الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45 الرجوع إلى "الثقافة"

فن الحزن . . . !

Share

لأول مرةٍ في حياتي أدس قلمي بين قلمين يتحاوران ويتنازعان في قضيةٍ من قضايا الدنيا أو الدين ، وحين كنت قاضيًا لم يكن يَحرَج صدري بقضية قدر حَرَجه بقضية يقتحم فيها على المتخاصمين ثالث ، فتتشعب به وجوه الخلاف ، ويطول أمدُ النزاع ، ويحتاز صدرًا كبيرًا من همِّ القاضي في البحث والتحري عما إذا كان هذا الخَصم الثالث جادًا في دعواه ، جاريًا على عرقٍ من الحق في مطلبه ، أو هو متواطئ مع أحد الخصمين ليدفع بدء عن بعض حقه ، أو ليدفعها من حقِّه كلِّه ؟

ولقد بان لي بعد امتحاني بمنصب القضاء بزمن يسير أن أكثر قضايا المحاكم الشرعية التي يقتحمها هؤلاء الخصوم ، هي قائمة على التواطؤ مع أحد الطرفين ، كيدًا وعنتًا وأذى للطرف الآخر بغير حق ولا سبب مشروع ! على أن ذلك لا يعفي القاضي من البحث والتحري وشدة التدقيق ، فلعل هذا الخصم الثالث جاد ، ولعله صاحب الحق دون المتنازعين جميعًا !

ولقد كان من أثر هذا في نفسي أن كرَّه إليها الدخول بين متجادلين ، ولو في شأن عام ، ولو في قضايا العلوم والفنون والآداب ، فيما يقع عليه الخلاف بين الباحثين والكتاب .

ولكني رأيت أن حجتي ، في هذه المرة واضحة ، وأن سلطاني في الأمر مبين ، بحيث لا يستطيع أحدُ المتنازعين ان ينكره او يكابر فيه ، ويعتريه بشيء من الشك كثير أو قليل . إذاً فمن الاثم أن أسكت ،

وخاصةً إذا كان النزاع إنما يتعلق بالشأن العام ، وعلى الأخص إذا لم يكن بيني وبين أحد الطرفين نزاع ولا خصام!

ولقد كتب صديقي الأستاذ المحقق أحمد أمين في " الثقافة " مقالا ممتعًا ، يدعو فيه إلى استغلال ( فن السرور ) . ومما جاء فيه :

" مع الأسف ألاحظ أن كمية السرور في الشرق قليلة ، كما لاحظتُ من قبلُ أن كمية الحب في مصر والشرق قليلة . وليست تنقصنا الوسائل ، فجونا جميل ، وخيراتنا كثيرة ، وتكاليف الحياة هينة ، ووسائل العيش يسيرة ، ومصايب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب ؛ ومع هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل . (أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فن ، والسرور كسائر شئون الحياة فن ؛ فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظِي به ، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقِيَ به ) .

وسرعان ما انبرى له صديقي العظيم الدكتور طه حسين بك ، فأثنى على الفكرة ، بادي الرأي ، ثم راح يشكك في إمكان تحقيقها ، ثم ما لبث أن أطلق العِنان لمداعباته العذبة الفخمة ، التي قسُح في الوقت نفسه فنًا وأدبًا . وجعل يتساءل عن الجماعة التي ينبغي أن تضطلع بتنظيم "فن السرور " وهل تكون من بين علماء النفس ، أو من بين علماء الاجتماع ؟ وبعد أن دوخ الفكرة بشدة الترجيح بين هاتين الفئتين ، انطلق يحبرها بين "جهات

الاختصاص " إذا صدق هذا التعبير الديواني ، فإذا هي قد ضلت المسالك جميعًا ، فلن تجد إلى مثابتها السبيل ! وأخيرًا ، وأخيرًا جدًا ، رأي الدكتور طه بك أن يَعدِل بالحديث إلى ما هو أرفق وأقوم ، وأجدى وأنفع ، وأيسر كلفة ، وآكد تحقيقًا ، قال حفظه الله :

