الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 325الرجوع إلى "الرسالة"

فن التصوير الجوي، أهم أدوات الحرب الحديثة

Share

أنبأتنا التلغرافات بأن سلاح الطيران الفرنسى أمكنه  أن يصور خريطة دقيقة لخط سيجفريد الأمانى. وعلى ضوء  هذه الخريطة يصبح من السهل على قيادة الجيش الفرنسى  أن تحدد المناطق الضعيفة منه وتعين أماكن الاستحكامات فيه ولدينا فى مصر قسم خاص بالتصوير الجوى أنشىء سنة ١٩٣٣  يستطيع رجاله أن يؤدوا نفس المهمة التى قام بها زميلهم الفرنسي.  وفى هذا المقال يجد القارئ عرضاً عاماً لطرق التصوير الجوى  ومدى فائدته فى الأعمال العسكرية والمدنية، وما يحتاج إليه  من خبرة ودراية.

عملية استكشاف

من النواحي  الهامة فى سلاح  الطيران الحربى  قسم التصوير؛ وهو  لا يقل خطورة  عن قسم المدفعية.  فبواسطته يمكن  تصوير سطح  الأرض وتوضيح  ما عليها من مرتفعات  ومنخفضات تبين  مسالك الأرض  وطرقها فيسهل على  القوات العسكرية  كشف طريقها ومعرفة اتجاهاتها، كما يسهل معرفة امتدادات  خنادق العدو وتعيين مواقع مدافعه ومعداته فيتيسر للقوات الموالية

تدمير هذه الاستحكامات وشق طريق للجيوش البرية وهذه  العملية إحدى خطوات الاستكشاف فى الحرب.

ولهذا كان من أهم التدابير التى تتخذها الحكومات ويقرها  القانون الدولى منع الطيران أو التصوير فوق المناطق العسكرية،  وأبيح لها حق تفتيش الطائرات التى تخالف هذه القاعدة كما أبيح لها  حق إسقاطها بإطلاق النار عليها مما يعتبر عملاً عدائياً فى المناطق  المدنية.

مران وتضامن

وتختلف أدوات  التصوير بالطائرات  عنها فى الحالات  العادية. يضاف إلى  ذلك ما تستلزمه من مران وتضامن  بين الطيار والمصور.  فالتصوير من الجو  نوعان: ففى الأول  تثبت الآلة فى أسفل  الطائرة على قواعد  خصصت لذلك فإذا  أراد الطيار تصوير  منطقة معينة يجب  عليه أن يطير بسرعة ثابتة وعلى ارتفاع ثابت حتى تكون المساحات  الظاهرة فى الصورة واحدة؛ فمن المعروف أنه كلما بعدت آلة التصوير  شغل هذا الجسم مساحة أقل من مساحة الصورة، وبالتالى تزيد  مساحة سطح الأرض التى تلتقطها الآلة؛ وعندئذ يتعذر تحديد  أبعاد المكان فيظهر على الصورة مساحة كبيرة أو صغيرة تبعاً  لارتفاع الطائرة وسرعتها

ويختلف عدد صور شريط تصوير هذه الآلة باختلاف  الأغراض المطلوبة منه فأحياناً يكون ٢٥ صورة وأحياناً ٥٠  وأحياناً ١٢٥ صورة. ولا يحتاج المصور إلى تكرار الضغط على

مفاتيح الصور عند تصوير كل منظر. فإن الآلة تسجل  المناظر بطريقة آلية كل مدة من الزمن إلى أن ينتهى شريطها  أو يقف المصور الآلة

وطريقة التصوير الجوى الأخرى هي المعروفة بالتصوير الجانبى  إذ يمسك المصور بآلته ويلتقط الصور التى يريدها. وفى كلتا  الحالتين يحتاج التصوير إلى طيار ماهر حتى لا تهتز الآلة، وغالباً  يكون ارتفاع الطائرة مقدار ثلاثة آلاف قدم. وقد يبدو هذا  البعد كثيراً على عين آلة التصوير، ولكن عدساتها برغم أنها  عدسات عادية وليست مقربة تستطيع التقاط جميع تفاصيل  الأرض لدقتها ولخلوها من الفقاعات الهوائية التى قد تفسد  وضوح المرئى.

