الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 43الرجوع إلى "الثقافة"

فن الحزن . .

Share

كل الناس يحب السرور ويحرص على أن تفتح له أبوابه، وتمد له أسبابه ، ويقدر له منه حظ مقسوم . وكل الناس - فيما أظن - يقيس رضاء عن الحياة ورضاء بها ، وسأمه من الحياة وسخطه عليها ، بما يتاح له فيها من آناء السرور. فن عظم حظه من السرور والابتهاج ، وأتيحت له هذه اللذات المختلفة التي تسره وتشيع البهجة في نفسه والقبطة في قلبه ، كان راضياً مطمئناً مستزيداً من الحياة. ومن قل حظه من ، هذا السرور ، ولم تمنحه الأيام أسبابه ودواعيه إلا بمقدار ، كان ضيقاً بالعيش ، منصرفاً عنه ، زاهداً فيه

ومن أجل هذا فكر صديقنا أحمد أمين في ساعة رضى وطمأنينة ، أو في ساعة الغضب وسخط ، فكر في أن ينشيء السرور فنا ، وفى أن يرسم لهذا الفن شكلا ظاهراً تخطيطيا كما يقول المهندسون ، لأن هذا هو جهد الكاتب، وأحال على علماء النفس درس هذا الشكل التخطيطي وتعمقه ، وإقامة بنائه المتين الذي يجد الناس فيه منهاجاً صالحاً يعلمهم كيف يسرون حين تريدهم الحياة على أن يحزنوا ، وكيف يفرحون حين تدعوهم الأيام إلى أن يترحوا ، وكيف يبتهجون حين تضطرهم الحوادث إلى أن يبتثسوا ، وكيف يلعبون بعقولهم ، فينقلونها من موضوعات الحزن واليأس إلى موضوعات السرور والأمل، كما يلعبون بالشطرنج فينقلون أحجاره من مكان إلى مكان .

ولست أختي علي صديقي أحمد أمين ، وعلي قرائه وقرائي في " الثقافة " أني رضيت عن هذا الشكل التخطيطي لهذا الفن الجديد ، وابتهجت به نفسى ، وأني

طمعت وما زلت أطمع في أن يعنى علماء النفس بإقامة بنائه الدقيق العميق ، لنتعلم كيف نسر أنفسنا وترضيها حين يكون كل شيء من حولنا يدعو إلى الأسى والابتئاس ؟ ولست أخفى على صديقي أحمد أمين ، ولا على قرائه وقرأني أنى لست بعيد الأمل ، ولا عظيم الرجاء في إقامة هذا البناء ، ولا في إنشاء هذا الفن الجديد الذى يعلم الناس كيف يسرون وكيف يلتمسون أسباب السرور . ومصدر الشك الذى أجده يسير جدا ؛ فقد طلب أحمد أمين إلى علماء النفس أن يعنوا بفنه هذا ؛ فمن الذى أنباء بأن العناية بهذا الفن من اختصاص علماء النفس ؟ إن رضي القارىء عن هذا التعبير الإدارى الذى تمتلىء به الدواوين. هنالك مسألة أساسية يجب أن نفصل فيها إن كان لنا الحق أو كانت لنا القدرة على أن نفصل في شى فهل السرور ظاهرة فردية، أم هل هو ظاهرة اجتماعية ؟ وواضح جداً أن حل هذه المسألة له خطره في تحديد الاختصاص بإنشاء الفن الجديد. إذا كان السرور ظاهرة فردية كان من الممكن أن نطلب إلى علماء النفس درسه وقد درسوه ، وتبين أسبابه وظواهر، وقد بينوها ، وتنظيم الفن التطبيقي الذي يمكننا من اخضاع هذه الأسباب والظواهر لحاجاتنا وأغراضنا ومن يدرى ؟ لعلهم إن وصلوا إلى هذه النتيجة استطاعوا أن يخترعوا لنا من أدوات السرور أشياء خيراً مما في أيدينا ، وأدوات أنفذ إلى أغراضنا من الأدوات التي اخترعها الناس إلى الآن ؛ فقد اخترعت الموسيقى وأدواتها ، واخترع الرقص وألوانه ، واخترع الشراب وفتونه ، واخترعت ألوان الطعام وضروبه،