" ومن المحقق أني لم أكد أفرغ من قراءة مقال الأستاذ أحمد أمين ، وأتخيل الآفاق البعيدة التى تمتد أمام اقتراحه او أمام فكرته ، حتى أخدني الحسد ، ورغبت في ألا يستأثر من دوني بإنشاء فن السرور ، وأبيت إلا أن أكون مثله صاحب فكرة خطيرة ، وداعيا إلي إنشاء فن خطير . فأمليتُ هذا المقال لأدعو به إلى إنشاء فن الحزن . وأنا أبرع من الأستاذ أحمد أمين وأمهر في التصور . والفن الذي أريد إنشاءه لا يكلف مشقة ولا جهدًا ، ولا يحتاج إلى تأليف لجان ، ولا إلى تحديد اختصاص ، ولا إلى نشر مقالات . وإنما يحتاج إلى شئ واحد يسير جدًا ، هو أن تنظر في الحياة المصرية ، ثم تعود إلى نفسك لتفكر فيما رأيت . وأن ضامن لك بأنك ستجد في هذا النظر وفي هذا التفكير ، مصادر حزن لا تنقضي ، وألم لا يزول .

" وإذا كان السرور خيرًا لأنه يرفه على النفس ويحبب إليها الحياة ، فقد يكون الحزن خيرًا أيضًا ، لأنه يدعو إلى العمل ويدفع إلى محاولة الإصلاح " ا ه .

وبعدُ ، فلست أعرض لما اقترح الأستاذ أحمد أمين من إنشاء ( فن السرور ) ، ولا أمتدح الفكرة ولا أهجنها ؟ وعلى ذلك فليس بيني وبينه أي نزاع ، وقد كُفيتُ المؤونة من هذه الناحية ، والحمد لله . بقيت الناحيةُ الأخرى ، أعني فكرة الدكتور طه بك حسين ، وهي التي تدعو أو يدعو هو بها إلى إنشاء ( فن الخزن ) - فهي التي نَكسِر عليها الحديث ، والله المستعان :

وفي رأيي أن صديقي الدكتور طه قد غلط مرتين لا مرة واحدة . غلط بدعوته أولًا إلى إنشاء فن للحزن ؛ وغلط بزعمه ثانيًا أن إنشاء هذا الفن لا يكلف مشقة ولا جهدًا ، ولا يحتاج إلي تأليف لجان إلخ.

ولا أدري كيف غاب عن صديقي أن ( فن الحزن ) فن قديم ، ولعله من أقدم الفنون . وما لنا نسافر إلى التاريخ البعيد ، فنتقرى الأخبار من نقوش الآثار ، وحسبي أن يعلم الدكتور أكثر مما أعلم أن الحزن كان في صدر الإسلام فنًا له خطر غير قليل . وأظن أن أحدًا لا ينازعني في أن المراد بالحزن في هذا المقام إثارته وإذكاؤه ، لأن أحدًا لا يرتجل الحزن ارتجالا ، ولا يستحدث الشجن استحداثًا.

أعود فأقول إن الدكتور أعلم مني بأن ( الحزن ) ، على هذا المعنى ، كان في صدر الاسلام فنًا له خطر ، والدكتور أعلم مني بأن ابن سريج ، وأن الغريض كانا كلاهما نائحين قبل أن يكونا مغنيين . وهما من نعلم ، جلالة فن ، وجودة صنعة ، وبراعة أداء . وابن سريج والغريض بعد إذ غنيا وذهب لهما في الغناء صيت وذكر ، لم يكن أحد منهما ولا من أضرابهما ليتحرج من تلحين الأصوات ، لتنوح بها النائحات ، في جُلى الحادثات . وهذه كتب الأدب العربي تفيض بأخبار النِّياحات . فلندع إذًا هذا الحديث المعاد .