تأثير الضوء

فإذا انتهى المصور من التقاط المناظر التى يريدها هبطت  الطائرة إلى الأرض وبدأت عملية ثانية لا تقل دقة عن سابقتها  إذ يبدأ العمال بتحميض شريط الصور السالبة. ومن المسائل التى  يجب مراعاتها أن يكون هذا التحميض مساوياً لجميع أجزاء  الشريط، ثم تبدأ عملية الطبع وهى اكثر دقة من أية عملية  أخرى، إذ يجب أن يحافظ العامل فى طبع الصور الموجبة على  أن تكون كلها من لون أسود واحد، فلا تظهر إحداها ضعيفة  اللون والأخرى قوية، حتى إذا جمعت الصور بعضها إلى بعض  ظهرت كأنها صورة واحدة.

وتحتاج هذه العملية إلى كثير من الخبرة فتوزيع كمية الضوء  على الأرض لا يكون بنسبة واحدة؛ ففى مناطق تكثر الظلال،  وفى مناطق أخرى يكون سطح الأرض مكشوفاً لضوء الشمس؛  وهذا يؤثر على تشبع الصورة السلبية بالضوء فيظهر بعضها أسود  والآخر أقل سواداً تبعاً لكمية الضوء التى تعرضت لها الصورة  والتى لا يستطيع المصور ضبطها

وتجمع الصور الموجبة ويلصق بعضها إلى بعض حيث تكمل  الصورة التى تليها حتى إذا تمت المجموعة ظهرت صفحة الأرض  واضحة لعدة أميال. وقد تمكن قسم التصوير بسلاح الطيران الجوى  المصرى من تصوير جميع مناطق القطر المصرى فيمكنه أن يقدم  لمصالح الحكومة ولأقسامها المختصة صورة أى بلدة فيظهر عليها

ما فى تلك البلدة من مرتفعات ومنخفضات وما فيها من طرق  مائية وبرية أو جسور

تحليل الصور

ويسهل على الأخصائيين فى التصوير تحليل الصور كما يسهل  على الكيميائيين تحليل المواد. فبعد أن ينتهى المعمل من صنع  الصورة فإنها تحلل بأن توضع تحت مجهر خاص يكشف أسرارها  فما يرى خطاً ضعيفاً بالعين المجردة قد يكشف عن خندق مسلح  وما يظهر نقطة سوداء على الصورة قد يظهر مدفعاً بالتحليل الفنى  وأمام العين العسكرية والخبرة الحربية

ويتدرب كثير من رجال الطيران على فنون التصوير الجوى  ومنهم من يتخصص فيه. ومن الضروري أن يلم كل طيار بمبادئه  الأولية حتى يدرك مدى المعونة التى يقدمها للمصور إذا اشتغل  أحدهما مع الآخر وحتى يدرك أهمية المناطق التى يمر بها أثناء  انتقاله فى الجو من جهة إلى أخرى

ولا تقتصر عملية التصوير الجوى على الفوائد العسكرية  بل تتعدى إلى الفائدة العلمية؛ فبالتصوير الجوى نستطيع أن نحصل  على صورة دقيقة للتعاريج الساحلية أو النهرية وضبط مواقعها  ومسافاتها بالضبط. وقد أتيحت لى الفرصة فشاهدت مدينة  القاهرة التى التقطها سلاح الطيران البريطانى فرأيت فيها شوارع  المدينة فى أتم وضوح كما شاهدت جزر النيل وجسوره وإنحناءاته  ظاهرة بكل تفصيل

