( تتمة ما نشر في العدد الماضي )
ويفسر طاغور انفصال إرادة الإنسان عن إرادة الله انفصالاً ظاهرياً غير مطلق، بأن الله قد منح الإنسان بدافع من حبه له حرية التصرف في شئون العالم، كما يمنح الأب لابنه مقداراً من المال، ويترك له حرية التدبر في حدوده؛ فهذا المال ما زال ملكا للأب وإن وهبه لإبنه، وأخرجه من نطاق إرادته. وكذلك المال بالنسبة للإنسان، فإن حرية إرادته دائماً ملكا لله، وأنه أغدق بها عليه، وأخرجها من نطاق إرادته، وترك له حرية العمل في حدودها، وفي مجال الشئون العالمية.
فالإرادة عند طاغور حرة من جهة، ومقيدة من جهة أخرى فهي أولا حرة من حيث أن الله وهبها السيادة على الأمور المتصلة بعالمنا الصغير؛ حتى يمكن أن تخضع لقانون إرادته الكبير طائعة مختارة، وبدون فيض أو إلزام؛ وحتى تتحد باللانهاية، وتتفق حريتها الكاملة إللامحدودة، التي لاتتم إلا بتوافق اتحاد إرداتين
حرتين. وهي ثانياً مقيدة من حيث أن الله جعلها محدودة، وخاضعة لقانونه، إذ لو منح الإنسان إرادة غير مقيدة بقانونه، وتعمل بدون حدود، لفقدت قدرته كل معنى لها، ولتعذر عليها أن ترتقي وتكمل، لأن القوة لا تنمو وتتطور وترتقي وتكمل، إلا إذا كانت تعمل في حدود؛ أي أن الإرادة التي تعمل في حدود، يمكنها أن تتقدم في الرقي إلى أن تكمل، بأن تخضع لإرادة الله إللامتناهية، وتندمج فيها، وتصبح هي وإرادة الله إرادة واحدة تملك حرية مطلقة غير محدودة.
أما عن الإرادة التي تتخدع بحريتها المحدودة، وتتدفع في تيار الانفصال، وتتمرد على إرادة اللانهاية، بدافع من الأنانية والغرور والكبرياء وحب السيطرة والعناد والجشع وحب التدمير، وبدافع من جهل حقيقة وحدة الكون الكامنة في الطبيعة الإنسانية؛ فإنها ستعيش أبداً في حدودها الملوثة بالشهوات،
وستظل أسيرة المظهر وسجينة الباطل، فتقع في الخطايا، وترتكب الآثام والذنوب، وتجلب على نفسها العار والمذلة، وتضطر في النهاية إلى أن تتراجع شيئاً فشيئاً عن مسلكها الخاطئ، وترجع إلى منبعها اللانهائي الذي فصلت منه بإرادة الله، وتخضع إرادتها الفردية للإرادة الكبرى، بأن تظهر طبيعتها الكامنة في النفس الإنسانية، وتشعر أن الوجود كله وحدة كاملة، وتدرك أن وجودها
الفردي في اتحاد تام مع هذا الوجود الشامل، وبذلك تحقق حريتها الكاملة، مثلها في هذا مثل البرعم، فإن كانت حرية البرعم لا تخفق إلا بظهور الزهرة الكامنة فيها، فإن كمال حرية الإرادة لا ينال إلا بمعرفة الحقيقة الكائنة في أعمق أعماق النفس، وإدراك اتحادها بالجوهر الثابت الذي يشتمل سائر الأشياء. وذلك لا يكون إلا بخضوع إرادة الإنسان لسلطان إرادة الله اللامتناهية عن طريق العمل الدائم المتجدد في مختلف نواحي نشاط الإنسان، وعن طريق فعل الخير وأفكار الذات، وعن طريق ملاشاة فرديتنا الإنسانية في الله، والإيمان العميق بحقيقة وحدة الوجود الشاملة. . .
