حديث الناس عندنا عن الحب لا ينتهي ، تحدث الغلام اليافع فإذا به يشكو من الحب ، وتحدث الرجل الناضج فإذا حديثه كله شوق إلى الحب أو ألم من الهوي . وتفتح الصحف فتجد أحادث الهوي في المكان الأول . وتفتح الراديو فتجد سيلا لا ينتهي من الدموع وآلام الصبابة ... وتجلس بين الناس فتجد حديثهم حبا خالصا : يا أخي أوحشتني وأظلمت الدنيا بنا في بعدك يا أخي أنت نور عيني وأنا عاتب عليك انقطاعك ! وهكذا ، حتى يخيل إليك أن هؤلاء الناس تفيض قلوبهم بهذه العاطفة النبيلة المباركة ... ...
ثم تستمع إلي همس الناس إذا خلا بعضهم إلى بعض ، فإذا هو خلو من الحب أو ما يشبه الحب : هذا ساخط على ذاك ، وتلك غيري من تلك ، وفلان حاسد لفلان ، ورابع كاره لزوجه ، وخامس برم بحبيبته يستفتي الناس : كيف أخلص منها ! وقد تري الناس وهم ينصتون إلى أغنية غرامية فيها البكاء وفيها الشكوى ، فتجدهم كلما توقف المغنى يضجون ويصيحون كأنهم لم يفهموا من كلام المغني شيئا ، وكأن إنصاتهم هذا لم يكن إلا تصنعا أو تظاهرا .
أحد أمرين : إما أن هؤلاء الناس لا يعرفون الحب أو أنهم يعرفونه ولكنهم لا يعرفون كيف يحسون به ..
الواقع أن هؤلاء الناس مشوقون إلي الحب ، وأن قلوبهم عامرة به لأنها قلوب ساذجة طيبة ... ولكنهم لا يعرفون ما هو الحب ولا يعرفون السبيل إليه .
هم لا يعرفون أن الحب في أساسه تضحية حتى لو بادلك الحبيب عاطفتك : الحب هو بضعة من نفسك تمنحها من تحب - رجلا كان أو امرأة - ولذة الحب هي في هذا
الاعطاء ، والمحب الذي يفكر في أن يأخذ قبل أن يعطي ليس محبا بل هو طامع وطالب كسب ، والمحب الذي يتصور أن الحب لا يكون حبا حتى يكون متبادلا يخطئ في فهم هذه العاطفة ويشقى بها ، لأنه يجد من نفسه الميل إلى هذا الشخص أو ذاك ، ولكنه يشترط أن يعطيه الآخر قلبه مقدما .. فإذا لم يعطه فهو يسخط عليه وهو يحقد عليه ، فلا هو أكرم عاطفته ولا هو ظل على حاله من غير حب أو كراهية ...
وهم يحسبون أن الحب لا يعرفه الإنسان إلا للمتعة واللذة وأنه لهذا لا يكون إلا بين رجل وامرأة وهذا خطأ . فالحب ينبغي أن يكون أساس علاقاتنا كلها : ينبغي أن نحب عملنا من كل قلوبنا ، ينبغى أن نحبه ولو لم نبلغ عن سبيله كل ما نرجو من المال وراحة البدن ، ينبغي أن نمارس عملنا ومحن نعرف أننا نضحى ، وأن لا نغضب إذا لم ننل جزاء هذه التضحية ، ينبغى أن نحب بيتنا ولو لم يكن أجمل البيوت ولا أغلاها أثاثا ، لأن هذا الحب يسعدنا ويملأ قلوبنا بهجة ويعوضنا عما ينقصنا من المتاع المادي . ينبغي أن تزين بيوتنا بالزهر وننسقها بذوق وحنان ..
ينبغي أن نعلم أولادنا الحب : لا نثير بينهم المنافسة ولا البغضاء ، نعلمهم أن يحبوا زملاءهم ويضعوا أنفسهم في خدمتهم ، لأن من يريد حب الناس ينبغي أن يبدأ هو بحبهم ، ينبغى أن نعلمهم حب الفقير والمعوز ، ينبغي أن نعلمهم حب الطير والحيوان والزهر والشجر حتي تمتلئ قلوبهم من الصغر بهجة وسعادة ، ينبغي أن نعلمهم كما يعلم الأوربيون أولادهم ، حب الطبيعة الساجية بما فيها من زهر جميل وزهر غير جميل ، لأن هذا الزهر الذي نعتقد أنه غير جميل جدير بالحب ، لأنه من صنع الخالق ومن إبداع أمنا الطبيعة .
علموهم أن يتأملوا الحشرة الصغيرة ويتبينوا ما في خلقها من الإبداع والجمال . علموهم الرفق بالحيوان
والإشفاق عليه ، لأن الطبيعة بما فيها هي مدرسة النفس : من جمالها وفي أحضانها تتغذي الإنسانية الكريمة وتنمو .
لا تتحدثوا أمامهم عن البغض أو الكراهية ، لا تدفعوهم إلى الحسد أو الحقد ، بل علموهم أن يحبوا عدوهم وأن يحاولوا كسبه بالودة والخير وأن يقابلوا إساءته بالإحسان ، لأنكم بذلك تعينونهم على الارتفاع بنفوسهم والسمو عن الأحقاد والأضغان التي هي صفات الإنسان المسكين الضعيف العاجز الذي يخلو قلبه من الإنسانية .
علموهم وعلموا أنفسكم أن الحب من صفات الانسان الرفيع الكريم ، وأنه في أساسه تضحية لا ينبغي أن ينتظر منه الإنسان مكافأة ولا متاعا ماديا عاجلا . أحبوا بعضكم وأحبوا كل ما يحيط بكم ، فستجدون أنكم تملأون بهذا الحب حياتكم سعادة وتفاؤلا ...
