الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 291 الرجوع إلى "الرسالة"

فلم (الدكتور)

Share

تعرض   (شركة مصر للتمثيل والسينما)  هذه الأيام في مدينة  القاهرة شريطاً مصرياً محضاً عنوانه       (الدكتور)   . وبعيد  أن أقف هذه الكلمة على العرض والوصف والبحث؛ فإنما الذي  في نيتي أن أحدث قراء هذا الباب من   (الرسالة)  عما خلص لي  من قصة       (الدكتور)   . وذلك لأن الذي يعنيني من المظاهر  الأدبية والفنية في مصر إنما يرجع إلى الناحية الاجتماعية خاصة أما تمثيل القصة فيدلنا على أمرين: الأول مهارة الممثلين

المصريين في فن   (المهزلة) Comedie   (مثلاً مختار عثمان وفؤاد  شفيق) ، ولن أنسى ساعة يدخل الخادم الريفي على الباشا وزوجه  فيجري حديث صامت يضحك المصلوب. والسبب في ذلك  أن التمثيل في مصر قام - أول ما قام - على المسرحيات الهزلية،  وأن سليقة المصري إلى الخفة والظرف والمرح والمحاكاة الساخرة  ميّالة. وأما فن المأساة فالمصري لا يتقنه بعد لأنه لا يحكم كيف  يمثل الإنسان، الإنسان من غير صفة تصفه، الإنسان على سجيّته.  وتعليل هذا أنه تجذبه المبالغة في التعبير على الغالب وتعوزه قوة  الصدق في الإحساس الدفين أحياناً

والأمر الثاني مضّي الممثلات في طريق الإتقان، من حيث  أنهنه طرحن التكلف وسلّمنا بأن التواضع فضيلة وأدركنا أن  الكلام الملقى مصدره القلب أو العقل لا الذاكرة ولا الدعابة    (الشخلعة) . . . وما ضرّ الأستاذ سليمان نجيب وهو بطل القصة    (مع لقب بك)  لو حذا حذوهن فتحلّى بالبساطة وأطلق وجهه  من الإطار الذي حبسه فيه: إطار يغلب عليه الجفاء ويطرد فيه  الانقباض مع شيء من العجب؛ إطار يحصر ابتسامة لا تتبدلّ

كأنها مسمرة به، ولا تَرِف لأنها على حظ من التقبّض بقيت القصة   (وهي من تصنيف الأستاذ سليمان نجيب) .

ومجمل القول فيها أنها تصلح موضوعاً لخطبة يخطبها مصلح اجتماعي  متطرف. وإليك فقرات من البرنامج المطبوع، وقد ذكرت  بحروفها أو بمعانيها في أثناء التمثيل

(فلم الدكتور صراع بين الحب العاطفي والحب الأبوي)،    (مشكلة العصر: الرجل، المرأة: أيهما يسسود)    (فلم الدكتور  يعالج داءً قاسياً داء التماسك بالطبقات والتغاضي عن قيمة  الأشخاص)    (فلم الدكتور يعيد إلى الريف المصري مجده  وعظمته ويرد إليه أبنائه الذين سحرتهم مدنية المدن وبهاؤها  البراق الخداع) ،   (حياة اللهو وحياة الاستقامة: أيهما أفضل) ،    (حياة الترف في الحضر وحياة البساطة في الريف)  الخ. . .

يا الله ما هذا الداء المتفشي في المؤلفين عندنا ولاسيما الذين  يؤلفون للمسرح والسينما؟ يريد كلهم أن ينقلبوا وعاظاً. فهل لهم  - أصلحهم الله وأبقاهم ذخراً للفضيلة ومكارم الأخلاق؟ - أن يضعوا العمائم على رؤوسهم، أو يجلسوا القلانس على مقدَّمها  فيرتقوا المنابر ليوعدوا خلق الله أو يعدوهم؟

ما هذا التهويل؟ الأديب المصلح يشير ويغمز لأن الأدب  فن، أو يظن المؤلفون عندنا أن جمهورنا بليد أيةّ بلادة حتى أنه  يحتاج إلى التنبيه الصريح؟ ثم ما هذا الادعاء؟ هل سألهم الجمهور  أن يسقطوا الفن إلى التأديب؟ وما هذه المشكلات التي يعرضها  شريط     (الدكتور)  ؟ الحب العاطفي والحب الأبوي الريف  والحضر. اللهو والاستقامة. . . تلك أحاديث طريفة جداً حقاً!

ثم إن مثل هذا اللون من القصص السينمائية الناهضة على  الوعظ والنضال الفكري يعوزه أجل العناصر شأناً: الحركة، نقاش  وتدافع حجج وتبيين وتدليل، كل هذا ربما صلح للمسرح إلا أنه  بعيد كل البعد عن السينما

و     (الدكتور)   - على هذا - يشمل قطعاً لطيفة بفضل  حذق المخرج نيازي مصطفى وجودة الموسيقى على أيدي محمد الشجاعي  وعبد الحميد عبد الرحمن ومهارة طائفة من الممثلين   (وقد ذكرت  بعضهم فوق)  والممثلات أمثال فردوس محمد فدولت أبيض

فأمينة رزق. فلا عدمنا   (شركة مصر للتمثيل والسينما)

على الهامش: - متى يأتي الزمن الذي فيه نزن الكلام؟ ففي  البرنامج المطبوع ما حرفه: (فلم الدكتور أروع ما جادة به  قريحة مؤلف   (هل هنالك غلطة مطبعية فتقرأ: المؤلف)  وأعظم  ما أخرجته عبقرية مخرج)   (كذا) . . . رحم الله هوليود!

-  كانت لغة القصة العامية على وجه الإطلاق، بل العامية  السوقية أحياناً. ومهما يكن من شيء فقد ساء أذني قول الآنسة  أمينة رزق   (يا دَكتور)    (بفتح الدال)  و   (يا دُكْتر)     (باختلاس الواو) . وقد يحق لها هذا اللحن لو كانت ترتدي    (ملاية لَفّ)  والحال أنها تنعم في   (فساتين)  على جانب عظيم

من الأناقة

اشترك في نشرتنا البريدية