وقد يرى لي بعض الهنود أن اعتزال الحياة، وتجنب المجتمعات واحتقار الأعمال الدينوية، وهجرة الأهل، والتجول في الغابات وسكن الكهوف والمغارات من خير السبل لتحقيق حرية الإرادة الكاملة، وتخليص الروح من العوائق المادية التي تحول دون انطلاقها في اللانهاية غير مقيدة بأي قيد. غير أن طاغور ينكر على هؤلاء الهنود أنه يمكنهم بهذا السلوك، أن يفوزوا بحريتهم الكاملة في الحياة، لأن النفس مهما كانت طهارتها لا تستطيع أن تعيش حرة على احساسات ومشاعر وأفكار محبوسة في داخلها لا تشغل بموضوعات خارجية؟ وأن الإرادة مهما بلغ تحررها من الشهوات والرغبات، ونالت من حرية روحية؛ بأنها لا تحقق حريتها الكاملة في الحياة ما دامت هذه الإرادة تنفر من العمل، ولا تقبل أ، تؤدي أية مهمة في العالم الإنساني، غير أن تقطع علاقاتها بكل ما في الأرض، ناشدة بذلك تحقيق إدراك وحدة الوجود الشاملة الكامنة في قرار الطبيعة الإنسانية.
وقد يتمادى بعض القوم، ويظنون أن الخوض في الحياة يسبب للإنسان آلام متنوعة ومتاعب جمة، تقلق النفس، وتدب فيها الخوف، وتملؤها بالخزن كما يزعمون أن الموت نهاية الحياة فيكفي أن تقوم بأعمال تسد رمقنا، ونبعد عنا قساوة الجوع والعطش؛ إذ ما فائدة عمل متواصل يتحدد في حياة يهددنا فيها الموت في كل لحظة! وطاغور لا يغفل ما في الحياة من آلام قاسية، ومتاعب مضنية، قد تكشف عن خيبة الإنسان في عمله وتبين له نقصه في المعرفة، وتشعره بضعف في إرادته؛ إلا أنه يقرر إنه إذا نظر إلى أعمالنا الفردية من ناحية محدودة، يكون
وقع الآلام قاسي على النفس، أما إذا نظرنا إليها من ناحية أعم وأوسع، فشمل ما يقصد بها من تحقيق المثل الأعلى لكمال الحياة تشعر بالسرور، وتذهب وطأة هذه الآلام عنا حين نعرف أن أعمالنا ترمى إلى غاية سامية يهون في سبيلها المتاعب. كما يمكن أن نتجنب الفشل في العمل بالمصابرة في التدريب عليه حتى تتقن أدائه؛ وأن نصلح ما نقع فيه من أخطاء بإكمال نقصنا في المعرفة،
وبالتزود بنور العلم؛ وأن تقوى ما في إرادتنا من ضعف بمحاربة الباطل والشر في داخل نفوسنا وخارجها. وذلك كله يعمل على تقدم الحياة الإنسانية ورقيها. وقدرة الحياة على التقدم لدليل قاطع على كذب حس قوم يمعنون في التشاؤم، ويعتقدون أن الحياة شر في شر، وأن المؤمن فيها لا يجلب إلا الآلام والمتاعب.
ولذلك يرى طاغور أن التشاؤم ليس إلا مجرد مظهر عاطفي أو عقلي ينبذ ما في الحياة من سرور وقدرة على التقدم، فيحدث قوى من الحزن المصطنع الذي يظمئ بدوره النفس إلى الاستزادة من التشاؤم، ويبعث فيها اليأس والقنوط، فتوقع الفشل في كل عمل وتتوهم الموت في المخيف المرعب في كل خطوة، فلا ترى في الحياة إلا آلام وموت بينما يمكن التغلب على أسباب الآلام كما سبق أن ذكرت. أما الموت فما هو إلا حقيقة سلبية، وليس حقيقة أخيرة في الوجود، وإنما الحقيقة اللانهائية فهي وحدة الكون الشاملة، وما هو كذلك إلا حدث من أحداث الحياة التي يعد الموت جزءاً منها، ولا يعبر عن حقيقتها إنما يعبر عن حقيقته فقط فلا يجب أن يفزعنا كل هذا الفزع ونقصر في العمل، ونهمل التجديد فيه ونقنع فيه بذلك العمل الذي تقرره لنا الطبيعة كما تعمل الحيوانات من أجل الطعام والشراب.
