الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

فن التفكير !

Share

من الكتب التى أطالعها فى مصيف كتاب (( فن الحياة )) لصاحبه (( أندره موروا )) ، وهو يتضمن خمسة فصول : فن التفكير ، وفن الحب ، وفن العمل ، وفن القيادة ، وفن الشيخوخة .

يذهب (( موروا )) إلى أن التفكير نوعان : تفكير بالأجسام وتفكير بالألفاظ ، ولقد أطلق على التفكير بالأجسام اسماً ادق ، فسماه (( التفكير على مقربة من الأشياء ))، فمن قبيل التفكير بالأجسام تفكير القط مثلا ، الذى يقفز من الأرض إلى منضدة عليها فناجين وكاسات ، فيجلس هذا القط بين الفناجين والكاسات من دون أن يكسر فنجاناً أو أن يمس كأسا ؛ فهذا القط يفكر بعضله وبعينيه ؛ ومن هذا القبيل أيضا النحات الذى ينحت التماثيل ، أو اللاعبون على اختلافهم ، اللاعبون بالسيوف أو بالكرة أو بالتنس .

فالذين يفكرون بأجسامهم يفكرون على مقربة من الأشياء ، فهم يدركون صعوبة هذه الأشياء ، ويقيسون تبعتهم فيها ، ويقدرون هذه التبعة حق قدرها ، وهم من هذا الوجه حذرون ، فان اللاعب بالسيف أو بالكرة أو بالتنس إذا اختلت حركة من حركات جسمه ، اختل اعتدال هذا الجسم من فوره ، فأخفق اللاعب فى لعبه .

أما الذين يفكرون بالألفاظ وحدها فإنهم لا يشعرون بصعوبة الأشياء التى يفكرون فيها ، فاذا وقعوا في خطأ فانهم لا يدركون تبعتهم ، ولا يقدرون هذه التبعة إلا بعد حين من الزمن ؛ فالبناء الذي يفكر بجسمه إذا حاول أن ينقل آجر البناء من موضع إلى موضع فأنه لا يستطيع أن

ينقل إلا آجرة بعد آجرة ، لأنه إذا تراكم الآجر عليه دفعة واحدة قتله ، فهو من هذا الباب متيقظ . أما الذى يفكر بالألفاظ فأنه لا يعانى فى هذه السبيل ما يعانيه البناء أو النحات أو غيرهما . إنه لا يستعمل فى عمله إلا مقاطع الحروف وحدها ، وهذا ما يجعل عمله سهلاً ، فأنه يستطيع أن يحرك شعوباً وجيوشاً من دون تعب ، فليلفظ رئيس وزارة بكلمة (( التعبئة العامة )) فبهذه الكلمة التى لم تكلفه إلا تحريك شفتيه قد ينزع برجال أوربة عن دورهم وعن أهلهم ، وقد يملأ السماء بطيارات من شأنها عدم مدن بمجامعها ، أو عالم بحذافره ، كل هذا التهديم سببه لفظة واحدة : التعبئة العامة ، ولكن رئيس الوزارة لا يدرك تبعة هذه اللفظة ، ولا يقدر هذه التبعة حق قدرها إلا بعد حين .

إن الذين يفكرون بالألفاظ وحدها يلعبون بألفاظهم لعباً من دون أن يشعروا بما يجره هذا اللعب من الويل ، وقد يعتقدون انهم يصلحون الناس والأشياء بالألفاظ ، على حين لا يحركون إلا مقاطع الحروف ، فهذا الاقتصادى الجالس أمام منضدته يمسك بقلمه فيكتب ما يلي : زيادة الأجور تؤدى إلى زيادة قوة الشراء ، وإذا ازدادت قوة الشراء انتهت الأزمة ، فهذه ألفاظ متناسقة ، وكانها تفصح عن فكر صحيح ، وصاحبها مؤمن بها الايمان كله ، إلا أنها لم تغير شيئاً من الاضطراب الاقتصادي فى العالم .

ولماذا ؟ لأن بين الألفاظ وبين الأشياء ضربا من التباعد ، فان بساطة الألفاظ لا تمثل على وجه مضبوط تراكب الأشياء ؛

استنبط (( موروا )) من هذا كله أن اللفظة المجردة كالفاشستية أو كالديمقراطية مثلا قد تكون فى طائفة من الأحوال سبباً فى تنازع رجلين ، أو فى تخاصم حزبين ؛ انظر إلى رجلين فى مجلس من المجالس بتساقطان الأحاديث والأخبار على أتم ما يكون من صفاء الود ، وإنهما لكذلك إذ يقذف أحدهما بكلمة الديمقراطية ، ويقذف الثانى بكلمة الفاشستية فيصير الصفاء بينهما إلى كدر .