أما مصر ، فلها في ( فن الحزن ) عرق عريق ، وخاصة في العصر الحديث ، ولا يزال هذا الفن قائمًا إلى الآن ، وإن جَعل يُقبل على الدثور ، مع الأسف العظيم ، ما دمنا ترانا بحاجة إلى إنشاء ( فنون الأحزان ) لا يزال في مصر إلى الآن (الندابات )( ١) ،ولا يزال

فيها النائحات ، أو بالتعبير الشائع ( المعدِّدات ) (١) أعاذنا الله وأعاذ القراء جميعًا من الحاجة إلى هؤلياء ، وإلى هؤلياء . أما ( الندابات ) فجماعة من النساء يُلقين ترانيمهن على نقر الدفوف في قوة وعنف ، إذ النساء من أهل الميت يثِبن على هذا النقر وثبًا ، ويوقعن على هذا النبر ، لا ضربًا على أوتاد العود ، بل لطمًا على الخدود ، حتى يُفري أديمها ، وتُهرا لحومها .

وأما النائحات (المعددات) فلا دفوف في أيديهن ، ولا يصوتن بالعديد إلا فرادي . وكلما انتهين إلى موقف عج النساء جميعًا بالصياح ، وبكين فاستعيرن ، سواء في ذلك أهل الميت ومن لا شأن لهن به من المعزيات ، ويظل هذا ثلاثة أيام من وفاة الميت ، وكل يوم خميس ، ثم تختم هذه النياحات بيوم الأربعين .

ولقد فاتني أن أقول لك إن ( المعددات ) منهن المحترفات ، ومنهن الهاويات . وإن جماعات الهاويات ليفعلن هذا احتسابًا ، او مجاملةً لأهل الميت ، او مصانعةً لعواطفهن إذا كان الدهر قد امتحنهن أيضا في كريم . أما (الندابات) فلا يكن إلا محترفات .

ولكي تعرف مبلغ (فن الحزن) في مصر ، والإسراف في إذ كاء عاطفة الأسى والشجن ، أنك كنت إذا سعيت صباح يوم الخميس في أي حي من أحياء العاصمة ، رأيت الجماعات من النساء عليهن السواد ، وقد ضرب بالخُمُر السود على رؤوسهن وعوارضهن ، وفي أيديهن المناديل السود ، وهن يمشين على غير هدى ، حتى تصادفهن مناحة ، فينزلقن إليها ، ما يعرفن الميتَ أو الميتة ، ولا لهن عهدٌ بأحد من أهلهما أبدًا . وذلك كله انتهازًا للفرصة السعيدة في البكاء الحار ، وسفح الدمع السخين . ولقد تجاوز (فن الحزن) المصري نطاق التبكي على الموتي

إلي سائر مواجع النساء ، حتى لترى كثيرات ممن يطلبن المناحات ، مما يطلبنها ليُعوِان وبطرحن أثقالًا من الدموع على ما لا سبب له إلى الموت ولا إلى الأموات . فما تكاد النائحة تؤذن بفترة الاستراحة (Enir acie) بعد الفصل , حتى تقبِل عليها النساء من كل جانب ، فيلقين في حجرها بالدراهم ، ويدعوها العامة (النقوط) . هذه تسألها ان تقول فيمن هجرها زوجها ، وهذه فيمن اتخذ عليها الضُّرة ، وهذه فيمن ( مال بخت بنتها ) بزواجها من المضار غير الكفء ، أو بكيد حماتها وكثرة إيذائها ، وتلك في خيبة سعي ولدها ، واخري في سرقة حليها وما ادخرت من المال في الدهر الأطول لليوم الأسود . الخ الخ .

وعند النائحة (المعددة) الكفء ما يُذكي نارَ الأسى على كل هذا ، ويستدر الدمع الغزير ، فإذا لم يكن حاضرها شئ منه ارتجلته ارتجالا ، حيث تصيح صاحبةُ الشأن صياحًا متداركًا ، أو تبكي وتنشج حتي تسكن عاطفتها وترضى !

