الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 245الرجوع إلى "الثقافة"

فلسفة " وليم جيمس، ملخصة بقلم " هنري برجسن "

Share

              -١- " كيف يسوغ لنا أن نتحدث عن فلسفة العمل ) البراجماتزم ( بعد " وليم جيمس " ؟ وما عمانا ان نقول عنها مما لم يقله هو من قبل - خيرا مما نقول نحن في الكتاب الجذاب الفنان الذي تقدم اليوم لترجمته الفرنسية الأمينة الدقيقة ؟ ما كنا لنتكلم لولا اننا وجدنا أن فكر " جيمس " قد تأوله الناس ، فحرفوه . وانتقصوا منه . وان كثيرا من الأفكار تدور بين الناس ، وتخشى أن تقوم حائلا بين القارئ وبين الكتاب ، وان تشيع غموضا مصطنعا في فلسفة هي عين الوضوح .

إن فهمنا لبرجمائزم " وليم جيمس " يكون قاصرا معينا ما لم نشرع في تغيير الفكرة الشائعة عن " الحقيقة " على العموم . يتحدث الناس عن " العالم وعن " الكسموس " : وهذان اللفظان بدل اصل اشتقاقهما على شيء بسيط ، أو على الأقل شئ حسن التأليف .

ويتحدثون عن الكون ويخطير هذا اللفظ في البال الثلافا ممكنا للأشياء . قد يكون الإنسان روحانيا أو ماديا أو " بانتيا " ) من أنصار وحدة الوجود ( ؛ وقد يكون قليل المبالاة بالفلسفة ، راضيا مما يراء عامة الناس ، لكنه دائما في حاجة إلي أن يتمثل مبدأ او عدة مبادئ بسيطة يستطيع بها أن يفسر مجموع الأشياء المادية والأخلاقية . ذلك أن ذهننا مشغوف بالبساطة : يقتصد في بذل

الجهد ، ويريد أن تكون الطبيعة قد دبرت الأمور بحيث لا يتطلب منا ، لكى تتعقلها ، إلا أقل قدر ممكن من العمل . وإذن فذهننا يعطي نفسه القدر المطلوب من العناصر والبادئ ، ليتيسر له بها ان بعيد تأليف السلسلة اللامتناهية من الأشياء والحوادث .

ولكننا لو اقتصرنا على ما تعطينا التجربة ، بدلا من أن تؤلف الأشياء تأليفا ذهنيا فيه أكبر مرضاة للعقل ، لكان تفكيرنا ولكان تعبيرنا مخالفا كل المخالفة لما تعهد . فينا ذهننا ، وقد جري علي عادة الاقتصاد ، يتصور العلولات على تناسب دقيق مع عقلها ، نجد الطبيعة ، وقد درجت على التبذير ، تضع في العلة أكثر جدا مما يلزم لإحداث المعلول ، وبينا يصح أن يكون شعارنا نحن معشر الناس هو : " القدر الواجب ليس غير " ، يكون شعار الطبيعة هو : " أكثر من اللازم " ، زيادة من هذا ، وزيادة من ذاك ، وزيادة من كل شئ . إن الحقيقة كما يتصورها " وليم جيمس " فضفاضة فياضة . وأحسب أنه يري العلاقة بين هذه الحقيقة وتلك التي يتحدث عنها الفلاسفة ، كالعلاقة التي بين الحياة التي تحياها كل يوم ، والحياة التي يمثلها لنا الممثلون في المساء علي المسرح . فعلي السرح نجد كل واحد لا يقول إلا ما ينبغي أن يقول ، ولا يعمل إلا ما يجب أن يعمل . وهنالك مشاهد قد قسمت ورتبت . والمسرحية لها بداية ، ولها وسط ، ولها نهاية ؛ وكل شئ فيها قد دبر بتفتير ، وعلي أشح ما يمكن أن يكون ، من أجل الخاتمة التي قد تكون سعيدة أو مشؤومة . ولكننا إذا نظرنا إلي الحياة ، وجدنا أن فيها تقال أشياء كثيرة لا نفع منها ، وفيها تؤدي حركات كثيرة زائدة على الحاجة . ويكاد لا يوجد في الحياة مواقف صريحة ؛ ولا شئ فيها يتم على ما ينبغي من سهولة أو كمال أو جمال ؛ بل الشاهد يطفي بعضها على بعض ، والأشياء تكاد لا تبدأ ولا تنتهي . وليس هنالك خاتمة ترضينا الرضا كله ، ولا حركة هي حاسمة إطلاقا ، ولا شئ من تلك الكلمات

ذات الرنين القوي ، والتي يكون فيها القول الفصل ذلك شأن الحياة الإنسانية ، واغلب الظن ان ذلك ايضا هو شأن " الحقيقة " على وجه العموم في نظر " وليم جيمس "

حق إن تجربتنا ليست عديمة الاتساق . فهي في الحين الذي تعرض علينا اشياء وواقعات ، تبين لنا قرابات بين الأشياء ، وصلات بين الواقعات . وهذه الصلات في نظر " جيمس " حقيقة مشهودة مباشرة كالاشياء ، والواقعات نفسها . ولكن الصلات طافية والأشياء سائلة . وشتان ؟ بين هذا وبين ذلك العالم الجاف الذي يؤلفه الفلاسفة بعناصر مشطورة شطرا ، ومرتبة ترتبيا ، ذلك العالم الذي كل جزء منه ليس فقط مرتبطا بجزء آخر ، كما تقول لنا التجربة ، بل وأيضا متسق مع الكل ، كما يريده عقلنا

وليس لمذهب " التعدد " ) بلورالزم ( عند " جيمس معنى غير هذا : كان القدماء يتصورون عالما مغلقا ، مستتبا متناهيا ؛ وهو افتراض فيه إرضاء لبعض مطالب عقولنا . أما المحدثون فهم أميل إلي تمثل عالم لامتناه ؛ وهو افتراض آخر يرضي حاجات أخرى من حاجات العقل . وأما من وجهة نظر " جيمس " ، وهي وجهة التجربة الخالصة أو الأمبيرزم " الأصلية ، فالحقيقة لم تعد تبدو كشيء ، مثناه ، ولا كشيء لا متناه ؛ بل كشئ لا معين ولا محدود . إنها تسيل ، دون ان نستطيع القول بأن سيلانها في اتجاه واحد ، بل ولا ان الذي يسيل هو دائما وفي كل مكان نهر واحد .