كل هم (( موروا )) في هذا الباب أن يبين أن الانسان يستطيع أن يقول كل شىء بالألفاظ ، ولكنه إذا لجأ إلى الأعمال صعب عليه كل شىء . فنابليون الثالث كان يقول بمبدأ القوميات ويحق الشعوب فى تقرير أمورها ؛ ولكن هذا كله إنما هو ضرب من الألفاظ المجردة ، غير ان هذه الألفاط كانت سبباً فى خراب أوربة عصرنا هذا . يخطب خطيب فى جمهور من الناس ، فيتكلم على تهديم فكرة رأس المال ، فيصفق له الجمهور ، ولكن اسأله : بأيه ذريعة يتدرع إلى تهديم هذه الفكرة ؛ فأذا تغلغل إلى تفاصيل هذه الذريعة صدمته حقائق الأشياء ، فرأي بعينيه صعوبة كل عمل فى هذه السبيل .

أنفصل فى هذا المقام عن (( موروا )) وأترك الموضوع الذى تفرغ له وهو إشباع الكلام على فن التفكير ، وأقتبس عنه هاتين العبارتين المتناقضتين : الذين يفكرون على مقربة من الأشياء والذين يفكرون بالألفاظ وحدها ، وأحاول أن أستخرج من هاتين العبارتين غير الذى استخرجه ، فإن للموضوع الواحد وجوها شتى ، فها أنا أتصدى على سبيل الإيجاز لوجه من هذه الوجوه قد تكون أشد صلة به في الشرق .

إننا في معظم أحوالنا لا نفكر على مقربة من الأشياء ، وليس معني هذا اننا لا نفكر تفكير القط الذي أشار إليه

(( موروا )) أو تفكير البناء والنحات وغيرهما ؛ وإنما الذى قصدت إليه أنا نبعد من الأشياء ، فنفكر بالألفاظ المجردة وحدها ، من دون أن نشعر بتبعتنا فى المجازفة بهذه الألفاظ ، فلا نألف عالم الأشياء ، ولا نمازج مصاعبه وتكاليفه ، ولنضرب مثلا :

من الألفاظ التى ولد لها هذا العصر معانى أضيق من المعانى التى كانت لها فى الماضى لفظ العالم ، فلا تزال معاشر الشرقيين تجازف فى كثير من المواطن بهذه اللفظة من دون أن نشعر بصعوبة الشىء الذي تدل عليه ، ومن دون أن نقدر تبعتنا فى إطلاقها حق القدر ، إننا نستعملها فى كل حال ، ونحن لا ندري التعب الذي يتعبه العالم حتى يستحق هذا اللقب ، فلنقارن بين تعريفنا لهذه اللفظة وبين تعريف الفرنسيين لها ، حتى ندرك الفرق بين نظرنا إلى الأشياء وبين نظرهم ، ونشعر بتفاوت النظرين .

اللغة الفرنسية توضح الفرق بين العالم وبين الرجل العالم ، إنى أستند إلى الأستاذ (( شارل ريشة )) صاحب كتاب : (( العالم )) فى توضيح هذا الفرق ، يقول الأستاذ (( ريشة )) :

(( قد يستطيع الرجل أن يكون عالما بالفلك ، فإذا كانت له صناعة غير صناعة هذا العلم ، إذا كان مثلا من أمراء البحر أو مهندسا بحريا فهو ليس عالما )) .

ليس فى الصناعات ما يناسب صناعة العالم إلا صناعة الأستاذ ، لأن العالم لا يستطيع أن يعيش من علمه وحده وإلا مات من البرد والجوع والشقوة ، فهو فى حاجة إلى مرتزق ، والتدريس مرتزقه .

إنك لتجد أنواعا كثيرة من العلماء ، فقد يكون عالما من يدرس المخطوطات أو الخطوط المصرية القديمة أو اللغات الخارجية على قواعد النحو والتصريف أو التواريخ القديمة ، ولكن الذي يكتب فى التاريخ الحديث أو فى

تاريخ العصر فهو لا يعمل عمل العالم . والذي يميز العلماء كلهم ، سواء أكانوا رياضيين أم كيمياويين أم فلكيين أم غير ذلك ، انهم لا يعملون ليصلوا فى أعمالهم إلى نتيجة عملية ، فهم لا يمزجون النظر بالعمل ؛ فالمهندس الذي يتولى إنشاء سفينة أو بناء جسر ليس عالما ، مع أنه فى حاجة إلى التعمق فى الرياضيات ، والسبب فى ذلك أن غرضه لا يكون فى التنقيب عن حقيقة مجهولة فهو يبحث عن نتيجة عملية مادية سريعة ، وكذلك شأن الطبيب الذي يراقب مرض المريض ، أو الجراح ، فانهما غير عالمين ، لأنهما يبحثان عن شىء غير المعرفة ، فانشاء سفينة أو انقاذ مريض إنما هو ضرب من العمل لا ضرب من التفكير .