واخترع الراديو والفنوغراف ، وما زال الناس مع ذلك يحزنون ، وما زال الحزن مع ذلك يستأثر ببعض النفوس أكثر مما يستأثر بها السرور . ماذا أقول ؟ بل إن اختراع. كل هذه الأشياء التي ذكرتها آنفاً إنما جاء بعد أن منحتنا الطبيعة ما هو أقدر من كل هذه الأدوات على أن يسرنا ويرد عنا الحزن ؛ فعى قد منحتنا جمال السماء ونجومها ، وجمال الأرض وما يختلف من مظاهرها الباسمة والعابسة، و مشاهدها الرائعة والزائفة ؛ ومنحتنا الطبيعة ما يضطرب بين الأرض والسماء من هذه الطير التي تغنينا إذا أصبحنا لتوقظنا على صوت الغناء العذب، والتي تجتهد ما استطاعت في أن تخلينا بما أتيح لها من ألوان الجمال وفنون الحسن ؛ تم لم تستطع كل هذه الأدوات التي وهبتها لنا الطبيعة والتي اخترعناها لأنفسنا أن تدعو إلينا السرور وتذود عنا الحزن، إما لأن الحزن أقوى من أن يرد ، ولأن السرور أسم لا يسمع الدعاء ، وإما لأننا لم نستكشف بعد فن السرور الذي يدعو إلى إنشائه صديقنا أحمد أمين .

فلنفشيء هذا الفن إذا إذا كان إنشاؤه سيحل هذه المشكلة. ولكن من ينشئة ؟ علماء النفس إن كان السرور ظاهرة فردية، وعلماء الاجتماع إن كان السرور ظاهرة اجتماعية. وقد وجد علماء النفس منذ أرسطاطاليس أو قبله أو بعده لا أدرى ، ولكنهم وجدوا على كل حال منذ زمن بعيد ، ولم يقصروا عن الجد في البحث والاستقصاء، حتى بلغ علمهم من الرقى إلى حيث يعرف صديقنا أحمد أمين وأصدقاؤنا الفلاسفة في كلية الآداب وفى معهد التربية، ولكنهم لم ينشئوا بعد هذا الفن . وقد وجد علماء الاجتماع منذ أرسطاطاليس أو قبله أو بعده لا أدرى ، وما زالوا يجدون حتى أقاموا لهذا العلم صرحاً فخما ضخما ، ولكنهم لم ينشئوا بعد هذا الفن وأكبر الظن أن مصدر هذا القصور ، إنما هو أن علماء النفس والاجتماع يعملون على غير نظام وفي غير تعاون

ينسق أعمالهم ويلائم بين ما يبدلون من الجهود. فالخير إذا في أن تلتمس طريقاً لتنظيم هذه الجهود المضطرية وتنسيق هذه الأعمال التى يذهب كل منها في طريق يعاكس الطريق التي يذهب فيها غيره . ويد الله مع الجماعة، والتنظيم خير من الاختلاف والاضطراب والتشعث ، ولكن لا بد قبل كل شيء من أن تعرف أيكون السرور ظاهرة فردية أم يكون السرور ظاهرة اجتماعية ، للكل أمره إلى هذا الفريق من العلماء أو ذاك، والواقع أن السرور يجمع بين الخصلتين ، فهو ظاهرة فردية ما في ذلك شك ، لأن الأفراد يرون، وقد يسر الفرد وهو وحيد ، ويكون مصدر سروره شيئاً يأتيه من نفسه أو من عمله أو من الطبيعة حوله ؛ وقد تسر الجماعات ويكون مصدر سرورها شيئاً يأتيها من الحياة الاجتماعية أو من الطبيعة التي تحيط بها وتؤثر فيها ، فهناك سرور فردی و سرور اجتماعي ؛ وربما كان الخير أن تنظم لجنة مشتركة من علماء النفس وعلماء الاجتماع للدرس اقتراح الأستاذ الصديق، وتضع لنا هذا الفن الذي سيطهر نفوسنا من الهم ويغسل قلوبنا من الحزن ، ويردنا بإذن الله إلى براءة الأطفال الذين لم تعرف آلام الحياة إلى نفوسهم سبيلا .

ولكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد، ولا تتضاءل أمام هذا الحل ، بل تنشأ عنها مشكلة أخرى ليست أقل منها تعسراً ولا تعقداً ، لأنها لا تتصل كما يتصل كل شيء بهذه المسألة الخطيرة جداً ، مسألة تنازع الاختصاص ؛ فأين يكون مستقر هذه اللجنة ؟ ولأى وزارة من وزارات الحكومة يصح أن تضاف ؟ وبأى مصلحة من مصالح الحكومة يصح أن تتصل ؟ أيصح أن نضيفها إلى وزارة المعارف ونقرها في معهد التربية لمكان علم النفس في هذا المعهد ؟ أم يصح ألا نضيفها إلى وزارة المعارف ولا تقطع الصلة بينها وبين هذه الوزارة ، وإنما نقرها في الجامعة المستقلة فتكون متصلة بالوزارة منفصلة عنها ، وخاضعة

للوزارة ومستقلة عنها كل الاستقلال أو بعضه على اختلاف في ذلك ؟ وأنت تعلم أن علم النفس يدرس في الجامعة ، وأن علم الاجتماع يدرس فيها أيضاً . أم يصح أن نضيف هذه اللجنة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية التي أنشئت قبل كل شيء ، وبعد كل شي ، وفوق كل شيء ، لاصلاح حال الجماعات ؛ وأى إصلاح لحال الجماعات يعدل انشاء هذا الفن الذي يسر الجماعات ويفتح أمامها أبواب الأمل ويستنقذها من اليأس والقنوط والحزن إلى آخر الدهر ؟

وقد بدأت وزارة الشؤون الاجتماعية تقدر اختصاصها هذا قدره وتؤدى له حقه ، فسيطرت على بعض المرافق سيطرة خالصة لها من دون غيرها من الوزارات ، وشاركت بعض الوزارات في بعض المرافق ؛ ويقال إنها تنازع بعض الوزارات الأخرى في مرافق لم يتم الاتفاق على أصحاب الاختصاص فيها. فإلى من يكون أسر السجون ؟ أ إلى رجال الداخلية أم إلى رجال الشؤون الاجتماعية ؟ وإلى من يكون أمر الوعظ والإرشاد ؟ أإلى الأزهر الشريف ووزارة الداخلية، أم إلى الأزهر الشريف ووزارة الشؤون الاجتماعية ، أم إلى الأزهر الشريف دون الوزارتين أم إلى وزارة الشؤون الاجتماعية دون غيرها من المصالح والوزارات ؟ وإلى من يكون أمر الإحسان وأخذ الناس بأداء الزكاة والتبرع بالصدقات ؟ أإلى وزارة الأوقاف ، أم إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ، أم إلى مصلحة الضرائب ، أم إلى الجمعيات الخيرية الحرة، أم إلى أفراد الناس أنفسهم؟ وإلى من يكون تنظيم هذا الإحسان إذا بذل الناس أموالهم وضمنا من أموال هذه الصدقات ما يعصم الفقراء من الجوع، ويرد عنهم عادية الحر والبرد ، ويكفل لهم شيئاً من السرور هذا الذى نريد أن ننشىء له فنا جديداً ؟ أيكون هذا التنظيم إلى وزارة المالية التي يجب أن تشرف على المال وعلى كل ما تشم منه رائحة المال ، ان كانت للمال رائحة ؟ أم يكون ذلك الى وزارة الأوقاف

التي هي وزارة الفقراء والبائسين ؟ أم يكون ذلك إلى لجنة مختلطة يمثل فيها بنك مصر ، لأنه مصرف وطنى ، ولأنه يستطيع أن يحفظ هذه الأموال حتى توزع على الفقراء ، ولأنه يستطيع أن يضيف إليها معونة من عنده ، ولأنه يستطيع أثناء حفظها أن يشغلها فينميها إن أذن في ذلك من لهم الحق في مثل هذا الاذن. وهنا تنشأ مشكلة أخرى ؛ فأى المصالح له الحق في هذا الاذن ؟ الأزهر الشريف ، أم وزارة الشؤون الاجتماعية ، أم وزارة المال ، أم وزارة الأوقاف ؟