وعقلنا بهذا أقل رضا مما كان ، لأنه لا يطمئن إلي عالم لا يجد فيه صورته كما لو كان يراها في مرآة . وليس من شك في أن العقل البشري قد تضاءل هنا شأنه . ولكن الإنسان نفسه - الإنسان بتمامه ، إرادة وإحساسا وعقلا - ما أكثر ما ارتفع شأنه عما كان

ذلك ان الكون الذي يتصوره عقلنا إنما هو كون يتجاوز التجربة البشرية تجاوزا بعيدا : لأن خاصة العقل ان يطيل في معروضات التجربة ، وان يوسع  من مداها

بطريق التعميم ، وأن يجعلنا نتصور من الأشياء أكثر جدا مما قدر لنا أن ندرك بحواسنا . ومعلوم ان الإنسان في كون كهذا ليس شيئا مذكورا ، ولا يشغل إلا مكان صغيرا ؛ فما يعطيه لعقله يسلبه من إرادته . وما دام الإنسان قد نسب إلى فكره القدرة على الإحاطة بكل شئ ، فهو مضطر إلي أن يتمثل الأشياء جميعا بلغة الفكر ؛ فهو لا يستطيع أن يطلب إلي مطامحه ورغباته وحماسته أن تهديه في عالم كل ما كان فيه ميسور المنال ، قد اعتبره هو من قبل شيئا يستطاع ترجمته إلى معان خالصة . وحساسيته لا قبل لها بأن تضئ ذهنه ،ما دام قد جعل من ذهنه النور الذي ليس وراءه نور .

وإذن فأغلب الفلاسفة يضيفون تجربنا من ناحية العاطفة والإرادة ، بينما يوسعونها بلا حساب من ناحية الفكر . و " جيمس " إنما يطلب إلينا الا نضيف إلي التجربة من النظرات الافتراضية ! كثر مما يلزم ، وايضا ألا تشوهها فيما تملك من قوة ومتانة . فلسنا على تمام اليقين من شئ إلا ما تعطينا التجربة ؛ ولكنا ينبغي ان تقبل التجربة كاملة غير منقوصة ؛ وعواطفنا هي جزء من تلك التجربة كدركاتنا الحسية سواء بسواء ، فالإنسان كله ويتمامه يجب أن يحسب له حساب في نظر " وليم جيمس " .

بل وينبغي ان يحسب له ألف حساب في عالم لم يعد ينقل كاهله بعظمه واتساع آفاقه . . وإن الأشياء والواقعات التي تتألف منها تجريئنا يقوم لنا منها عالم إنساني قد يكون له اتصال بعوالم اخرى ، ولكنه بعيد عنها كل البعد ، وقريب منا كل القرب ، حتى ليصح لنا ان نعتبره مستكفيا بنفسه ، كافيا للإنسان . وإن العواطف القوية التي تضطرب بها النفس في اللحظات النادرة هي قوي لا تقل في حقيقتها عن القوي التى يشتغل بها علماء الطبيعة والإنسان لا يخلفها كما انه لا يخلق الحرارة ولا الضوء . ونحن - فيما يري " جيمس نسبح في جو مخترقه

تيارات روحية كبيرة ؛ وإذا كان الكثيرون منا يتصلبون ويقاومون ، فغيرهم ينقادون مستسلمين . وهنالك نفوس تتفتح كل التفتح للنسمة الطيبة ، تلك هي النفوس الصوفية . ونحن نعلم بأي حدب وتعاطف أقبل " جيمس " على دراستها . لما ظهر كتابه عن " صنوف التجربة الدينية " لم ير فيه الكثيرون إلا سلسلة من الأوصاف الحية جدا ، والتحليلات الثقافية جدا ، وكانوا يقولون بأنه دراسة بسيكولوجية للشعور الديني ولكن ما اشد وهمهم ! وما أبعدهم عن فهم فكر المؤلف ! الحق أن " جيمس " كان ميل إلي النفس الصوفية ، كما تميل نحن من النافذة إلي الخارج في يوم من ايام الربيع ، لكي تستشعر مداعبة

النسيم ، أو كما تراقب ، على شاطئ البحر ، القوارب في مجيئها ورواحها ، ونلاحظ انتفاخ شراعها ، لنري من اين هبوب الريح . كان بالنفوس التي يملوؤها الحماس الديني شيئا يشيلها شيلا ، ويطير بها طيرانا ؛ فكيف لا تجعلنا نفس ، كما لو كنا بازاء تجربة علمية ، القوة التي ترفع وتحمل ؟ ولعل هنا منشأ " براجمانزم " وليم جيمس ، ومهبط الوحي من فكره . فهو يري أن الحقائق التي يمنينا قبل كل شئ أن نعرفها هي حقائق احس الناس بها ، واختبروها في حياتهم قبل ان يتأملوها ويرو الفكر فيها

) له بقية (

اشترك في نشرتنا البريدية