-٢-
ذهب الناس في كل زمان إلي القول بأن هنالك حقائق هي من اختصاص العاطفة كما أن منها ما هي من اختصاص العقل . وفي كل زمان أيضا قالوا إنه إلي جانب الحقائق التي نجدها جاهزة ، هنالك حقائق أخري تعاون على صنعها ، وتعتمد بعض الاعتماد على إرادتنا . ولكن ينبغي أن نلاحظ أن تلك الفكرة تأخذ عند " جيمس " قوة جديدة ومعنى جديدا ، وأنها ، بفضل نظرة ذلك الفيلسوف إلي الواقع ، تزدهر حتى تضحي نظرية عامة عن الحقيقة .
ما هو الحكم الحق ؟ جري الناس علي أن يطلقوا اسم " الحق " على القول الذي ينطبق على " الواقع " ولكن أي شئ يمكن أن يكون ذلك الانطباق ؟ إننا تميل إلي أن نري فيه شيئا من قبيل مشابهة الصورة
للأصل . وعلي ذلك يكون القول الحق هو الذي يكون بمثابة كتابة صورة من " الواقع " ؛ ولكنا لو تأملنا الأمر ، لرأينا أن ذلك التعريف للحق لا يصدق إلا في حالات استثنائية نادرة . فما هو " واقع " إنما هو هذه الواقعة أو تلك من الوقائع المعينة التي تتم في زمان أو مكان ما . وهي أمر فردي ، وهي شئ متغير . أما أقوالنا وأحكامنا فأغلبها عامة ، وهي تتضمن أن لموضوعها بعض الثبات . ولنأخذ حقيقة هي أقرب ما تكون إلي التجربة مثل : " الحرارة تمدد الأجسام "؛ لأي شئ يمكن أن تكون هذه صورة يجوز على نحو ما أن نأخذ صورة من تمدد جسم معين في لحظات معينة ، إذا صورنا بالفتوغرافيا ذلك التمدد في مختلف أطواره . وأكثر من هذا . أنني أستطيع بعد أن أقول ، على سبيل المجاز ، إن القضية : " هذا القضيب من الحديد يتمدد " هي نسخة مما يحدث من مشاهدة تمدد قضيب الحديد . ولكن حقيقة تصدق على جميع الأجسام ، دون أن تختص بواحد منها قد شاهدته ليست صورة ولا نسخة لشئ .
ولكنا مع ذلك نريدها أن تصور شيئا ما . ولقد
درجت الفلسفة في كل زمان على أن تقدم لنا بهذا الصدد ما يرضينا . رأي قدماء الفلاسفة أن ثمة فوق الزمان والمكان عالما هو المثوي الأزلي لجميع الحقائق الممكنة ، ورأوا أن صدق القضايا الإنسانية يكون بقدار محاكاتها لتلك الحقائق الأزلية محاكاة أمينة . وأنزل المحدثون الحقيقة من السماء إلي الأرض ، ولكنهم ما فتئوا يرون فيها شيئا موجودا قبل أقوالنا وقضايانا . فالحقيقة عندهم مودعة في الأشياء وفي الواقعات ، وعلمنا يمضي باحثا عنها هنالك ، فيخرجها من مخبئها ، ويعرضها على الناس في وضح النهار . وقضية مثل : " الحرارة تمدد الأجسام " هي قانون يحكم الوقائع ، ويجلس بينها ، إن لم يجلس منها مجلس الإمارة والملك ، قانون متضمن حقا في تجربتنا ، وعلمنا مقصور على استخراجه منها . بل إن فلسفة كفلسفة " كانت " التى تريد أن تكون كل حقيقة علمية نسبية ، أي بالقياس إلي الذهن الإنساني ، تري أن القضايا الصادقة معطاة من قبل في التجربة الإنسانية
ومني ثم تنظيم تلك التجربة بواسطة الفكر الإنساني على العموم ، كان كل عمل العلم عبارة عن أن يخرق الغلاف المتين ، غلاف الواقع ، فيجد الحقيقة حائمة في داخله ؛ كالنواة في باطن الثمرة .
إن تصور الحقيقة على هذا النحو طبيعي بالنسبة لأذهاننا ، وطبيعي أيضا في الفلسفة ؛ لأن من الطبيعي أن نتمثل الواقع كلا مرتبطا منسقا اتساقا كاملا يسنده سند المنطق ، وهذا السند يكون هو الحقيقة عينها . وعلمنا لا يصنع شيئا إلا أن يهتدي إلي ذلك السند ، ولكن التجربة وحدها لا تقول لنا شيئا يشبه هذا . و " جيمس " يتمسك بالتجربة . التجربة تعرض علينا ظواهر متغيرة ؛ فإذا كان قول ما من الأقوال المتصلة بإحدي هذه الظواهر يعيننا على أن نسيطر علي الظواهر التي ستليها ، أو علي أن نتنبأ بها فقط ، قلنا حينئذ إن ذلك القول حتى فقضية مثل " الحرارة تمدد الأجسام " - وهي قضية هدتنا إليها
رؤيتنا تمدد جسم ما ، تجعلنا نتبأ بما يحدث لأجسام أخري عند حضور الحرارة ، فهي تعيقنا على أن تنتقل من تجرية ماضية إلي تجارب جديدة ؛ إنها " خيط هاد " لا أكثر ولا أقل - فالحقيقة تسيل ، ونحن نسيل معها ؛ ونحن نحكم بالصدق على كل قول يستطيع أن يهدينا في سيرنا خلال الواقع المتحرك ، فيمكن لنا منه ، ويضمنا في أحسن الظروف وأنسبها للعمل .
إننا نرعي مبلغ الفرق بين هذه النظرة إلي ( الحقيقة ) وبين النظرة التقليدية . جرت العادة أن نعرف " الحق " باتفاقه مع ما هو موجود من قبل ولكن " جيمس " يعرفه بعلاقته بما لم يوجد بعد . فالحق في نظر " وليم جيمس " ليس ضورة لشئ قد كان أو لشئ هو كائن وإنما هو شيء ينذر بما سيكون ؛ أو إن شئت فقل أنه يمهد لفعلنا وأثرنا فيما سيكون . للفلسفة سيل فطري إلي تمثيل الحقيقة ناظرة إلي الوراء : أما " جيمس " فيراها ناظرة إلي الإمام .
ونقول بعبارة أدق إن المذاهب الأخرى تجعل من " الحقيقة " شيئا سابقا على الفعل المعين ، فعل الإنسان الذي يصوغها أول مرة . يقولون إليه كان أول من رآها ؛ ولكنها كانت تنتظره ، كما كانت أمريكا تنتظر " كرستوف كولومب " ، كأن شيئا كان يخفيها أو يحجبها عن جميع الأبصار ، فكشفها هو ورفع عنها الحجاب . أما " وليم جيمس " فيخالف غيره أشد المخالفة في نظره إلي الحقيقة ؛ إنه لا ينكر أن يكون " الواقع " مستقلا إلي حد بعيد عن أقوالنا عنه أو ظنوننا بشأنه ؛ ولكن " الحقيقة " التي لا يمكن أن تتعلق إلا بما تقرر عن الواقع ، تبدو له وكأن تقريرنا هو الذي ابتدعها . إننا نخترع " الحقيقة " لكى تستخدم " الواقع " كما نبتدع أجهزة آلية نستخدم بها قوي الطبيعة ، ويخيل إلي أننا نستطيع أن نلخص جوهر نظرية " الحقيقة " لدي " البرجاتزم " في صيغة كالصيغة التالية : " بينا المذاهب الأخرى تري أن كل
حقيقة جديدة هي اكتشاف ، يرمى مذهب البراجداتزم أنها اختراع " ( ١ ).
وليس يلزم من هذا أن تكون الحقيقة امرا تحكميا . إنه لا قيمة لاختراع آلي إلا بمنفعنته العملية . وكذلك لكى يكون قول ما حقا ، ينبغي أن يزيد من سيطرتنا على الأشياء . وهو مع ذلك قول ابتدعه ذهن من الأذهان الفردية ، ولم يكن موجودا قبل الجهد الذي بذله ذلك الذهن ، كما لم يكن الفونوغراف موجودا قبل إديسون " صحيح إن محترع الفوتوغراف كان لابد له من أن يدرس خواص الصوت ، الذي هو أمر واقع ، ولكن اختراعه قد انضاف إلي ذلك الواقع كشئ جديد إطلاقا ، شيء وبما لم يكن يحدث قط لو لم يكن قد وجد المخترع . وإذن فالحقيقة ، لكى تستطيع أن تحيا ، يجب أن تكون جذورها في أشياء واقعية ؛ ولكن تلك الأشياء الواقعية ليست إلا الأرض التي تنبت تلك الحقيقة عليها . وقد كان من الممكن أن تنبت هنالك أزهار أخري ، لو كانت الريح قد جاءت حاملة إليها بذورا أخري .
