الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الثقافة"

فنحاص يسفسط !

Share

لقي الإسلام في أيامه الأولى خصومة حامية من أهل الأديان القائمة ، ومن جملة هؤلاء اليهود . فكان أفرادهم يحاربون أفراد المسلمين بما يسره الله لهم من مختلف الأسلحة ، وكان أحبارهم يجادلون أئمة الإسلام جدالا عنيفا في اصول دينهم وآيات كتابهم ، ويكادون يفتنون الناس بسفسطتهم في هذا المضمار .

ومن ذلك أن رجلا من احبار اليهود اسمه فنحاص سمع قوله تعالى : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة فوجد الفرصة سانحة لشيطانه يصيله فيها ويجيله . . فوضع يده في الكتاب ورجله في الركاب ، وانطلق مكبا علي وجهه حتى اتي جماعة من المسلمين .

وأنت ولا شك تلاحظ أن كلمة " فنحاص " هذه على وزن " حنشاص " . والحنشاص - فيما أعرف أنا وفيما قد يعرف القارئ اللبيب ايضا اسم جنس وهذا الجنس - مع الأسف الشديد - لا يزال ينمو علي مر الإيام ويترعرع ، حتى لتغص مجالس اليوم بكل حنشاص

فنحاص كما كان العهد تماما في أول الزمان ؛ فتراهم في كل حديث يخوضون ، وفي كل واد يهيمون ، يسفسطون ويهرفون بما لا يعرفون .

وطرب فنحاصنا عند سماعه لهذه الاية الكريمة . ولكن لا كما يطرب المؤمن بطبيعة الحال ، بل كما يطرب الفنحاص الخناس الذي يوسوس في صدور الناس . وقد لاح له في وجه الآية ما يسمح له بأن يبصبص بذنبه في تفسيرها . فقال مستهزئا بمن لقي من المسلمين وبنبيهم وبصاحب كتابهم :

- لو كان الله عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم ! ينهاكم عن الربا ويعطيناه أي ويعاملنا به .

والرجل العادي قد يسمع مثل هذا الكلام فيتأثر بوجاهته الظاهرة . ولكن الفنحاص " لا يعدم دائما من يقول له : مكانك يا زينة الأحبار ! فإن قياسك هنا قياس مع الفارق الكبير - كما يقولون - . أفأن صادفت غلامي في الطريق وهو يجري ويعربد فانكفا ووقع منه قرشه وانكسرت ) سلطانيته ( ، وقدر في نفسه ما سيلقي من أهل البيت جزاء عبثه وإهماله فجزع وبكي ورأيته أنت على هذه الحال فأدركتك له رقة فعوضته قرشا بقرش ، و  سلطانية  بمثلها ، ورجعت إلي نفسك راضيا بأنك فرجت عن اخيك كربة من كرب الدنيا - وعلمت أنا بخبرك مع الغلام فرأيت أن أكرمك وأثيبك على ما فعلت ، فدعوتك إلي داري ، واقسمت لك في مائدتى وهيأت لك ديكا روميا أو حملا مشويا ، افيكون هذا الذي جري بيني وبينك " تعاملا ربويا " أم " قرضا حسنا " ضاعفته لك اضعافا كثيرة ؟ ! يا سقيم الفهم . . يا مسفسط  يا . فنحاص                  (ج)

اشترك في نشرتنا البريدية