ليس هناك إذاً باعث جدي يمنع الإنسان عن العمل، فإن الفشل سبيل إلى النجاح، والألم وجه من أوجه السرور، والنقص هو الذي يدفعنا إلى الكمال، ويجعلنا عظماء في الحياة. فلا يجب أن يفزعنا الألم والحزن، ونتجنب العمل المتعب، فإن حرية الروح في تحمل المتاعب. وعلى الذين ينشدون تحرير أرواحهم، ويريدون الحياة في اللانهاية، أن يزاولوا أعمالا مستمرة جدية ومجدية، وأن يخلقوا ميادين متعددة للعمل، ويجتهدوا في ترقيتها وتوسيع نطاقها، وألا يقنعوا بالأعمال البدائية التي تقررها لهم الطبيعة. فإن الاستمرار في العمل يحرر قوى الإنسان، وعينها
ء القدرة على التجديد فيه. فإن الرجل الذي يحول غابة موبوءة إلى حديقة جميلة، قد حرر قواه واستطاع أن يعطى هذه الحديقة جمالا يعبر عن جمال روحه؛ أما إذا تعذر عليه أن يعطيها هذا الجمال، فقد فشل في تحرير روحه من الداخل، وخاب في التعبير عنها بالعمل، وعليه أن يستمر في مزاولة عمله والتدرب عليه حتى يحرر قواه فيتمكن من أن يظهر طبيعته في مختلف نواحي النشاط الإنساني. إلا أن هذا الإظهار لا يتم ما لم يتحرر العمل نفسه من ضغط الحاجة من ناحية، وما لم يتميز كوسيلة يقصد بها وجه الله،
وما لم يرفض النظر إليه كفاية في ذاته، وينتظر من ورائها نفع قروي نحسب من ناحية أخرى. لأن الحرية الصحيحة لا تكتسب فقط بالعمل بل يشرط في اكتسابها حرية الإنسان في عمله ولا يساق إليه بحكم ظرف عارض مثل الفرق أو الجوع، فإنه حين ذاك يعمل وفق المصادفة والاتفاق، ويصير عمله نوعاً من التدبير الوقتي المصطنع الذي لا بد أن يتركه بعد أن يزول أو يتغير هذا الظرف العارض. فوق أن ضغط الضرورة يعوق النفس عن إظهار حقيقة طبيعتها في العمل. ولذلك لا يجب أن يكون باعثنا على العمل الفرق أو الجوع، وليكن دائماً دافعنا إليه حب الخير وتأديتنا له لوجه الله. فإن الذي يهب حياته لتحقيق فكرة سامية يقصد بها خدمة الوطن أو خير الإنسانية، لا يبالي عادة بكل ما يقابله من عقبات ومتاعب وآلام، بل يرحب بأن
يضحي بحياته، ويقدم على الموت في سبيله تحقيق ذلك الخير الذي سيعم الجميع لأن أداء مثل هذه الأعمال الخيرة تعطي للحياة قيمة عليا، يتلاشى فيها كل الحقائق المتناقضة، أو تحرر بها الروح تحريراً كاملا من كل ما يتصل بالحياة، ولا تدرك إلا حقيقة خالدة، هي حقيقة وحدة الكون الشامل الذي يتجلى الله في جميع أجزائه.
وأخيراً نلخص كل ما سبق في أن طاغور لم يجد صعوبة في التوفيق بين طلب العلم وأداء العمل وبين ما فهمه من تعاليم الهندوس. فرأى أن العلم من أروع الوسائل التي تقربنا من الطبيعة أو تساعدنا على الاندماج في الكون والاتحاد بالوجود،
لأن القوانين التي يتوصل إليها العلم هي في الأصل صور صغرى للحقيقة الكبرى، وتبين أن هناك صلة عقلية وثيقة بين الإنسان والطبيعة، وأنها في اتحاد تام مع الأشياء. فالتزود بها، والبحث عنها، والاستمرار في المزيد من الكشف عنها أمر ضروري لكل فرد يريد أن يبرز الحقيقة الكبرى الكامنة في نفسه، ويدرك وحدة الوجود الشاملة. أما عن العمل فهو من أهم الوسائل التي تحرر قوى الروح، ويعبر عن طبيعتها، ويظهر أفكارها ومشاعرها وإحساساتها، فتتحقق حريتها الكاملة في الحياة، وتفوز بالعيش في اللانهاية.