وإذن فالحقيقة عند البراجماتزم قد صنعت شيئا فشيئا بفضل الجهود الفردية لعدد عظيم من المخترعين . ولو لم يكن أولئك المخترعون موجودين ووجد غيرهم مكانهم ، لكان لدينا مجموعة من الحقائق تختلف كل الاختلاف عما لدينا اليوم . بأن الواقع كان يبقي كما هو أو يكاد ؟ ولكن كانت تختلف المسالك التى ترسمها لمصلحة سيرنا . وليس كلامنا هنا مقصورا على الحقائق العلمية ؛ فلسنا نستطيع أن نؤلف جملة واحدة ، بل إننا لم نعد نستطيع اليوم أن ننطق بكلمة دون اأن نتقبل بعض الافتراضات التي أبدعها أسلافنا ، والتي كان من الممكن أن تكون مخالفة كل المخالفة لما هي
عليه . إنني حين أقول : " سقط قلبي تحت المكتب " لا أنطق بقينا بواقعة من وقائع التجربة ، لأن الذي يدلني عليه البصر والسمع إنما هو أن يدى فتحت فأفلت منها ما كان بها ؛ والطفل المشدود إلي كرسيه والذي يرمي سقوط الشئ الذي يلعب به ، قد لا يتصور أن ذلك الشئ يستمر في الوجود ، بل إن شئت فقل إنه ليس لديه فكرة واضحة عن "شئ " ما ، أي عن أمر يبقى دون تغيير ويكون مستقلا عنه خلال تغير الظاهر العابرة واختلافها . وأول من تنبه إلي الاعتقاد بذلك اللاتغير وبذلك الاستقلال قد عمل افتراضا ما : ذلك هو الافتراض الذي جرينا علي اتخاذه كلما استعملنا اسما وكلما تحدثنا . ولو كانت الإنسانية في مجري تطورها قد آثرت اتخاذ افتراضات من نوع آخر ، لاختلفت أجروميتنا ولاختلفت أيضا مفاصل فكرنا وتقاسيمه
وإذن فبناء الذهن الإنساني إنما هو إلي مدى بعيد من عملنا ، أو علي الأقل من عمل نفر منا . وهنا - فيما يبدو لي - الدعوي الكبرى لذهب البراجاتزم وإن لم تكن قد صرح بها تصريحا . وبهذا تكون " البراجاتزم " استمرار لمذهب " كانت " كان " كانت " قد قال إن الحقيقة تقوم على التكوين العام عليها للذهن البشري والبراجاترم تضيف ، أو علي أقل تقدير ، تتضمن القول بأن هيئة الذهن البشري هي نتيجة للسعي الحر الذي يقوم به عدد من الأذهان الفردية
وأعيد ما قلت من أن هذا لا يعني أن الحقيقة معتمدة على كل واحد منا ، وإلا اصح لنا أن نعتقد أن كل واحد منا كان يمكنه أن يخترع الفوتوغراف . ولكن ذلك معناه أن من بين مختلف أنواع الحقيقة ، ليس أقربها ملاءمة لموضوعها هي الحقيقة العلمية ولا هي حقيقة العوام ولا هي على وجه العموم الحقيقة من الطراز العقلي . كل حقيقة هي طريق مرسوم خلال الواقع ؛ ولكن يوجد من هذه الطرق
ما كنا نستطيع أن نعطيه وجهة مختلفة كل الاختلاف لو كان انتباعنا قد اتجه اتجاها مختلفا ، أو لو كنا قصدنا إلي نوع آخر من المنفعة ؛ ومنها على العكس ما تكون وجهتها مطبوعة بطابع الواقع نفسه ؛ ومنها ما يصح أن نقول إنها مطابقة لتيارات من الواقع . نعم إن هذه الحقائق من النوع الأخير تعتمد بعد علينا إلي حد ما ، لأننا أحرار في أن نقاوم التيار أو أن نتابعه ؛ وحتي إذا تابعناه ففي مقدورنا أن نحوله على وجوه مختلفة ، ما دمنا مشاركين وخاضعين في وقت واحد للقوة التى تتجلي فيه . ومع