٤٠٠٠ صورة فى صورة

وفى آخر مرة  زرت فيها قسم  التصوير الجوى  شاهدت العمال  يعدون صورة  لفرع رشيد بلغ  طولها بعد لصق  أجزاء الصو  ما لا يقل عن  عشرين متراً،  كلف التقاطها  وطبعها القسم ٣٠٠  جنيه، إذ تتكون  الصورة من ٤٠٠٠ جزء كان التقاطها بمعرفة سلاح الطيران الجوى  البريطانى يكلف الحكومة المصرية أربعة آلاف جنيه. وقد أنشئ قسم التصوير الجوى المصرى سنة ١٩٣٣ فعين  فيه ثلاثة أفراد مصريان وصول إنجليزي، ثم ازداد عدد العمال  تبعاً لنمو الجيش وحاجة سلاح الطيران. فاقتنى من آلات التصوير  وأجهزته أدقها، وعين من الأخصائيين المهرة الذين حذقوا هذا  الفن ودرسوه فى بعثات أرسلت إلى البلاد الإنجليزية حتى أصبح  استعداد القسم ينافس أحسن الأقسام فى البلاد الأوربية

ففى استطاعة قسمنا المصرى أن ينتهى من عمل خريطة  مكونة من ٦٥ صورة فى مدة ٢٤ ساعة بأى مقياس مطلوب رغم  ما فى هذه العملية من صعوبات فنية. وقد أثبت رجال القسم  جدارتهم وسرعتهم فى مناسبات كثيرة فى الحفلات العسكرية  الرسمية المختلفة، فأمكن إخراج الصور وتجفيفها ثم إهداؤها  للزائرين فى مدة نصف ساعة. وعند زيارة سمو الأمير محمد رضا  ولى عهد إيران للكلية الحربية قدمت لسموه صور زيارته للكلية  قبل أن يغادرها رغم بعد المسافة بين الكلية وبين مطار ألماظة  مركز القسم

معامل متنقلة

وأعد القسم عدته حتى لا يقتصر نشاطه على منطقة واحدة،  فجهز سيارات خاصة بجميع الأجهزة اللازمة حتى تكون معمل  تصوير متنقلاً يستطيع تحميض الصور وطبعها وتكبيرها فى أى  زمان ومكان، وفى مختلف الظروف والأحوال. وخصص لكل  سيارة عمالها كما وزع بعض رجاله فى المناطق التى تمس الحاجة  العسكرية إلى وجودهم فيها.

فمنذ سنة ١٩٣٣ وقسم التصوير الجوي يؤدى مهمتين: أولاهما  العمل الفنى المطلوب، والثانية تعليم الجنود والضباط. فهو من هذه  الناحية معمل ومدرسة يقضى فيه الطالب ثمانية أشهر يتلقى فيها  جميع الفنون التي يحتاج إليها المصور البارع من نظريات لفهم التصوير  وتركيب حوامض التحميض والطبع ثم التكبير وضبط  الصور وتحليلها وتأثيرالحرارة على الأفلام والأحماض

وبهذا المجهود  الكبير أمكن  لقسمنا المصرى  أن يسجل لنفسه  طريقة جديدة فى  طبع الصور ذات  الألوان المتعددة.  وهى طريقة معقدة  ولكنها أسهل من  الطرق المتبعة فى  البلاد الأخرى وتحتاج إلى خبرة ودقة كبيرتين، ففى وسع قسم  التصوير أن يقدم لك صورة أى منظر طبيعى أو صناعى بألوانه  الأصلية مهما تباينت ألوانه. وهو يقدم للصحافيين الأجانب  أحسن مناظر مصر الطبيعية بألوانها الأصلية، فأضاف إلى مهمته  العسكرية مهمة جديدة هى الدعاية لمصر بتقديم صورة ناطقة عن  الحياة وسحر الطبيعة فيها.

اشترك في نشرتنا البريدية