والآن ، والآن فقط ، لقد تفطنتُ إلى أنني ظلمت صديقي الجليل القدر الدكتور طه حسين ، فيما لعلي قد عزوت إليه ، من قريبٍ أو من بعيد ، تجاهله قيام (فن للحزن) متين القواعد ، ثابت الأصول ، مفصل الفصول . فالدكتور طه بك أجلُّ من أن يتجاهل شيئًا ليُعاز صاحبه في الحوار !

وأكبرُ الظن أن الدكتور ، على علمه الواسع بفن الحزن القديم ، وعلمه الضيق بفن الحزن القائم في مصر إلى الآن ، لم ير شيئا منهما قادرًا على أن يؤدي مطالب العصر الحديث ، وكذلك أسقطهما من الحساب . لأن العصرَ الحديثَ عصرُ الجماعات والشركات والقوميات . لا عصر الفرديات التي لا تتجاوز أقطار الأشخاص . هو

العصرُ الذي ينبغي أن تُندب فيه المرافق العامة ، وتُبكى المنافع القومية . وهذا حقٌ لا ريب فيه ، وهذا هو الأشبه بتفكير أمثال الصديق العظيم .

بقى أن الدكتور ، مع هذا ، تراه يتهاون فن الحزن ، ذاهبًا إلى أنه يكفي أن ينظر المرء في الحياة المصرية ، ثم يعود إلى نفسه ليفكر فيما رأي ، حتى يجد في هذا النظر وهذا التفكير مصادر حزن لا تنقضي وألم لا يزول .

لا ياسيدي الدكتور ، فليس بهذا الموضع من اليسر اليسير . فكلنا ينظر في الحياة المصرية ، وكلنا يعود إلى نفسه فيفكر فيما رأى . ومع هذا فلم يشق أحد منا حنجرته بصيحة ، ولا صك له خدًا ، ولا تبادر له دمع غزير ولا رقيق .

إذا لم يبق لنا بدٌّ من قيام فن للحزن قوي محكم ، عظيم الخطر ، بليغ الأثر ، ما دامت المصالح العامة في مصر لا تستقيم قناتُها إلا بثوران الأحزان وغليان الأشجان .

وإذا كان الفن القائم لا يواتي مطالب العصر ولا يحسن الترجمة عن حاجاته ، فلنعالج تحويله ، في رفق أو في عنف ، حتى يستطيع أن يقضي الحاجة ، و يُبلغ الطلبة و بنيل الأرب ، وذلك بإطلاق أصوات النياحة في الأسباب العامة ، بدل إرسالها في الشئون الخاصة و لندع الندبة والتعديد في ثكل الولد ، وهجر الزوج ، واتخاذ الضرة ، وسوء بخت البنت في زواجها ، وشقوة الولد ، وضياع السيد والقيد ، الخ الخ. ونصوغ الأناظيم في انحطاط مستوى التعليم ، وتدهور الأخلاق ، وتعطل الشبان من حملة عليا الشهادات ، وإهمال الانتفاع بمساقط مياه الخزان ، والإعراض عن الجد في استغلال الثروة المعدنية ، ومشكلة القطن ، والغلاء المصطنع ، وأزمة الزواج بين الشباب ، وإيثار المحسوبيات على الكفايات . ولا بأس بفرض أنشودة للموظفين

المنسيين ، في زوايا المصالح والدواوين. الخ الخ، مما لو طرى الناظمون نسجه ، ورققوا لفظه ، وجود الملحنون تلحينه ، وأجروه في نغم بائس حزين كالصبا والرمل مثلا ، ثم أحسن النائحات أو النائحون ترتيله وتوقيعه ، لأحزن وأبكى , وأشجن وأشجى ، وهيج الزفرة ، واستدر العبرة !!! . وكذلك ترقى سريعًا مرافق البلاد ، وتزول عنها أسباب الضعف والفساد!

وأرجو ألا تكون شخصية اللجنة التي يعهد إليها بهذا الإصلاح العظيم أو (جهة الاختصاص) . مما يكف عن مباشرته أو يعوق تحقيقه. ولعل من الخير في هذا الباب ، أن يُعجل بإنشاء كرسي (لفن الحزن) الحديث في كلية الآداب .

اشترك في نشرتنا البريدية