وكذلك نستطيع أن تدور بين المشكلات ، وأن تخرج من معضلة لنتورط في معضلة أخرى قبل أن نصل إلى إنشاء اللجنة المختلطة التي تنشئ لنا من السرور ، فضلا عن أن تصل إلى وضع هذه اللجنة في المكان الذى يريد لهما الله أن توضع فيه بين مصالح الدولة ووزاراتها ؛ ويوشك هذا الجيل أن يفارق الحياة دون أن يبلغ من تأليف هذه اللجنة ما أراد ؛ ويوشك من السرور الذى يريد أحمد أمين إنشاءه أن يضيع ؛ وتوشك أن تكل إنشاء هذا الفن إلى جيل آخر يكون أبصر منا بالأمور ، وأقدر منا على حل المشكلات ، وأبرع منا في تحديد الاختصاص. ولو أن الأمر ترك إلى لوجدت له حلا يسيراً سريعاً ، فطلبت إلى وزارة الشؤون الاجتماعية أن تعنى بإنشاء هذا الفن كما تعنى بغيره من الشؤون دون أن أحفل بإعتراض ما ، فإن اختصاص وزارة الشؤون الاجتماعية بحكم اسمها أبعد مدى وأقصى أمداً من أن يضيق بإنشاء هذا الفن المتواضع العظيم في وقت واحد ويكفي أن نعلم أن لفظ الشؤون الاجتماعية - إن كنا تعرف اللغة العربية - عمس كل شيء يتصل بالجماعات فلوزارة الشؤون الاجتماعية بحكم اسمها اختصاص في كل وزارة أو مصلحة من وزارات الحكومة ومصالحها ، لأن الحكومة نفسها ظاهرة اجتماعية فعى شأن اجتماعي

ووزاراتها ومصالحها شؤون اجتماعية ؛ فيجب أن تكون وزارة الشؤون الاجتماعية في حقيقة الأمر مصلحة المصالح ووزارة الوزارات . وقد يكون هذا الحل الذي أعرضه معقداً بعض التعقيد ، فقد تختلف عليه المصالح واللجان في وزارة الشؤون الاجتماعية. وإذا فلأعرض حلا آخر أشد من هذا الحل تواضعاً ويسراً ، وهو أن تؤلف لجنة لإنشاء هذا الفن من الاخصائيين في لجنة التأليف والترجمة والنشر ، وأن تجعل مستقر هذه اللجنة الخاصة في هذا البناء المتواضع الأنيق ، الذى يعرف برقم ٩ في شارع الكرداسي .

ومن المحقق أني لم أكد أفرغ من قراءة مقال الأستاذ أحمد أمين ، وأتخيل الآفاق البعيدة التى تمتد أمام اقتراحه أو أمام فكرته ، حتى أخذني الحسد ، ورغبت في ألا يستأثر من دوني بإنشاء فن السرور ، وأبيت إلا أن

أكون مثله صاحب فكرة خطيرة، وداعياً إلى إنشاء فن خطير ، فأمليت هذا المقال لأدعو به إلى إنشاء فن الحزن وأنا أبرع من الأستاذ أحمد أمين وأمهر في التصور ، والفن الذي أريد إنشاءه لا يكلف مشقة ولا جهداً ، ولا يحتاج إلى تأليف لجان ، ولا إلى تحديد اختصاص ولا إلى التماس مكان ، ولا إلى تأليف كتب ، ولا إلى نشر مقالات وإنما يحتاج إلى شي واحد يسير جداً، هو أن تنظر في الحياة المصرية ، ثم تعود إلى نفسك لتفكر فيها رأيت. وأنا ضامن لك بأنك ستجد في هذا النظر ، وفى هذا التفكير ، مصادر حزن لا تنقضى وألم لا يزول

وإذا كان السرور خيرا لأنه يرفه على النفس ، ويحبب إليها الحياة ، فقد يكون الحزن خيرا أيضا لأنه يدعو إلي العمل ويدفع إلي محاولة الاصلاح

اشترك في نشرتنا البريدية