ذلك فتلك التيارات ليست من صنعنا نحن ؛ إنها جزء أساسي من الواقع . وإذن فالبراجماتزم تفضي إلي قلب النظام الذي اعتدنا أن نضع فيه مختلف أنواع الحقيقة . فينعزل عن الحقائق التي تترجم إحساسات بحتة ، تكون حقائق الشعور هي التي تمد في الواقع أعمق جذورها . وإذا صح لنا أن نقول إن كل حقيقة هي اختراع ، وجب فيما أظن ، لكي نبقى مخلصين لفكر وليم جيمس ، أن نفرق بين حقائق الشعور والحقائق العلمية عين التفرقة بين المراكب الشراعية والمراكب البخارية مثلا : كلتا الاثنتين من مخترعات الإنسان ، ولكن الأولى ليس فيها من الصنعة إلا قسط ضئيل ، تأخذ اتجاه الريح ، وتجعل القوة الطبيعية التي تستعملها محسوسة للذي عينين ؛ أما في الثانية فآلية الصنعة لها المكان الأكبر ، تحجب القوة التي تديرها وترسم لها وجهة اخترناها نحن .
وإذن فالتعريف الذي يعطيه " جيمس " للحقيقة يتمشى مع نظرته إلي الواقع . إذا لم يكن الواقع هو ذلك الكون الاقتصادي المنظم الذي يخلو لمنطقنا أن يتصوره وإذا لم يكن مسنودا بسند عقلي ، كانت الحقيقة من الطراز العقلي اختراعا بشريا نتيجته استعمال الواقع لا إدخالنا فيه . وإذا لم ينتظم الواقع في مجموع ، وكان متعددا . متحركا ، مصنوعا من تيارات يلتقي بعضهما مع بعض ،
فالحقيقة التي تنشأ من الاتصال بواحد من هذه التيارات - تلك الحقيقة التي هي محسوسة قبل أن تكون متصورة تصورا مجردا - هي أقدر من الحقيقة الذهنية المجردة على اقتناص الواقع نفسه واختزانه .
وإذن فنقول آخر الأمر إنه ينبغي أن يكون نقد مذهب البراجاتزم منصبا أولا على تلك النظرية عن " الواقع " يستطاع إيراد الاعتراضات عليها - ونحن أنفسنا سنبدي بشأنها بعض التحفظات : - إن أحدا لا ينازع فيما ينطوي عليه المذهب من عمق وأصالة ؛ وإن أحدا ، بعد الفحص عن نظرية الحقيقة المرتبطة به ، لا ينكر سموه الأخلاقي . قيل إن " برجاتزم " جيمس ما هو إلا صورة من صور مذهب الشك ، وقالوا إنه مذهب يحط من شأن الحقيقة ، ويخضعها للنفعة المادية ، ويصرف الناس عنها ، ولا يشجع على البحث العلمي البريء . إن تأويلا كهذا لا يخطر مطلقا ببال من ينعمون النظر في آثار البراجاتزم ، وإنه ليدهش أشد الدهشة من حظوا بمعرفة وليم جيمس . فإن أحدا لم يحب الحقيقة أكثر مما أحبها ذلك الرجل ؛ وإن أحدا لم يغرم بالبحث عنها أكثر من غرامه بها . إن قلقا عظيما كان يساور نفسه فيكاد يطير به طيرانا : كان يسير من علم إلي علم ؛ من علم التشريح والفسيولوجيا إلي علم النفس ، ومن علم النفس إلي الفلسفة - كان يسير منكبا علي المشكلات الكبيرة ، غير ملتفت إلي ما سواها ، ناسيا نفسه . وقضى حياته كلها مشاهدا ، مجربا ، متأملا . وكأنه لم يقنع بما عمل ، وما زال يحلم يوم نام نومته الأخيرة ، ويحلم بتجارب غير مألوفة وبجهود تتخطي الطاقة الإنسانية ، وأماني كأنه يرجو بها أن يتجاوز الموت ، فلا ينفك عاملا معنا ، إيثارا لمصلحة العلم الكبرى ، وابتغاء شرف الحقيقة الأعلى .
( انتهي )

