكتب رئيسه الأعلى فدار بينهما الحديث التالي الذي ترجمته بأمانة حتي يدرك القارئ معناه .
- هل أحضرت الدوسيه يا " ممتاز " ؟(١) - نسبته يا " ممتاز جدا " . -" مماز جدا " ؟ ودق الرئيس الجرس فحضر سكرتيره مسرعا فقال له بغضب . اخصم من هذا الرجل يومين حتى يتعلم كيف يخاطب " الممتازين جدا جدا جدا "
ولنفس السبب الذي يدعو الفاريء الآن إلي الحكم بأن هذا الأسلوب من الحديث بين الناس سخيف مضحك نحا المجتمع نحو الغموض وتحاشى المعنى المقصود واتخذ من كلة " أفندي " و " معالي الباشا " وغير ذلك من الألقاب ألفاظا يستر بها عدم وقار العلاقة بين أفراده .
والأصل في عدم الوقار هما الخضوع والخوف ، وهنا بيت القصيد . فقد يتخذ المجتمع إحدي الغرائز بعد تنسيقها إلى عادة تم يرتفع بها إلى مكان القيم الإنسانية ، وهو يفعل ذلك إذا وجد بالتجربة أن هذه الغريزة تساعده في المحافظة على كيانه وفي إعطائه قسطا من النجاح واليسر .
وللخضوع والخوف مكانهما في المجتمع غير المريض ، ففي نطاق الجندية مثلا تنسق هذه الغرائر إلي عادات تضعف في الجندي خوفه من العدو يجعل رؤسائه موضع الخوف ، ولكنها في المجتمع المريض لا تنسق إلي عادات مفيدة فيكون الخوف غريز يا كشفورك بالرهبة مثلا عند مقابلة موظف ذي مرتب ضخم ، ويكون مفتعلا فيبدو فيمن يصطنعه كنوع من الإسراف في التأدب في حضرة ذوي النفوذ .
ثم مما لاشك فيه أن المجتمع المصري يستغل الخوف والخضوع في قضاء حاجاته إلى مدى لم يبلغنه أي مجتمع آخر ، حتى لقد صغنا المبالغة في الإطراء والإسراف في إظهار الذلة وتحاشى تسمية الرذيلة باسمها وافتقار وقاحة المركز والمال والجاه ، صغنا كل هذا إلي نظام خلق يمكن تسميته بآداب اللياقة المصرية .
ومما لاشك فيه أيضا أن آداب اللياقة المصرية هي سبيل ناجح في قضاء حاجات الفرد الذي لا يشعر بتناقض بينها وبين رجولته وعزة نفسه .
ولا أدل على نجاح آداب اللياقة في بيئتنا من مقارنة ظاهرة الألقاب في مصر وفي غيرها من البلدان ، ففي مدى العشرين السنة الأخيرة حرمت أغلبية العالم نظام الألقاب وفي نفس المدة زادت الألقاب عندنا بأكثر من الربع كما
ترى من الأمثلة التي ذكرتها هناك ! وهناك ظاهرة غريبة لا أعرفها في أمة أخري غير مصر ، ففى بلاد كانجلترة مثلا لا تجد أفراد الشعب تتهادي الألقاب كما نفعل نحن ، إذ لا يخطر على بال مستر جون سميث إذا أراد مداهنة مستر جون سميت آخر أن يقول له " يا سيرجون " . ولا " لسير جون " إذا أراد إرضاء " سير جون " آخر أن يقول له " بالورد سميت " اما في مصر فكل أفندي بك وكل بك سعادة اليك وكل امرأة سيدة وكل سيدة " صاحبة عصمة " أو " كريمة " وكل محاولة لحد هذه الألقاب لا تعدو محاولة صاحب الامتياز للاحتفاظ بامتيازه وكل اقتصاد في استعمالها يعتبره المجتمع وقاحة وخروجا عن آداب اللياقة.
وكما يستغل صاحب اللقب لقبه ليتمتع بلدة الامتياز وبإعجاب الناس حوله وليوفر على نفسه مؤتة القيام بواجبه بأن يخلق حوله صباحا من الخوف وبأن يعتمد على إرهاب الناس ، كذا يستغل صاحب الحاجة لقب صاحب اللقب لنوال مآربه بأن يشعر بالخوف أو يتظاهر به وبأن بيدي الخضوع ويسرف في الثناء ، وذلك لا يصبح لحق أو واجب أو عدل مكان في معاملة الناس بل يترتب نجاح أحد الخصمين على قدرته في تمثيل دوره ، فإذا زادت رهبة صاحب السلطة على ذلة صاحب الحاجة كسب الممثل الأول فإذا أسرف صاحب الحاجة في حضوعة حتى زاد خوفه على رهبة صاحب السلطة كسب المثل الثاني .
وهكذا نحن قوم صغار في أمة صغيرة ينقصنا لإدراك فهم احترام الغير بأنه لا يعدو احترام النفس ، كما ينقصنا الكثير مما يعتز به الرجل الفاضل من خلق العلم والجمال وتقدير الخير والقيام بالواجب ولذة التدرج من النقص إلي الكمال .
فلما نقصنا كل هذه استعضنا عنها بالوهم والإعجاب الرخيص