وليس فى قولنا للمهندسين وللجراحين : لستم علماء ، شىء من التنقص ، فقد يمكن ان يكونوا جد علماء ، ولكنهم لا يعملون صناعة العلماء ، لأن لهم غرضا غير عرض الاهتداء إلى حقيقة ، فهم يعملون صناعة المهندسين والجراحين .

هذا فرق دقيق ، ولكن المرء يعترف بصحة هذا الفرق بعد إعمال الروية ونضج التفكير .

قد يكون كلام الأستاذ (( ريشة )) نمطا من فقه اللغة ، فقد يجوز ان يكون للفظ من الألفاظ فى لغة من المعانى الضيقة أو الواسعة ما ليس له فى لغة ثانية ؛ فليس فى لغة العرب مثلا لكلمة العالم من المعانى الضيقة ما لها فى اللغة الفرنسية ؛ ولكن إذا دلنا هذا الفرق على شىء فأنه يدلنا على نوع من تفكيرنا وتفكيرهم ؛ إنه يدلنا على أنا لا نلصق بالعلم كما يلصقون ، ولا نتغلغل إلى أسراره كما يتغلغلون ، ولا نعرف بواطنه كما يعرفون ؛ حسب الرجل منا أن يلم بيسير من الرياضيات أو من الطبيعيات أو من النبات حتى يقال فيه إنه عالم ، وإنه علامة ؛ إنا لا نزال بعيدين عن الأشياء التى تدل عليها بعض الألفاظ ، ولهذا البعد

ضعفت معرفتنا لخصائص هذه الأشياء بقدر ما اشتدت معرفة الإفرنجة لها ؛ فنحن لانفرق بين العلماء وبين أنصاف العلماء ، فإن (( لافوازيه )) فى نظرنا عالم ، والملم ببعض مبادئ الكيمياء عالم أو علامة .

فكيف تكون حالة لغتنا وحالة مستوانا الفكري بعد هذا الطراز من التفكير ؟ أي بعد الانحراف فى تفكيرنا عن الأشياء ؛ أما اللغة فتسرع إليها الشيخوخة ، لأنا إذا داومنا على المجازفة بالألفاظ من دون أن نسمى الأشياء بحقائق أسمائها فلا يبقي لهذه الألفاظ قيمة ؛ فأي قيمة لكلمة العالم إذا كنا نسمي (( لافوازيه )) عالما ونسمي المطلع على يسير من الكيمياء عالما ؟ لا بل أي قيمة فى مثل هذه الحال للعلم نفسه؟ ماذا نعمل بهذه الألفاظ إذا سمت مداركنا غدا ففكرنا على مقربة من الأشياء ؟ ماذا نعمل بها إذا فهمنا حقائق الأشياء ، ففهمنا حقائق العلم والعالم مثلا ؟ أفلا نجد أنا نصبح فى يوم تشيخ فيه كلمة العالم وتهرم ، فلا تصلح لتأدية المعنى الذي تريده ؟

وإلى جنب هذه العاقبة المؤلمة عاقبة ثانية فى مستوانا الفكرى ، لا شك فى أنا إذا رضينا بالتفكير بالألفاظ المجردة وحدها بعيدين عن الأشياء التى تدل عليها هذه الألفاظ ، ضاق مجالنا فى إدراك حقائق هذه الأشياء ، وقل نصيبنا منها ، وضعفت صلتنا بأسرارها ، فنكتفى بالقشر ونطرح اللباب ؛ فإذا قنعنا مثلا بأن نسمى كل نصف متعلم عالما أو علامة ، فلا نقدر العالم الصحيح حق قدره .

وهكذا شأننا فى مجازفتنا بكل هذه الألفاظ المجردة التى انحدرت إلينا معان لها فى الغرب لم يألفها ماضى لغتنا كالعبقرية وأشباهها ؛ فهل يأتي علينا حين من الدهر تفكر فيه على مقربة من الأشياء ، فندرك حقائق هذه الأشياء ، ونشعر بتبعتنا فيها ، فلا نعطيها أكثر مما تستحق أو أقل مما تستحق ؟ . ( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية